في آخر أيامي باستشارية الجرا,حة، شفت امرأة بعمر الثلاثينات شايلة ابنها اللي عمره سنة، ودخلت تسأل عن دكتور الجـ,ـراحة. – ليش تريدين دكتور الجراحة؟
– أريد يفح,ص الولد.
– العيادة خلصت يا أختي، ليش ما جيتي الصبح؟
– ردت ببساطة: هي مو مست,شفى؟ الدكاترة وين يروحون يعني؟ ردها استف,زني بصراحة، وقلت لها بكل وضوح: تجين من الصبح وتاخذين دورچ وتجيبين باص، حتى يكشفون على ابنچ. سكتت شوي وبان عليها الإحرا,ج، وبعدين قالت بضحكة عادية: أوكي، باچر. وشالت ابنها وحملته مثل ما نساء الأرياف يحملون أطفالهم.
ثاني يوم، قبل ما تخلص العيادة بشوي، دخلت نفس المرأة تضحك:
– ها، جيت قبل ما تروحون، ينفع تفحصون الولد؟
– ليش متأخرة بعد؟
– والله يا دكتور، المواصلات! المهم الولد. فحصت الطفل، وكانت حالته معقدة. عنده سلسلة عيوب خلقية تحتاج ثلاث أو أربع عمليات جرا,حية كبيرة، وكثير مراجعات بالمستشفى الحكومي. بس من مظهرها وطريقة زيارتها الأولى، ما توقعت إنها من النوع اللي يتحمل هيچ وضع. مع ذلك، كان لازم أشرح لها.
بدأت أشرح الحالة، وهي ما أظهرت أي تأثر. ما كانت مهتمة بتعدد العمليات أو صعوبة المراجعات. كانت تنتظرني أنهي كلامي حتى تسأل:
– العمليات ببلاش؟ لأن أبوه متوفي وأنا وحدي، أترك باقي أطفالي وأجي.
– أي نعم، العمليات مجانية. تنفست الصعداء، ووعدت بالالتزام، وبالفعل التزمت. مش,كلتها الوحيدة كانت تأخيرها الدائم، وكانت ترد على أي عتاب بضحكة أعتبرها بلهاء. بس يوم سألتها ليش دائما متأخرة، جاوبتني بصراحة إنها تطلع من بيتها الفجر، تترك باقي أطفالها، وتمشي كيلومترات طويلة حتى توصل للطريق. هناك تنتظر أي سيارة نقل، وغالباً تركب مع سيارات مليانة عمال أو بهائم، وتغطي ابنها بخمارها حتى ما يتلوث بالغبار.
كانت تحكي هالقصص بدون انتظار أي تعاطف، وكانت تبتسم دائماً رغم كل الظروف الص,عبة اللي تمر بها. في إحدى زياراتها، سألتني:
– دكتور، صد,ري بيه ورمة صارلها فترة، ممكن تشوفها إذا عندك مجال؟
– تعالي، خلي أشوف. بعد الفحص، اكتشفت إنها مصا,بة بسر,طان الثد,,ي، ووصل لمرحلة متقدمة. كانت تعرف بس تهمل نفسها عشان تهتم بولدها. لما أخبرتها بالمـ,ـرض وحاجتها لعملية استئ,صال وعلاج كيماوي، ردت بنفس السؤال:
– العملية ببلاش؟
– أي نعم.
– أوكي، أرتب وضعي وأجي.
بهدوء ورضا واجهت الخبر. بعد العملية، كانت تستعجل تروح لأولادها حتى ما ينامون بدون أكل. مرت الأيام، وكملت علاجها الكيميائي والإشعاعي. وبعد فترة طويلة شفتها مرة ثانية تحمل ابنها مثل كل مرة، بنفس الابتسامة. سألتها:
– ليش جاية اليوم؟
– الجرح مكان العملية يعورني، بس جيت متأخرة والدكتور قال أرجع باچر. قلت لها:
– لا، العيادة تفتح مخصوص إلك. ضحكت وقالت:
– الله يجزيكم الخير، والله تعبناكم. هاي المرأة علمتني درس كبير. أكو ناس يعيشون حياة ما بيها مجال للرفاهية أو حتى الحـ,ـزن. يناضلون يومياً بدون ما يشتكون.
كانت ابتسامتها أكبر رسالة رضا، وهي فعلاً بطلة بمعركة الحياة الصعبة اللي تخو,ضها. منقول من احد الصفحات
اذا اتممت القراءة صلى على الحبيب محمد..