روايات

لما سمع جوزى رومانى مكرم

لما سمع جوزي الدكتور بيقول إن فاضلي بس تلات أيام وام.وت، مسك إيدي وابتسم وهمس وقال: «أخيرًا… تلات أيام بس وكل بيتك وفلوسك هيبقوا بتوعي.» وبعد ما خرج من الأوضة، فضلت أسمع صوت خطواته وهو بيبعد عن الباب، وأنا بحاول أتحكم في دقات قلبي. اسمي إيفلين فانس… لا، من النهارده اسمي إيفلين فؤاد. عندي ٤٩ سنة، دكتورة سابقة اتحولت لرئيسة مجلس إدارة مجموعة عيادات ومشروعات طبية في القاهرة. بنيت كل حاجة من الصفر: كل عقار، كل حساب بنكي، كل استثمار كان باسمي قبل ما أتجوز بول جاريت… اللي بقى اسمه دلوقتي باسم جابر.

ما كانش عندي أطفال، ولا شريك حياة… كان عندي شغل وبس. ولما وصلت سن ٤٦، حسيت إن بيوتي مليانة، بس حياتي فاضية. وساعتها ظهر باسم — أصغر مني بعشر سنين، وسيم، لبق، وشغال إداري في واحدة من مستشفياتي. لما دعاني على العشا، حسيت إني رجعت بنت عندها ٢٥ سنة. صدقت إني لقيت الحب أخيرًا. لكن بعد تلات سنين… لقيت نفسي في أوضة كبار الزوار في المستشفى، كبدي بيقف، وكلاويّ بتنهار، وجسمي أصفر تحت إضاءة أنا اللي كنت مختاراها عشان تريح المرضى.

وسمعت رئيس الطاقم بيقول لباسم بصوت مكسور: «تلات أيام بالكتير… يمكن أقل. أنا آسف.» كنت حاسة إن جسمي بيقع من بدري، بس لما سمعتها بصوت واضح، عرفت إن اللي بيتغير مش بس جوايا… ده كمان الأقنعة اللي حواليا بتقع. قفلت عيني وتظاهرت إني نايمة. دخل باسم، قعد على طرف السرير، مسك إيدي، وفضل يحرك صباعه على معصمي كأنه لحظة حنية. لكن لما قرب من ودني، صوته كان حاجة تانية خالص. قال بهمس: «أخيرًا… استنيت اللحظة دي كتير.»

وضحك ضحكة صغيرة محدش غيري يسمعها. «تلات سنين تمثيل… تلات سنين أصحى على وشك البارد المشغول… أسمع محاضراتك عن الأخلاق وإنتِ قاعدة على ثروة كنتِ فاكرة إنك اشتريتي بيها راجل صغير. ما كنتيش تعرفي إن عندي خطة أحسن.» وقف لحظة، وبعدين قال: «الشاي كان تحفة… جرعات صغيرة كل يوم. قالوا توتر، قالوا إرهاق، قالوا سن… ولا حد هيشك. هتمو.تي، وأنا هرث كل حاجة: بيتك، فلوسك، مستشفياتك… كل حاجة.» ضغط على إيدي آخر مرة، وعدّل الغطا عليّ زي الزوج المخلص، وخرج وهو بيكلم الممرضة بصوت مكسور، كأنه الزوج المنهار.

الباب اتقفل. فتحت عيني. تلات أيام… هو فاكرهم أيام انتصاره. لكن بالنسبة لي كانوا عدّاد تنازلي. الصدمة ضر.بتني، بس عقلي بدأ يشتغل بسرعة. إزاي أقلب اللعبة؟ هو ما كانش يعرف إني من شهور براقب كل حاجة: كل حركة، كل جرعة، كل ابتسامة مزيفة. أنا مش ضحية سهلة. أول ما سمعت خطواته بتبعد، بصيت على جهاز المراقبة قدامي. النور الأخضر بيرمش بإيقاع ثابت… إيقاع أنا عارفة أتحكم فيه. من ست شهور، أول ما حسيت إن تعبي مش طبيعي، بدأت أراجع كل حاجة:

عقودي، توكيلاتي، حساباتي، حتى كاميرات بيتي. خبرتي كدكتورة وكمديرة شركات كانت دروعي… وكل درع استخدمته في صمت. والأهم… إني ما بقيتش لوحدي زي ما باسم فاكر. مديت إيدي تحت المخدة وضغطت زرار صغير… زرار محدش يعرف عنه غير تلاتة في الشركة. مش طوارئ طبية… طوارئ قانونية. الزرار بعت رسالة واحدة لمكتب المحامي بتاعي: “نفّذ الخطة.” الخطة اللي حطّيتها أول ما شكي بدأ، لما لاحظت إن الشاي اللي يعملهولي عمره ما يشرب منه، ولما بدأ يسأل كتير عن أوراق الملكية.

ماكنتش متأكدة وقتها… لكن كنت مستعدة. رفعت جسمي بالعافية، وسحبت ملف بلاستيك صغير من درج جنب السرير. فيه أوراق ناقصها توقيع واحد بس. كنت مستنية اللحظة اللي باسم يكشف فيها نفسه بالكامل. واللحظة دي وصلت. مسكت القلم… وتجاهلت الألم. حكايات رومانى مكرم مسكت القلم… وتجاهلت الألم اللي كان بيشد في كل عصب في جسمي. وقّعت آخر ورقة، وسحبت الملف تاني جوّه الدرج، وضغطت زرار صغير تاني جنبه. في نفس اللحظة، شاشة الموبايل اللي على الترابيزة نورت من غير صوت.

رسالة واحدة: “تم التنفيذ.” ابتسمت لأول مرة من شهور. من شهرين، لما نتائج التحاليل بدأت تشير لتسمم بطيء مش مفهوم، ما رحتش لباسم… رحت لمعمل خاص في أوروبا عن طريق شركتي. النتيجة كانت واضحة: مادة بتتراكم في الجسم بجرعات صغيرة. مش قاتلة فورًا… لكن بتدمّر الكبد والكلى على مهل. كنت عارفة وقتها إن في حد قريب جدًا هو السبب. ولما بدأت أراجع تسجيلات البيت، لقيت الحقيقة: باسم وهو بيحط حاجة في الشاي كل ليلة. ساعتها بس بدأت الخطة.

دلوقتي، كل أملاكي اتحولت لصندوق استثماري خيري باسمي، بإدارة مجلس أمناء… من غير أي حق لزوج أو وريث. كل حساباتي اتقفلت واتفتحت تاني باسم الشركات. وكل كاميرات البيت، وتسجيلات المعمل، وتحاليل السم… بقت في ملف رسمي عند النيابة. وباسم؟ باسم كان لسه فاكر إنه كسب. — بعد ساعة تقريبًا، رجع الأوضة. ملامحه كانت حزينة قدام الناس… بس عينيه فيها فرحة مستخبية. قرب من السرير وقال بهمس: “لسه صاحية؟” فتحت عيني وبصيتله بهدوء لأول مرة من غير خوف.

قلت بصوت واطي: “عارف أصعب حاجة يا باسم؟ إنك فاكرني غبية.” وشه اتجمد. كملت: “أنت قلت تلات سنين تمثيل… أنا كنت محتاجة ست شهور بس أعرف كل حاجة.” اتراجع خطوة. “إنتِ… بتقولي إيه؟” وقبل ما أجاوب، الباب اتفتح. دخل مدير الأمن ومعاه اتنين من المباحث. الصمت وقع في الأوضة زي حجر. الضابط قال بهدوء: “الأستاذ باسم جابر؟ محتاجينك معانا شوية بخصوص بلاغ تسمم عمد.” لون وشه اختفى. بصلي كأني آخر أمل. لكن أنا كنت خلصت دور الضحية.

قلت وأنا ببص في عينه: “كنت عايز تستنى تلات أيام؟ أنا استنيت ست شهور.” حاول يتكلم، بس إيده كانت اتقيدت. وهو بيتسحب برا الأوضة، صوته كان أول مرة أسمعه مرعوب بجد: “إيفلين… أنا بحبك!” ضحكت ضحكة خفيفة. أول ضحكة حقيقية من سنين. — بعد ما خرجوا، دخل الدكتور. قعد جنبي وقال بهدوء: “لسه عندنا فرصة. العلاج الجديد ممكن يثبت الحالة… ويمكن يحسّنها. بس هتاخد وقت.” بصيت للسقف، وأنا حاسة إن ص,,دري بيتفك بعد سنين اختناق.

أنا كنت فاكرة إن النهاية قربت. لكن الحقيقة؟ كانت بداية جديدة. وأنا، إيفلين فؤاد…

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى