أخرج رأسه من بين براثين قلبها الدافئ ورمقها بنظرة شغوفة ومحبة وهتف بتأكيد: يا قلب الاستاذ اللي تأمري بيه هيكون بس مش عارف اشبع منك وخايف أنام ولقدر الله قاطعته بعنف واضعة يديها فوق شفتيه وهزت رأسها بنفيٍ هيستيري وهتفت بحزم ورجاء: لا لا بعيد الشر، أنا واثقه إن ربنا مش هيردني خايبه قبل باطن كفها بعمق ورفع يديه لتتحسس وجهها المميز له وابتسم بعشق وغمغم بانبهار: من أول يوم شوفتك فيه وشكلك شدني زي ما يكون حواليكي تعويذه وقعتني على جدور رقبتي، طول عمرك مميزه يا ورده
تلمست كفه بكفها الصغير وتمسحت به كهرة صغيرة وهمست بحب: رغم كل مشاكلنا وخناقتنا قلبي مكنش قادر يكرهك ولا يبطل يحبك، كان بيعاندني وينهرني لما أفكر أبعد عنك، بهرب منك إليك، معرفش حبيتك ليه وأنت معندكش ولا ميزه رمقها « براء» بغيظٍ وجعد ملامحه وهتف وهو يشد أذنها: أنا مفيش عندي ولا ميزه يا شبر ونص بادلته « ورده» بنظرة مماثلة ولكنها ساخرة وهتفت بغرور: تنكر إنك وقعت بسبب الشبر ونص دي؟! ترك « براء» أذنها وضحك حتى ادمعت عيناه ثم جذبها لصدره بحب ودثرها جيداً بالفراش معه وهتف بتأكيد: والله دوختني وخلتني زي المراهق اللي بيستنى نظره من حبيبته
رفعت « ورده» أحد حاجبيها باستنكار وبجرأتها المعتادة جذبته من تلابيب قميصه وهمست وأنفاسها تداهم صفحات وجهه: بذمتك في مراهق قمر كدا؟! ثانية وأخرى لم يستوعب «براء» وقاحتها ولا أفعالها الجنونية فانفجر ضاحكًا عليها بشدة حتى ترقرقت الدموع بمقلتيه الساحرتين وهتف من بين ضحكاته: يبنتي أنتِ عليكي طلعات بتوقف قلبي والله رفعت « ورده» رأسها بكبرياءٍ وشموخ ورمقته بنظرة شاملة ولكنها أبدلتها بعد ثوانٍ بأخرى ماكرة وغمزته بوقاحتها وهتفت بمرح: سلامة قلبك يا قرة عيني يا قمر أنتَ
ارجع «براء» ظهره على الفراش وجذبها لتتوسد صدره العضلي ولم تختفي ضحكته التي هي سببها الرئيسي وهتف براحة واطمئنان:
قلبي بسلامته لأنك قريبه منه
********************
فاقت من ليلتها العصيبة على صوت طرقات الباب، لا تتذكر شيء سوى وقوعها وبكائها وتلك الغشاوة التي أصابتها ومن ثم انتهى كل شيء، نهضت بضعف وفتحت الباب، رأت نظرة شقيقتها المعاتبة على تقصيرها الذي فاض عن حده بالأيام الماضية، لقد نست وجودها عند والدة « ثائر» ليلة أمس، ساعدتها بالدخول حتى جلست بمنتصف الردهة ومازالت عينيها تلتهمها بنظرات العتاب واللوم الذي يرهقها فوق ما تعانيه من آلالامٍ جسدية ونفسية جارفة، جلست جانبها بصمت قاطعته رحمه بصوتها المتوجس: أنتِ كنتِ نايمه جنب الباب بهدومك؟!
ابتلعت « هبه» غصة الألم التي انحدرت لتقعد لسانها وحاولت إخراج حروفها ولكنها عجزت فهمست بتعب: رحمه ممكن تسيبيني دلوقت؟! اعتدلت «رحمه» بجلستها لتقابل تهرب شقيقتها الكُبرى ونظراتها الحزينة التي تفهمتها جيداً وهتفت بإصرار: لا مش هسيبك وضعك بقى ميتسكتش عليه، بقيتي نسياني ولا كأني موجوده، تقبلت كل حاجه وقولت متضغطيش عليها بس عجبك شكلك دا؟! لبسك اللي نمتي بيه والنقاب اللي ممكن كنتي تموتي وأنتِ كاتمه نفسك بيه طول الليل ولا عينك الحمرا من كتر العياط ولا جسمك اللي بيضعف يوم عن يوم؟! راضيكي ضعفك دا؟!
أشاحت بوجهها عنها وابتسمت بسخرية، أتخبرها انها لا تعرف كيف نامت بل بالأصح غابت عن الوعي؟! أم تخبرها عن تلك القبضة ابتي تعتصر فؤادها؟! أم عن حُطامِها ليلة أمس للمرة الثانية على التوالي على يد من أحبت؟!
كعادتها نهضت ببطء ووهن ودلفت غرفتها وسط تعجب الصغيرة الغاضبة والحزينة على شقيقتها وأمها الأولى والوحيدة حتى الآن، لم تكن « هبه» لــ «رحمه» مجرد أخت بل كانت أعظم من ذلك بكثير، كانت الرفيق الأسمى والأنيس الأغلى بل الأوحد والقلب الحاني والصوت الغالي والأم المثالية والأب الألطف والعالم الأروع لها، حين تبكي تضمها وحين تبتسم تتراقص معها، نسجت لها من جسدها سعادتها وقوتها اليومي، نضجت مبكرًا لما عانته شقيقتها أمام عينيها…
****************
استيقظ بنشاط وحماس أفتقده لأيامٍ عديدة، بعد ليلة عصيبة من التفكير والتحليل اتخذ قراره، اليوم موعد إزالة جبيرة « رحمه» سيصارحها بكل ما يجيش بصدره حتى يهدأ نبض قلبه ويتوجها ملكة لبيته وأمًا لأولاده الذي يرغب بهم، بعد نصف ساعة كان يقف أمام باب شقتها بتردد، طرق الباب فآتاه صوت الصغيرة، فتحت له « رحمه» ودلف خلفها ودار بعينيه بالمكان لعله يلمحها فأخرجه من تأمله صوت الصغيرة: هبه بتلبس وجايه
مضت بضع دقائق وخرجت له، كانت غريبة على عادتها الطيبة البشوشة التي يراها من خلف نقابها ولكن اليوم هي جامدة!! حمل « رحمه» وتقدم منها حتى وصلا للسيارة، فتح لها المقعد المجاور له وما صدمه هو تجاهلها له وجلوسها جانب شقيقتها بالخلف دون أن تعيره أدنى اهتمام، علت أنفاسه بغضب من فعلتها وعدم مبالاتها لمحاولته لفت انتباهِها فصفع الباب بعنف ورمقها بنظرة حادة لم تبادله إياها، اتخذ مقعده بغضب وانطلق لوجهتهم…..
**********************
بالعاشرة صباحًا كانت « ورده» تجلس جانب والدتها ووالدها على مائدة الإفطار تشاركهم إياه وقلبها مُعلق بزوجها النائم مع الفجر، ابتسمت بخفوتٍ لتلك الزكريات القليلة التي تشاركاها معاً ولم تنتبه لنظرات والدها الماكرة لها، تحرك « بلال» بكرسيه لغرفته وهتف: ورده تعالي عاوزك في كلمتين قبل ما تروحي المستشفى نصبت عودها وسارت خلفه بعدما طبعت قبلة سعيدة فوق رأس والدتها، دلفت الغرفة بمرح وابتسامتها تتسع مع لمعة عينيها وهتفت وهي تجلس أمام والدها: يا نعم يا حاج بلال
رمقها والدها بنظرة مشمئزة ومط شفتيه بقرف مصطنع وهتف: بقى دي منظر واحده هتتجوز وتبني بيت يا ربي ابتسمت « ورده» بسعادة فور نطق والدها بذلك وغمزته بمكر وغمغمت بمرح: جوزني بس ومتحملش هم، بنتك قدها صفعها « بلال» بخفة على وجنتيها وهتف بحسرة: والله ما شوفتي خمس دقايق تربية مطت « ورده» شفتيها بغيظ وقبلت عينيها بملل وتمتمت: يا حاج جوزني بس ونتفاهم في اتربيت ولا لا دي بعدين أعطاها والدة نظرة أخرستها وجعلتها تبلع ريقها وخفضت رأسها بخنوع وهتفت: أحلى مسا عليك يا كبير اتفضل
كاد أن يضحك من تبدل حالها ومرحها الدائم رغم علمه بخوفها على زوجها ولكنه ربت على شعرها بحنان وهتف: مبسوطه معاه؟!
رفعت رأسها ببطء وابتسمت بصفاء وهمست بنبرة تتلونها السعادة والرضا: عمري ما كنت راضيه ومبسوطه قد دلوقت يا بابا، عارفه إننا مش بناخد كل حاجه مره واحده وإن ربنا بيختار لينا الخير وراضيه بتعبه وكمان واثقه من شفاؤه لأن ربنا عمره ما رد دعوتي، براء كان خيال مش مجرد حلم بحلمه ولما عيشت الخيال دا شوفت الدنيا بتوضي زي طفل فضل طول عمره بيشوف العالم من ورا نضارته بس لما ربنا أنعم عليه وعمل عمليه شافها بألوانها الأساسية مش الباهته ولا الضبابيه، أنا راضيه
انحنى والدها طابعًا قبلة متأثرة وفخورة فوق رأس طفلته وهتف بحزمٍ وبوادر بكاء: روحي لجوزك ومتفرقهوش يا ورد الدار ورحيقه الغالي ضحكت مع ترقرق الدموع بعينيها السوداء وابتهجت لهذا اللقب الذي أسكنه والدها بقلبه لأعوامٍ أمدية لها وغمغمت بحب: شكراً لأنك صاحبي قبل أبويا نهضت دافنة رأسها بصدره ويديها الصغيرتين تتمسكان بقوة بقميصه من الخلف وسط دموعها الشاكرة والراضية وهمست بخفوت: شكراً
*****************
انتهت جلسة « رحمه» مع الطبيب بسلام وتم حل جبيرتها، جلست أيضا جانب شقيقتها وأبعدت نظراتها عنه، طوال الطريق كاد يصيبهم بحوادث شنيعة بسبب تبلدها وجمودها معه، قاسية هي حواء بغضبها وعتابها، أوقف السيارة أمام أحد المطاعم الفاخرة وحول نظره لها ليجدها تنظر من نافذتها بهدوء، قبض على المقود بغضب حتى أبيضت سُلمياته وهتف باستفزاز: هنتغدى هنا خرجت عن صمتها وبرودها ولكن لم ترمش بعينيها وهتفت بثبات: لا ترك المقود ودار بجسده ليواجه جمودها المفرط وغضبها الزائد وهتف بحدة: لا لي؟! البنت مخرجتش بقالها كتير والنهارده فكت الجبس وفرصه تتفسح شوي
لفت رأسها كإنسانٍ آلي ورمقته بنظرة فارغة وهتفت بحزم: متقررش حاجه نيابة عني، رحمه دي أختي أنا اللي أقول المناسب ليها واللي مش مناسب حضرتك مجرد واحد كان بيعطف علينا والحمد لله مش مضطر أكتر من كدا لأنها زي ما قولت من شوي فكت الجبس هز رأسه بعدم استيعاب وابتسم بسخرية لحديثها الصادم له وهتف بتعجب: قصدك إيه؟! ابتسمت ببرود وسلطت نظراتها عليه وهتفت بتأكيد ونبرة غير حاملة للنقاش: يعني شكراً دور حضرتك لحد كدا خلص وفرصه سعيده واتشرفت بمعرفتك، هنرجع بيتنا في الحارة وبالنسبة لطلاقي هقدر أخد حقي بنفسي وارجع وأقولك شكراً!! دي النهاية يا ثائر…..
لم يتفوه جوفه غير بعدة أحرف متعلثمة وبطيئة كبطء أنفاسه: النــــ … هـــ… اا…. يـــه!!!!