إبـ,ـتسم بتهكم و قال:
– شبكة و عفش و شقة إيجار، عايـ,ـزاني أشتـ,ـغلك حرامي! ضيقت ما بين حاجـ,ـبيها و تضايقت من حديثه الساخر:
– و هو كل اللي بـ,ـيتجوز كده بيشتغل حـ,ـرامي! – لاء، بس اللي ما بيشوفش من الغربال يبقي أعمي.
أمسكت يده و بعينين مليئة بالرجاء و بنبرة توسل أخبرته:
– عمار أنا بحبك و مش عايزة حاجة تفرقنا حتي لو كان أخويا، أنا هستناك مهما حصل، بس زي ما هاستحمل و أصبر و أجي علي نفسي لازم أنت كمان تعمل كده، عشان هو ده الحب، الحب تضحية عشان تسعد اللي بتحبه.
ما زالت ضحكة السخرية علي ثغره و قال:
– كلام أفلام كانو بـ,ـيضحكو علينا بيه، الواقع بيقول عـ,ـكس كده فيه فلوس يبقي فيه حب، مفيش فلوس، يبقي مفيش حب و لا كلام الأغاني اللي كنا بنصبر بيه نفسنا و نفضل عايشين في وهم. نـ,ـهض و وقف أمامها و نظر نحوها من موضعه و أردف:
-تقدري تقولي لي لو جيت تاني لأخـ,ـوكي و أقول له طالب إيد أختك عشان بحبها و أصبر عليا عـ,ـقبال ما أكون نفسي تفتكري هيرضي!، و لا هايصرف علينا أنا و أنتي!
نهضت لتقف أمامه و بداخلها قد سأمت حالته الإنـ,ـهزامية تلك، فبرغم حبها له لكن تمقت سلبيته المُفرطة و حالة اليأس المسيطرة عليه بالكامل:
-طول ما أنت إنسان سلبي و شايف كل حاجة سـ,ـودة قدامك عمرك ما هاتتقدم خطوة واحدة، ماتنساش وعدك ليا و أنت بتعترف لي بحُبك و أنك هاتعمل المستحيل عشان أكون ليك، بس الظاهر كان كله كلام في كلام.
– أعتبريه وعد حين ميسرة.
رمقته من أعلي لأسـ,ـفل بإزدراء و تذكرت كل ما تحملته من معاملة شقيقها السوء لها و ها هو الآن الإنسان الذي أحبته يـ,ـتخلي بإستسلام بائس عـ,ـنها،فقالت بغضب:
-لاء و أنت الصادق الوعد ده للرجالة بس و اللي شـ,ـايفاه قدامي مش راجل. تلقت صفعة قوية صاحبها صياحه بغضب:
– أنا راجل غصب عنك.
رمقته بصدمة غير مُصدقة ما فعله بها للتو،و كأن بداخلها بركان قد أندلع و أطلق حممه الحارقة:
-لاء مش راجل، و لا أخويا راجل عشان مفيش راجل يمد أيده علي واحدة بنت أضعف منه، هقولك علي حاجة أنا بقي اللي مش عايزاك و لو جيت بـ,ـوست أيدي عشان أسامحك هقولك مليون لاء. دفعته من أمامها و عادت إلي مـ,ـنزلها باكية ضائـ,ـعة، شريدة القلب. ــــــــــــــــــــــ
تتعالي أصوات التواشيح التي تسبق آذان الفجر و هناك أعين نائمة و أخري يجافيها النوم، و هناك في إنتظار إحدهم علي أحر من الجمر.
نهضت بتأفف من جوار زوجها الذي لا يجيد في حياته شيئاً سوي النوم، وقفت أمام المرآة تنظر لصورة إنعاكـ,ـسها، تتأمل قدها الممشوق و المهمل من هذا النائم، و لما لا فقد أخذت علي نفسها عهداً بأنه لم يستسلم هذا الجسد بإرادتها سوي من سلب قلبها منذ سنين، و زواجها من جلال لأنها تريد القرب من حبيب القلب و الذي أختطف لُبها، أفتنها شيطانها الغاوي و سيجعلها تخرج في بئر من الوحل كلما إستسلمت لأهوائها كلما كان طريق التراجع صار درباً من دروب المستحيل.
أنتفضت عندما سمعت صوت باب الـ,ـشقة، قطبت حاجـ,ـبيها و ذهبت لتوقظ زوجـ,ـها:
-ألحق يا جلال فيه حد بيفتح باب الـ,ـشقة، قوم شوف لـ,ـيكون حـ,ـرامي. هز كتفه و يغمض عينيه قائلاً:
-هتلاقيها أمي قامت تصلي الفجر و بتقفل باب الشقة، ما أنتي عارفها موسوسه. أشاحت بيدها له و قالت:
-أمك زمانها في سابع نومة، فضلت مستنية أخوك لحد ما نامـ….
صمتت و هي تتذكر أمر ما ذكرته الآن، نهضت و أرتدت مأزرها و ألقت بوشاح فوق رأسها، و بمجرد خروجها أنتفضت عندما رأته يقف في منتصف الردهة، يكشف ذلك الضوء المنبعث من المطبخ نصف وجهه، تفوهت باللهفة و إشتياق:
-معتصم!
– أزيك يا مرات أخويا عاملة أي؟
و ها هو يذكرها بأكثر شئ تمقته و تريد نسيانه، أقتربت منه و بإبتسامة تشق ثغرها من الأذن للأذن الأخري:
– بخير، حمدالله علي السلامة. جلس علي أقرب كـ,ـرسي له و أجاب:
-الله يسلمك، معلش بقي المفروض كنت جيت من ساعات بس حصل شوية حاجات كدة هي اللي أخرتني و عديت علي مطعم في طريقي أتسحرت فيه، كل سنة و أنتم طيبين. نظر من حوله ثم سألها:
-هو جلال لـ,ـسه نايم؟
هزت رأسها بالإيجاب:
-اه، ما أنت عارف أخوك قدامه للضهر عقبال ما يصحي، شكلك طبعاً عايز تنام، أنا مجهزه لك أوضتك و مروقها لك بنفسي و مخليها لك بتلمع. – تسلم إيدك، أنا فعلاً كل اللي محتاجه دلوقت أريح و أنام.
نهض و كاد يتحرك نحو غرفته أمـ,ـسكت يده و سألته:
-رايح فين؟ رمقها بتعجب من سؤالها و من ما فعلته، نظر نحو يدها الـ,ـتي تمسك بيده، و حـ,ـين أدركـ,ـت خـ,ـطأ ما فعلته و قرأت ذلك في عينيه أبعدت يدها و أبتلعت ريقها:
-قصدي يعني مش هتصلي الفجر؟
– داخـ,ـل أتوضأ و بعد ما هـ,ـيأذن هصلي، أدخلي صلي أنتِ كمان خلي ربنا يهديكِ. تركها و ولج إلي غرفته و وصد الباب عمداً كرسالة إليها لـ,ـعلها تدركها! ـــــــــــــــــــــــ أستيقظت كالعادة علي صياح شقيقها و توبيخه لزوجته و هذا بسـ,ـبب المصاريف التي لم تنته و متطلبات البيت من مأكل و أشياء كثيرة. -مش هاقدر أستني أسبوع كمان يا حبشي دي الولية أم إمام ممكن تيجي لنا قدام البيت و تفضحني، ما أنت عارفها معندهاش تفاهم في تأخير فلوس الجمعية.
أخبرها بصوت هادر و دخان سيجارته يتطاير من فمه و أنفه، فلديه مبدأ عجيب بل و غريب بأن الصوم هو الإمتناع عن الطعام و الشراب فقط لكن تدخين السجائر و إطلاق السباب و الشتائم،كل هذا في قاموسه لا يبطل الصيام! – ما قولتلك أصبري عـ,ـليا كمان يومـ,ـين، قولت لك معيش أنزل أسرق لك يعني! وضعت الأخري يديها في خصرها و قالت:
-ماشي أنا هدفع لها من مصاريف البيت بس ما تجيش تسألني عن أكل. رد بصوت جـ,ـهوري مُهدداً إياها:
-طب و عليا الطلاق لو ما جيت لاقيت الفطار علي الطبلية لأخدك أرميكي عند أمك و أجيب واحدة بدالك.
تركته و لم تجب عليه، دلفت غرفة ليلة و هي تتمتم:
-يا شيخ روح هو في واحدة هاتستحملك زيي، ده أنا ليا الجنة و ربنا. نظرت إليها ليلة و سألتها بصوت ناعس:
-أنا اللي نفسي تبطلو خناقة الصبح دي و لو يوم واحد،أو أقولك خليه يطلقني أنا و يرحمني أو يتبري مني. ضحكت هدي رغماً عنها و لكزتها في يدها:
-اهو ده اللي باخده مـ,ـنك تريقة وبس. – حد قالك تـ,ـتجوزي واحد إسمه حبشي .
قهقهت الأخري و أخبرتها:
– أهو قدري و نصيبي كده،يلا يا لمضة قومي اغسلي وشك و جهزي نفسك عشان رايحين السوق. ضحكت ليلة و هزت رأسها مُرددة:
-صدق المثل اللي قال، الجبن سيد الأخلاق. ألقتها الأخري بوسادة في وجهها، تلقتها ليلة و هي تقهقه، من يراها يحسب تلك الضحكة نابعة من قلبها لا يعلم أحد إنها تضحك من فرط حزنها! ـــــــــــــــــــــ -شهلي يلا يا عايدة عشان ما نتأخرش.
كان صوت نفيسة التي ترتدي نعليها إستعداداً للذهاب للتسوق، ردت الأخري من داخل الغرفة:
-حاضر جاية ثواني.
كانت ترتدي وشـ,ـاحها و تضع به دبوساً فقام بإختراق طرف إصبعها تأوهت، فقال لها زوجها:
-ألف سلامة عليكي من الآهه. رمقته من خلال المرآه و قالت:
-بدل ما أنت عمال تتمسخر عليا قوم أنزل أفتح المحل خلي ربنا يفتحها عليك بدل الفقر اللي ماسك فيك و عايش علي معاش أمك و فلوس أخوك. لوح لها بيده قائلاً:
-و الله الفقر ده راكبنا من يوم ما أتجوزتك. أستدارت لتنظر إليه مباشرة:
-و ليه ما تقولش الهباب اللي بتشربه هو ده السبب، و صرمحتك ويا أصحابك العرة اللي فاكرين تحت القبة شيخ!
نهض و أقترب منها ليجذبها من عضدها، و هسهس من بين أسنانه:
-خليكي في حالك أحسن لك، و لا عايزاني أمد أيدي عليكي؟ رمقته بإزدراء جاذبة ذراعها من يده:
-أبقي أعملها و شوف أنا هاعمل فيك أي وقتها. أتسعت عينيه بشر مستطير:
-قصدك أي؟ – اللي علي راسه بطحة بيحسس عليها، خد بالك من بطحتك يا جلال .
ألقت كلماتها ذات المغذي و تركته و ذهبت لتجد حماتها في إنتظارها و ذهبت كلتيهما للتسوق. ــــــــــــــــــــــ
و هنا يكثر الإزدحام حيث يتراص بائعين الفاكهة و الخضار علي جانبي الشارع و صوت البائعين و أفران عمل الكنافة و القطايف ، و تجد كل ما لذ و طاب، و هنا لدي بائع الدجاج تقف ليلة بعدما طلبت منها زوجة أخيها أن تنتظرها هنا حتي تشتري بعض الأشياء و تأتي إليها، و في الجهة المقابلة لها كانت تقوم عايدة بتعبئة ثمرات الطماطم فأخبرتها حماتها بصوت خافت:
-مش دي ليلة أخت حبشي الميكانيكي؟ ألتفتت الأخري لتنظر نحو ما تشير إليها حماتها، و بعدما تحققت ردت:
-اه هي.
عقبت نفيسة بإبتسامة:
-يا صلاة النبي، ماشاء الله البت كبرت و أتدورت و أحلوت، أي رأيك ناخدها للولاه معتصم. و هنا عند ذكر إسمه أضرمت نيران الغيرة بداخلها فقالت بإندفاع:
-معتصم!،ماينفعش خالص إزاي، قصدي يعني دي لسه مخلصه ثانوي و هو قد أخوها، فيه فرق يجي ١٢ سنة ما بينهم. – و أي يعني ما حماكي الله يرحمه كان أكبر مني ب١٥ سنة، و بعدين أهو كده أحسن خليه يشكلها و يربيها علي إيديه .
تـ,ـخشي أن تستمر في مجادلتها و تظن الأخري ظناً أخر، قامت بشراء الثمرات و دفع المال، بينما ليلة كانت كالتائهة في عالم آخر لا سيما عندما أنتفضت لتوها عندما رأت عمار يقف مع بعض الشباب علي مقربة، تلاقت أعـ,ـينيهما لكنها تصنعت عدم الإنتباه بل و أظهرت اللامبالاة إليه، أنتبهت إلي صوت زوجة أخيها:
– يلا أنا خلصت و جبت كل حاجة. ذهبت كلتيهما في إتجاه إحدي الشوارع المؤدية إلي الحارة، و في الطريق تعرض إليهما شابين في الطريق.
-كنافة بالمانجا ماشية علي الأرض و في نهار رمضان، كده كتير !
رد زميله بوقاحة:
-كنافة أي يا صاحبي ده بطل. صاحت هدي بتوبيخهما:
-جري أي يا أهبل منك ليه، أنتو ماتعرفوش إحنا نبقي مين! أقترب منها الشاب بكل جرأه قائلاً:
– عايزين نعرف، و لا عارفينا أنتي. – لاء يا روح خالتك منك ليه، هاعرفكم أنا.
كان صوت عمار الذي أنهال عليهم باللكمات، و هما كذلك يوجها إليه الكثير من اللكمات، أخذت ليلة تصرخ خوفاً علي عمار، تجمع المارة و تدخل الشباب في هذا العراك.
و في مكان قريب يقبع حبشي أسفل السيارة يقوم بتصليحها، سمع نداء مساعده الصغير و هو يناديه:
-ألحق ياسطا حبشي في خناقة كبيرة في الشارع اللي جمبينا. رد الأخر من أسفل السيارة و منهمك في إصلاحها:
-خليك في حالك يا ولاه و ناولني مفتاح ١٠ من عندك. جاء إحدي الأطفال إليهما ليخبره:
– ألحق ياسطا حبشي الخناقة اللي دايرة في الشارع هناك بسبب أن فيه عيال كان بيضايقو الست هدي و الآنسة ليلة أختك .
دفع نفسه من أسفل السيارة و الغضب ينضح من ملامحه حينما سمع ما قاله الصبي، أخرج المُدية من جيبه و صاح بمساعده:
– خلي بالك أنت من الورشة و أنا هاروح أشرح ولاد الـ…… دول. و حين وصل إلي المكان المنشود وجد شقيقته تجلس بجوار عمار الذي يلتقط أنفاسه، جذبها من يدها بعـ,ـنف و دفعها نحو زوجته، و بأمر:
-خديها و أرجعو علي البيت.
أومأت له بخوف، فأمسكت بيدها و أسرعت الخطي إلي المنزل، أمـ,ـسك حـ,ـبشي بالشابين و أبرحهم ضـ,ـرباً و قام بخدشهم بالمُدية ثم صاح بصوته الغليظ الـ,ـجهوري:
-عليا الـ,ـحرام اللي هيقرب من حد يخصني لأكون معلقه زي الدبيحه علي بوابة البيت. و قبل أن يبتعد ألقي نظرة علي عمار، كانت نظرة تحذير أكثر من كونها وعيد لأنه أقترب من شقيقته مرة أخري. ـــــــــــــــــــــ
عادت عايدة و تحمل الكثير من الأكياس بعدما تركت حماتها تثرثر مع جارتها التي تنقل لها ماحدث من العراك منذ قليل، ذهبت و تركت ما تحمله فوق طاولة الرخام بداخل المطبخ و في طريقها بدون أن تنتبه أصتدمت به و كادت تسقط، فأمسك بها:
-معلش مكنتش واخد بالي. رفعت وجهها و نظرت في عينيه و ظلت صامتة، تحمحم و تركها ثم سألها:
– أومال فين أمي؟ أبتلعت ريقها بتوتر و أجابت:
-خالتي تحت زمانها طالعة،محتاج حاجة؟
رمقها من أسفل لأعلي و قال لها بإقتضاب و نفور:
– شكراً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ دفع باب المنزل علي مصراعيه كالثور الهائج يبحث عن زوجته و شقيقته، و شياطينه تتراقص أمام عينيه:
-ليلة،هدي ،أنتي يا زفـ,ـتة منك لـ,ـيها. تختبئان بداخل الغرفة، قامت هدي باللـ,ـطم علي خـ,ـديها:
-يالهوي، يالهوي خلاص ضيعنا. عقدت ليلة ساعديها أمام صـ,ـدرها و أخـ,ـبرتها:
-بـ,ـطلي خوف بقي، أنتي اللي بتخليه يعمل فيكي كدة. أشاحت الأخري بيدها و قالت بتهكم:
-يا شيخة روحي ده أنا لسه حايشة عنك إمبارح لما كان هايمـ,ـوتك في إيده، مافكيش غير لسان و بس.
و قبل أن ترد الأخري أنتفضت ذعراً حين قام الأخر بطرق الباب بقوة أفزعتهما:
-أفتحي منك ليها بدل و ربنا لأكسر الباب فوق دماغكم أنتو الأتنين و أبقو صرخو لحد بكرة محدش هايحوشني عنكم. تفوهت زوجته بخوف و هي تبتلع ريقها:
-طيب ممكن تسمعنا قبل ما تتـ,ـهور و تمد إيدك و أنت مش عارف حاجة؟ زمجر كالوحش الضاري و قال بتهديد:
– أنا هعد لواحد لغاية تلاتة و ديني و ما أعبد لو الباب ما أتفتحش بعدها لتكوني طالقة بالتلاتة.
#الفصل_الثالث
#ما_بين_الحب_والحرمان
#بقلم_ولاء_رفعت_علي فتحت بسرعة قبل أن ينفذ تهديده الذي لم يتراجع عنه إذا صمدت علي موقفها العنيد، ترفع يديها أمام وجـ,ـهها بوضع الدفاع تـ,ـخشي أن يجفلها بصفعة أو لـ,ـطمة،و في لحظة كانت تلابيب عـ,ـبائتها في قبضته و بصوت جهوري صاح بها:
– مش قولت مليون مرة لو أي عيل و… عاكسك أو عاكس السنيورة ما تردوش عليه؟ هزت رأسها بخوف و طاعة:
-صح يا سي حبشي، حصل.
عـ,ـنفها مرة أخري و يرمق شقيقته بغضب لأنه يعلم خصالها جيداً و قال:
– و مش فهمتكم قبل كده إن لو أي حد من المقاطيع اللي في الشارع عاكس واحدة فيكم ما تردوش لأن الواحدة ترد على واحد بـ,ـيعاكـ,ـسها تبقي واحدة لا مؤاخذة قليلة الأدب. صاحت ليلة بإعتراض و سخط:
-ما تبطل تخلف و جهل بقي، دلوقتي بقي فيه قانون للأشكال الزبالة اللي بـ,ـتتحـ,ـرش بللفظ بيتقبض عليه و يتسجن يعني يحمدو ربنا إننا ردينا عليهم بدل ما جرجرناهم علي القسم.
ليتها ما تفوهت بتلك الكلمات التي سبرت أغوار هذا الوحش الماثل أمامها، ترك زوجته و أمـ,ـسكها هي و صـ,ـدي صوته الأجـ,ـش يتردد في الأرجاء:
-كنتي بتقولي أي يا روح ماما، سمعيني كده تاني أصلي ما سمعتش كويس. صرخت من هزه لها بعـ,ـنف، لم تري أمامها شيئاً واضحاً حيث يهزها كزجاجة مياه غازية و يلقي عليها أفظع السباب و الشتائم المصاحبة بالضـ,ـرب و السحل و كالعادة صوت صرخاتها يصل إلي كل أهل الحارة. ــــــــــــــــــــ
و بعد إنتهاء صلاة التراويح، علي المقهي البلدي حيث يجلس الرجال و الشباب لمتابعة إحدي مباريات كرة القدم، يهللون تارة و يصيحون تارة أخري عندما يركض اللاعب نحو المرمي و علي وشك تسديد الهدف و كأنه يسمع تشجيعهم! – واحد شيشة يا بني.
صاح بها جلال إلي صبي المقهي، فأجاب الآخر:
-واحد شيشة للمعلم جلال و زود الفحم و صلحو. رمقه معتصم علي مضض قائلاً:
-يا بني أرحم نفسك ده أنت فوق شـ,ـارب لك يجي حـ,ـجرين شـ,ـيشة، صـ,ـدرك مش كده.
أبتسم الأخر بتهكم و قال له:
-اللي يسمعك و أنت بـ,ـتنصحني ما يشوفكش و أنت الـ,ـسجاير ما بـ,ـتفارقش إيدك! أنتهي من سخريته و ختمها بقهقه مُجلجلة مما جعل شقيقه أشاح وجهه إلي الناحية الأخري، يعلم كم هو عنيد و جاهل لم يستمع إلي أي نصائح و هذا ما جعله يخشي أن يحذره إلي أمر زوجته التي تلاحقهدائماً.ً و في زواية قريبة يجلس حبشي بالقرب منهما فأنتبه معتصم إليه، نهض فسأله شقيقه:
-رايح فين الماتش لسه ماخلصش.
أشاح له بيده و قال:
-هاروح أسلم علي الواد حبشي المعفن. ذهب إلي حبـ,ـشي الذي عندما رآه تمعن النظر إليه و هلل بسعادة:
– أهلاً حمدالله على السلامة يا معتصم، جيت أمتي يا صاحبي؟ صافحه الأخر بعناق أخوي و قال:
-لسه راجع إمبارح، أخبارك أي و الجماعة و العيال.
– الحمدلله كلنا بخير، أنت اللي أخبارك أي جاي و ناوي تتجوز و لا شايف حالك في الخليج؟
غمز له بعينه، ضحك الأخر وقال:
– و الله يا صاحبي أمي اللي مُصرة علي موضوع الجواز ده و أنا بيني و بينك مش ناقص وجع دماغ، أنا راجل حر ما بحبش واحدة تقولي رايح فين و جاي منين. عقب حبشي علي حديثه قائلاً:
-علي رأيك و الله ده كفايه المصاريف و هات هات كأن الواحد قاعد علي بنك و مصاريف العيال ما بتخلصش، كتب و كراريس و دروس.
-يا عم أنت هاتشتغلني قال يعني بتصرف ده أنت ميت علي القرش، ألا قولي صح بقي عندك كام عيل بالصلاة علي النبي. أجاب الأخر بعدما تجرع رشفة من كوب الشاي:
-عليه أفضل الصلاة و السلام، عندي ماشاء الله بسنت و محمد. رد معتصم بسعادة:
-يا ماشاء الله ربنا يبارك لك فيهم. أنتبه حبشي إلي شقيقته التي تشير إليه من بُعد مسافة قليلة، لاحظها معتصم و قال:
-ألحق يا حبشي فيه مزة جامدة عمالة تشاور لك من بعيد الله يسهله يا عم.
تمعن النظر نحو ما أشار إليه الأخر فوجدها شقيقته و قال:
– مزة أي يا جدع دي البت ليلة أختي.
ثم تمتم بصوت لم يسمعه الأخر:
-برضو خرجتي من غير استئذان و ربنا لأربيكي يا بنت الـ…. بينما الأخر عندما علم إنها شقيقته التي تركها قبل سفره كانت طفلة صغيرة ها هي أصبحت صبية يافعة تمتلك جسداً بضاً و جمالاً يسحر الألباب و يخطف الأنظار من أول وهلة، ربما سيعدل عن رأيه في عدم الزواج الأحري وجد ضالته أخيراً، كم تخيل فتاة أحلامه لليالي طوال، فهي مُراده الذي طالما تمناه و سيظفر به بأي ثمن.
وصل حبشي لدي شقيقته رمقها بنظرة من الجحيم و قال لها:
-اي اللي خرجك من البيت و أنا محذرك؟ رمقته بسخط و ودت أن تصفعه بكل قوتها و قالت:
-عايزة فلوس عشان أخلص ورق التنسيق و أطبعه في مكتب الكمبيوتر. صاح بها و لكزها في كتفها بعـ,ـنف، يا له من أخ وغد و مقيت لا يعرف الحنان درباً إلي قلبه،مثله من قيل علي أفئدتهم من الفولاذ لم تتأثر قط بأي مشاعر :
-تنسيق أي يا روح خالتك، مش قايلك أنسي موضوع التعليم ده نوهائي!
لم تتحمل كم الإهانة و كعادتها أنفجرت بغضب و نفذ صبرها من هذا الأرعن:
-أنت ما بـ,ـتصرفش عليا من جيبك علي فكرة، أنا ليا ميراث أبويا الله يرحمه و لو مش هـ,ـتديني يبقي خلاص تعالي نتحاسب و هاخد حقي أتعلم و اصرف بيه علي نفسي و لا الحوجه لأمثالك.
نظر من حوله يـ,ـخشي أن يقترف فـ,ـضيحة أمام الناس و يشمت فيه اعدائه، أمسك قبضته بشدة و قال لها:
-غوري من وشي علي المسا أحسن لك، بدل و ديني و ما أعبد لأجرجرك علي البت و أخليكي تلحسي تراب الشارع و أكسر لك رجلك دي عشان أعجزك و تقعدي مكسحه في البيت و تبطلي تنطيط. مـ,ـسحت عبراتها علي مضض و تراجعت قائلة و قد فاض بها الأمر و وكلته إلي ربها:
-مش هرد عليك بس كل اللي اقوله لك حسبي الله و نعم الوكيل فيك يا ظـ,ـالم.
و ركضت قبل أن يلحق بها، و أنتظر حتي رآها تدلف إلي داخل فناء المنزل و عينيه مليئة بوعيد ، عاد بعد ذلك إلي صاحبه:
-معلش يا صاحبي، كنا بنقول أي؟ أرتشف معتصم الماء و السعادة تتلألأ داخل عـ,ـينيه و قال دون أي مقدمات:
-أنا عايز أتـ,ـجوز أختك.