أخذ يسعل ثم أجاب:
-عندي سخونية و زوري واجعني و جسمي كله همدان مش قادر أحرك دراعي، حتي بكلمك من التليفون بالعافية. أخبرته بحزن و قلق:
-خليك مكانك و أنا جاي لك ما تقلقش عشر دقايق و هاكون عندك، سلام دلوقتي. أنهت المكالمة بينما هو رفع زواية فمه كإبتسامة ذئب ينتظر فريسته الشهية ليفترسها بضراوة. ــــــــــــــــــــ و فوق سطح المنزل تمسك عايدة بقطعة ثياب مبتلة و ألقتها أعلي الحبل ثم قامت بتثبيتها بالمشبك الخشبي، و بمجرد سماعها صوت هذا القادم و الذي يصعد الدرج تركت ما بيدها و اختبأت في زواية لا يمكن من رؤيتها منها.
كان يطلق صفيراً و ذهب ليقف بالقرب من سور السطح ، و ما أن تأكدت من خلو السطح إلا من وجودها و وجوده أطلقت ساقيها بخطي لم يشعر بها الأخر، و في لحظة أجفلته بجذبه من يده و سألته و الغضب ينضح من سؤالها:
– أنت صحيح هاتتجوز البت اللي إسمها ليلة يا معتصم ! لم يكن مذعوراً، هذا حدث كثيراً من قبل، رمقها من أعلي لأسفل و قال:
– عايزة أي؟ أخبرته بنظرة ولع و عشق مدفون بقلب ملتاع:
– عايزاك أنت و لا نسيت اللي ما بينا!
نفض يدها عن يده و قال:
– للأسف ما نستش، ما نستش كذبك و خداعك لما كنتي بتوهميني بحبك و في نفس الوقت ماشية مع صاحبي، و جيت واجهتك بتسجيلات مكالمتكم قعدتي تحلفي كدب و تألفي لي قصص من خيالك و فاكراني أهبل، و كله كوم و إن تستغلي رفض ليكي و خلتيني أسيب لك البلد و أطفش من وشك و عمايلك و قعدت في الغربة تلات سنين ما نزلش أشوف أهلي، في الأخر أتصدم يوم ما رجعت ألاقيكي متجوزة أخويا، لولا نظرة حبه ليكي اللي شايفها في عينيه كنت حكيت له عن حقيقتك القـ,,ــذرة.
اقتربت منه و قالت:
– أنت لسه برضو مش مصدقني، و الله كل ده كذب و تلفيق، انا بحبك أنت و الواد سعد هو اللي عمل كل ده عشان ياما رفضت إن أرتبطت بيه و لما عرف إني بحبك أنت قرر ينتقم مني و منك، عايز تصدق براحتك مش عايز أنت حر. إبتسامة هاكمة ظهرت علي محياه قائلاً:
-علي أساس الوفاء و الإخلاص مقطع بعضه عندك!، كفاية عمايلك السودة و اللي كل مرة بتعدي بستر ربنا بدل ما تتفضحي و أنا أخسر أخويا.
أقتربت أكثر و كادت تلتصق به:
-ما تبطل بقي دور المحترم و الأخ الوفي اللي عايش فيه ده، فاكر لما قـ,ـولت لي أنا ماحـ,ـبتش و لا هاحب زيك! صاح بها و يرمقها بإزدراء:
– كان كله وهم و كدب، دلوقتي مش شـ,ـايف غير واحدة لولا إننا في نهار رمضان و أنتي للأسف واحدة ست كنت قولت لك لفظ يليق عليكي. اقتربت منه بشدة و كادت تلتصق به:
– لو ده هايرضيك و يشفي غليلك مني أنا موافقة، بس تسامحني و ترجع لي.
يا للوقاحة إلي هذه الدرجة تجرأت في الحديث معه دون رادع أو خجل! قبض علي عضدها و هدر من بين أسنانه:
-أسمعي يا عايدة أقسم بالله أنا ماسك نفسي عنك بالعافية و عامل حساب لأخويا الكبير لكن لو لاقيتك ما بطلتيش عمايلك الوسخة دي لهاعملـ.. – عايدة، بت يا عايدة.
كان صوت والدته تنادي من الشرفة، نفض ذراعها من يده قائلاً من بين أسنانه:
– أبقي كرري حركاتك و كلامك ده تاني و أنا هخليكي تندمي علي اليوم اللي دخلتي فيه البيت ده.
ـــــــــــــــــــــ و في الليل وصلت إلي نهاية الدرج حيث يقطن عمار فوق السطح بداخل غرفة يتكون سقفها من الصفيح و الخشب القديم.
و بخطي وئيدة تتقدم نحو الغرفة و قلبها يدق بشدة مثل جرس إنذار و الأحري ناقوس خطر لكن هنا العاطفة كان لها الكلمة الأخيرة، أختصرت خطواتها الأخيرة و دلفت و هذا بعدما وجدت باب الغرفة مفتوحاً، فـ نادت:
– عمار ، عمار؟ كررت النداء و لم تجد تلبية و كادت تلتفت خلفها حتي أجفلها كجدار صلب يقف أمامها، أنـ,ـتفضت بفزع و تراجعت، ترمقه بتوجس:
-أنت بخير؟
لوي شفتيه جانباً بإبتسامة ماكرة كـ,ـذئب أضحت فريسته أمامه و لم تجد مفر للهرب أو ربما هكذا ظن:
– أنتي شايفة أي يا لولو ؟ رددت بتعجب و دهشة لاسيما عندما لاحظت تعابير وجهه التي تخبرها إنه ليس في حالته الطبيعية و عليها الحذر:
– عمار أنت شارب حاجة؟ أغلق الباب خلفه و تقدم نحوها قائلاً:
-لسه هاشرب، تعالي أوريكي أشرب أي.
و سرعان فاجئها بجذبها من خصرها و حملها إلي فراشه المُهترئ، أخذت تقاومه و تضـ,ـربه بقوة محاولة أن تفلت من بين يديه:
-سيبني يا حيوان، أبعد عني، أنا كنت حاسة إن فيه حاجة غلط من الأول بس لما عرفت إنك تعبان مهونتش عليا و جيت لك جري. ألقاها علي الفراش و أرتمي عليها بثقله حتي لا يمكنها الهرب، قام بتقبيلها بوحشية و يقول لها بثمالة :
-طاوعيني مفيش غير الحل ده عشان نتجوز، لازم نحط أخوكي قدام الأمر الواقع و يخليني أتجوزك غصب عشان الفضيحة.
أستطاعت فلت يدها و صفعته بقوة:
– ده بعينك يا واطي يا قذر، عايزني أفرط في شرفي عشان أخسر نفسي و أخويا و تبقي فضحتي علي كل لسان. نهض عنها و لم يصدق نفسه و ينظر لها بغضب عارم:
– أنا بقي هادفعك حق القلم ده غالي و هخلي فضيحتك علي كل لسان يا زبالة.
و جذبها من تلابيب ثوبها و يدفعها نحو الحائط، أخذت تصرخ و لكن لم تستطع الإستغاثة فهي الآن المُدانة أمام الجميع، هي من ذهبت إليه بإرادتها و دون علم شقيقها، عليها أن تتحمل ذلك و يا ويلها إذا نال منها هذا الثائر بجنون و عزم علي أخذها بالقوة و لم يتركها سوي أن تراق الدماء علي جوانب شرفها!
– شكلك محرمتش من المرة اللي فاتت، يبقي أستحمل.
صرخت بتلك الكلمات و ما أن قالتها ركلته بقوة بين ساقيه و لم تمهله أن يستوعب ما فعلته أمسكت بعصا خشبية و نزلت بها فوق رأسه مما سببت في فتح جرح أعلي جبهته، صرخت و ركضت إلي الخارج قاصدة الهرب و ربما إذا حدث له مكروه فلا تكون المتهمة و يفتضح أمر علاقتها الخفية به.
ــــــــــــــــ
خرجت من البناء تتلفت يميناً و يساراً بخوف تخشي أن يراها أحد، كانت تضبط من هندام حجابها و إدخال خصلاتها التي تشعثت من الأمام، خبئتها أسفل الحجاب، ألقت نظرة أخيرة و لم تنتبه فأرتطمت بهذا الشاب الفارع الذي لم يهتز إنشاً واحداً و هي قد وقعت علي الأرض، رفعت عينيها و رأت كف غليظ ممدود إليها:
-قومي. رفعت وجهها و نظرت إليه أجفلتها نظرته الثاقبة و كأنه يعرفها بينما هي تجهل هويته، لم تذعن لأمره و أستندت علي الأرض و لم تكترث للغبار الذي أنغمرت به يديها، أسرعت من خطاها للعودة إلي المنزل و إكتشاف إحداً بعدم وجودها.
بينما معتصم مضي في طريقه إلي ورشة حبشي الذي رآه قام بالترحيب به رافعاً يده:
-يادي النور، يادي النور، معتصم منورنا في الورشة، أجري ياض يا بلية هات حاجة ساقعة لعمك معتصم. خرج الأخر من أسفل السيارة قائلاً:
– أمرك يا سطي حبشي، فوريرة و جاي بسرعة. أخبره معتصم بتهكم مازحاً :
-أي يا عم جو الضيافة و الكرم ده، أنت عيان و لا أي! أستشف الأخر تهكمه و إتهامه بصفة الشح و هو كذلك بالفعل:
– ماشي يا عم الله يسامحك.
جلس كليهما علي الكراسي فقال معتصم:
– يارب يسامحنا كلنا، علي العموم أنا جاي لك في موضوع كده بس اسمعني للنهاية قبل ما ترد. رمقه بإهتمام مبالغ و عقد حاجبيه و كأنه يخشي أن يطلب منه أموالاً سلفاً:
– خير يا صاحبي. ضحك الأخر عندما لاحظ علامات توجس صديقه:
– ما تخافش مش هطلب مـ,ـنك فلوس، بس طالب حاجة تانية، مـ,ـبدأياً كدة بالصلاة علي النبي أنت عارف بقالي أكتر من أربع سنين شغال بره و الحمدلله أنا راجل كسيب و بنيت البيت اللي أمي و أخويا و مراته اللي عايشين فيه، و بنيت التالت عشان أتـ,ـجوز فيه.
أدخل الأخر طرف خنصره في أذنه و يهزه ليزيل شئ عالق يضايقه بداخلها و قال مُتظاهراً بالحماقة:
– ربنا يزيدك يا معتصم يا أخويا، بس أنا مافهمتش برضو أنا داخلي أي بالكلام ده؟ أبتسم الأخر و تجلي الفرح علي ملامحه:
– أنا طالب أيد أختك ليلة . غر فاهه و كاد يتدلي فكه إلي صـ,ـدره عندما أخبره صديقه:
– بس أنا عايز خطوبة و كتب كتاب و فرح كل ده في خلال أسبوع و أنا متكفل بكل حاجة حتي شنطة هـ,ـدومها أنا هجيبها لها، يعني عايز كل اللي عايزه العروسة بس.
حك ذقنه و يفكر في الأمر:
– و الله يا صاحبي ده شرف ليا تتجوز أختي و كل اللي قولته كلام موزون و جميل، بس أستني أسألها الأول و أشوفها هتوافق و لا أي؟ – أنت هاتستعبط عليا يا حبشي!، ده أنت اللي مربيها و كلمتك مسموعة يعني لو أنت موافق هي هتوافق و تقولك آمين.
أتسع فمه بإبتسامة ظهرت فيها كل أسنانه:
– برضو يا عصوم لازم أفاتـ,ـحها خصوصاً لسه مخلصة ثانوية عامة و قال أي عايزة تدخل الجامعة و بيني و بينك أنا مش راضي علي موضوع الجامعة ده، هناك الشباب مع البنات و الدنيا مليطة مولد و صاحبه غايب، و أنا راجل دمي حامي ما اسـ,ـتحملش علي أختي الهوا. أشاح الأخر له بيده بسخرية:
– ياعم أجري أنت هاتعملهم عليا، أنت بس خايف من مصاريف الجامعة و اللبس، خلاص أنا موافق أنها تكمل و تدخل الكلية اللي تشاور عليها، كدة كدة هقعد معاها أجازة الصيف و هسافر تكون هي بدأت الدراسة.
– يبقي كدة إحنا متفقين.
قالها بسعادة واهية علي غرار حال شقيقته عندما تعلم بالأمر و يا ويلها إذا علمت بقراره الحاسم و الذي لا رجعة فيه. #الفصل_الخامس
#ما_بين_الحب_والحرمان
#بقلم_ولاء_رفعت_علي – بت يا ليلة، أنتِ يا بت.
كان صوت حبشي الجهوري و الذي ينبأ عن أخبار سارة، يحمل في يديه أكياساً تفوح منها رائحة الطعام الجاهز.
كانت ليلة تمكث بداخل غرفتها و تبكي و عندما سمعت صوت أخيها بدأت تجفف دموعها التي تنهمر بسبب قلبها الحزين و إكتشاف حقيقة من أحبته المخادع الوغد.
ولج إلي المطبخ و رأي زوجته:
– بتعملي أي يا وليه؟ أجابت عليه بإمتعاض:
– هاكون بعمل أي يعني، بحضر لكم السحور.
أشار إليها قائلاً:
– سيبي اللي في أيدك ده و تعالي جيب لكم كفتة و طرب من عند الحاتي اللي نفسك تاكلي عنده. أتسعت عينيها غير مصدقة، و لما لا فطالما كان شحه يغلب عليه كلما طلبت منه أي شئ:
– سلامتك يا سي حبشي أنت عيان و لا حاجة! صاح بسخط:
– جري أي يا وليه محسساني إن بخيل و لا أي.
لوت شفتيها بتهكم قائلة:
– كفي الله الشر يا أخويا هو أنا قولت حاجة! – طيب ياختي، هاتي الصينية و أطباق فاضية و معالق و تعالي علي أوضة البت ليلة . طرق الباب:
– أفتحي يا بت يا ليلة. هذا أخر ما ينقصها في هذا اليوم العصيب، ذهبت و فتحت الباب:
– أتفضل. أشارت إليه بالدخول، ذهب خلفها و سألها:
– مالك بتعيطي و لا أي؟ توترت ملامحها و أبتلعت غصتها قائلة:
– أبداً أنا أنـ..
قاطعها و ربت عليها:
– أنا عارف أنك لسه زعلانة مني عشان موضوع الجامعة، و أنا جاي أصالحك بالأكلة اللي بتحبيها و ليكي عندي خبر لوز اللوز. رمقته بعدم إستفهام، دخلت هدي باللهفة، تناولت منه الأكياس و بدأت تخرج محتوياتها و ترص الأطباق:
– خير يا سي حبشي، أي الخبر ده. – تعالي أقعدي بس كولي و أكلي ليلة ، أومال فين الولاد؟ أجابت زوجته:
– كنت شيعت لأمي عشان تبعتهم مع الولاه أخويا قالتلي العيال فضلو يعيطو مش عايزين يمشو.
رمقها بسعادة:
– أحسن برضو عشان نحتفل أنا و أنتي بعد السحور الجامد ده .
و غمز بعينه لها، لكزته في صـ,ـدره و قالت له بـ,ـصوت خافت :
– عـ,ـيب إخـ,ـتشي يا راجل أخـ,ـتك قاعدة. حك ذقنه بحرج قائلاً:
– عندك حق يا أم محمد، المهم بصو بقي، البت ليلة جالها عـ,ـريس. نهضت فزعاً و صاحت بإعتراض:
– و أنا مش موافقة. رمقها محذراً إياها:
-ما تتهدي يابت مش تسمعي الأول هو مين و هايعملك اي.
صاحت مرة أخري برفض تام:
– و انا مش عايزة أعرف، بالتأكيد واحد من المقاطيع أصحابك و لا من أهل الـ,ـحارة اللي أكتر واحد فيهم محترم بيشرب حشيش. – ما تقعدي يا بت و أسمعيني بدل ما أسفخك كف علي صرصور ودنك أخليكي طرشة. رمقتها زوجة أخيها بغمزة قائلة:
– أقعدي يا ليلة أسمعي كلام أخوكي، حـ,ـبشي بيحبك و عمره ما هيريد لك الأذي. رمقتها الأخري بدهشة جلية رافعه حاجبيها لأعلي حتي قال شقيقها:
– الواد معتصم صاحبي جه و طالب إيدك مني.
صاحت بغضب:
– نعم!، معتصم إبن نفيسة اللي أكبر مني ب ١٢ سنة! تصنع الحنان الذي يفتقده في خصاله الخبيثة قائلاً:
– ده راجل كسيب مش هيخليكي تشتري حتي هدمتك، هيجيب لك كل حاجة من الإبرة للصاروخ، و فوق ده كله موافق تكملي تعليمك في الجامعة، مش كان نفسك تكملي علامك، يالا أهي جت لك الفرصة علي طبق من دهب. عقدت سـ,ـاعديها أمـ,ـام صـ,ـدرها و رفعت إحدى حـ,ـاجبيها برفض:
– و أنا مش موافقة يا حـ,ـبشي.