مررت “سلسبيل” أصابعها فى خُصلات شعرها لتشعثه؛ فهذه كانت إحدى عادتها عندما تغضب من شئ وكيف لا تغضب وقد وضعتها “تغريد” في مأزق.. فهي للتو أغلقت مكالمتها مع “مروة” التي أخبرتها بأنها تنتظرها هي و “تغريد” بعد صلاة المغرب. إلتقطت هاتفها حتى تهاتف “تغريد” وتوبخها على فعلتها؛ فَـما يزعجها أن هذه الزيارة ليست من أجل “مروة” والمباركة لها بل ورائها هدف يصيبها بالغرابة. ثواني مرت حتى ردت “تغريد” على هاتفها. _ بنت حلال كنت لسا هتصل بيكي عشان اقولك إني هعدي عليكي…
قطعت “سلسبيل” ثرثرتها قائلة: _ أنا مش قولتلك كذا مرة إني مش عايزه اروح، أنا بتحرج ادخل بيوت الناس. _ معقول يا “سلسبيل” هتتحرجي تدخلي بيت “مروة”
ثم اردفت بإستنكار.
_ ما أنتِ كنتِ ساعات بتطلعي عندها لما بتخلصي شيفت الصيدلية وكانت لسا في بيت أهلها. تنهدت “سلسبيل” بنفاذ صبر. _ يا “تغريد” أنتِ مش فهماني ليه… _ أنتِ ليه مش بتعتبريني صاحبتك يا “سلسبيل” ولا مستكبره نفسك عليا حاكم أنا مجرد معهد سنتين وأنتِ ما شاء الله مهندسه.
زفرت “سلسبيل” أنفاسها بقوه ثم أخذت تمسح وجهها وهي لا تصدق أن “تغريد” فهمت أن رفضها لمرافقتها إستكبار. لكنها بالفعل لا ترغب بالذهاب خاصةً أنها تعلم أن عائلة “جمال الراشد” يحبون الخصوصية ومنغلقين على حالهم. _ مهندسه وبشتغل في صيدليه يا “تغريد”، يعني شهادتي محطوطه في الدرج ولا عملت بيها حاجة.
•••• إلحاح “تغريد” جعلها رغمًا عنها تقبل بالذهاب معها لتنظر إلى ما تحمله “تغريد” في يدها: _ خلينا نفوت على محل حلويات اشتري حاجة بدل ما ادخل بأيدي فاضيه.
نظرت “تغريد” نحو الوقت بهاتفها قائلة: _ مش لازم يا “سلسبيل”، أنتِ جبتي هدية قبل كده وأنا اهو واخده معايا حاجة مش هندخل يعني ايدينا فاضية. لتحرك “سلسبيل” رأسها بقلة حيلة وسارت أمامها وهي تهتف. _ لأ يا “تغريد” أنا متعودتش ادخل بيت و إيدي فاضية. تأففت “تغريد” بضيق، فالوقت يضيع منها و ربما لا تتقابل معه.. لقد اختارت يوم الجمعة بالتحديد بعدما أخبرتها جارتها التي تعمل في منزل عائلة “الراشد” عن الوقت الذي يتواجد فيه “سفيان الراشد”.
_ يا “سلسبيل” إحنا كده بنضيع وقت. قالتها “تغريد” بصوت خافت مما جعل “سلسبيل” تلتف إليها بعدما أشارت إلىٰ بائع الحلوى على قطع الجاتوه التي ترغب بأن يضعها لها. _ مالك يا “تغريد” مستعجله ليه، “مروة” على فكرة قالتلنا تعالوا بعد المغرب ولسا المغرب فاضل عليه ساعه ويأذن ده غير البيت مش بعيد.. أنا مش عارفه في إيه كل ده عشان تشوفيه. إلتفت “تغريد” حولها بفزع وقالت قبل أن تغادر المحل. _ أنا هستناكي برة عشان شكلك هتفضحيني.
أغمضت “سلسبيل” عيناها بقوة بعدما غادرت “تغريد” ثم تنهدت… فهي لا تستطيع أن تلوم “تغريد” على حبها لأحد أبناء عائلة “الراشد” فهي من سوء حظها وقعت بهذا الأمر أيضًا. خرجت “سلسبيل” بالحلوى بعدما دفعت ثمنها لتزفر “تغريد” أنفاسها براحة قائلة: _ نمشي في طريقنا بقى ولا عايزه تشتري حاجة تاني؟ طالعت “سلسبيل” الطريق أمامها ثم نظرت نحو ما تحمله. _ اشتري إيه تاني، ده انا مستلفه من “محمود” اخويا فلوس الجاتوه. تحركت “سلسبيل” أمامها لتسرع “تغريد” ورائها وتجتذبها من ذراعها.
_ خلينا نركب، المشوار بعيد وكده بنضيع وقت. قطبت “سلسبيل” حاجبيها وارتسمت الحيرة على ملامحها. _ أنتِ مش قولتي هنتمشى عشان المشوار مش بعيد. والرد كانت تحصل عليه “سلسبيل” من اِجتذاب “تغريد” لذراعها. وصلوا أخيرًا لمنزل عائلة “جمال الراشد” ليقفوا أمام البوابة التي كانت مفتوحة لتحدق “سلسبيل” بالمنزل من الخارج بتوتر: _ خلينا نتصل على “مروة” عشان… لم تكد تكمل “سلسبيل” كلامها، فوجدت “تغريد” تجرها من يدها قائلة: _ خلينا ندخل. توقف الكلام على طرف لسان “سلسبيل” وهي ترى نفسها داخل المنزل المحاط بسور عالي وبه مساحة لا بأس بها تحيطه.
اِجتذب دخولهم أنظار ڪلًا من “سفيان” و “هيثم” الواقفين بالبهو الخارجي للمنزل وحولهم أبناء شقيقهم “عبدالرحيم”… أسرعت “سلسبيل” بحفض رأسها بحرج بسبب فِعلت
“تغريد” لتتعلق عينين “سفيان” بها بذهول وهو لا يُصدق أنه يراها اليوم في منزله..
•••• وَ إِرتَوَىٰ الفُؤَاد الفصل الثالث بعد ساعة من قدومهن كُن يُغادرن منزل عائلة “جمال الراشد” تحت أنظار “سفيان” الذي جلس بالحديقة الصغيرة التي تحاوط المنزل. _ إيه ده أنت قاعد في الجنينة يا “سفيان”، مش كنت قايل إنك خارج.
قالتها “منار” شقيقته وهي تحمل على ذراعها صغيرها؛ فارتبك “سفيان” لوهلة ثم استدار برأسه نحوها. _ بقالي كتير مقعدتش مع “علي” و “جمال”. قالها وهو ينظر إلى أولاد شقيقه “عبدالرحيم” المندمجين باللعب بدراجاتهم. _ طيب خد شيل “سفيان” الصغير حبيب خالو. ابتسم “سفيان” وهو يلتقط منها الصغير الذي أصرت شقيقته على تسميته باسمه. _ تعالا يا استاذ “سفيان” ياللي مقدرش اقول لأ على حاجة معاك. اِتسعت إبتسامة “منار” ثم اِجتذبت المقعد الجالسة عليه وقربته من مقعده قائلة بصوت خفيض:
_ إيه رأيك في البنت اللي لسا خارجة وكانت لابسة فستان زهري؟ إلتمعت عينيه عندما فهم مقصد شقيقته لكنه تظاهر بالغباء. _ أنهي بنت؟ ،تقصدي مين؟ تأففت “منار” من عدم إهتمام شقيقها بالنظر إلى الفتيات ثم شدته -نحوها- من ذراعه. _ يا “سفيان” كان في بنتين عند “مروة” بيباركوا ليها ولسا نازلين من شوية، نظرك ملتفتش لواحدة فيهم.. ضاقت حدقتيّ “سفيان” ثم إلتقط كف الصغير وقَبله قائلًا: _ هاتي اخرك يا “منار” من غير لف ودوران.
اِفتر ثغر “منار” عن إبتسامة خفيفة ثم فرقعت بأصابعها أمام صغيرها لتُداعبه. _ بص يا سيدي أنا و “زينة” اقترحنا على ماما “سلسبيل”، البنت اللي كانت لابسه فستان زهري ولسا نازله من شقة “هيثم” و “مروة”. توقفت عن الكلام لتمط شفتيها متذمرة. _ صحيح نسيت إنك مش بتفهم في الألوان غير الأحمر والأسود والأبيض. إنتاب “سفيان” شعور غريب عندما استمع إلى اسمها الذي صَار يعرفه لكنه أخفى إهتمامه وأكمل مداعبته للصغير. _ بص يا سيدي هي كانت…
اِستنكر “سفيان” عبارتها التي كررتها وقال وهو يعطيها صغيرها. _ إيه بص يا سيدي اللي عماله تقوليها ليا دي، ما انا باصص اهو ابص فين تاني!! اِمتعضت ملامح “منار” وكادت أن تنهض. _ خلاص أنا غلطانه… تنهد “سفيان” بضيق ثم اِجتذب ذراعها ليجعلها تجلس. _ اقعدي يا “منار” واحكيلي على اختيارك أنتِ و أختك شكلكم اتعاديتوا من الحاجة “صباح” وشغالين ليا خاطبة. اِتسعت إبتسامة “منار” ثم حركت كلا حاجبيها بتلاعب. _ نفسنا نفرح بيك يا “سفيان”.
تنهد بسأم وهتف راغبًا في معرفة الحديث الذي دار بين شقيقتيه عنها. _ كملي يا “منار” كلامك من غير رغي كتير لأن المفروض اقوم عشان “منصور” مستنيني. وكأنها مسجل راديو ضغط على زر تشغيله لتخبره بكل ما دار بينها وبين شقيقتهم “زينة” وما صارت تعرفه عن “سلسبيل”. _ ما شاء الله عليها مهندسة وادب وأخلاق والبت لولا أهلها رافضين سفرها للقاهرة كان زمانها اشتغلت بشهادتها، “محمد” ابن عمك بيثق فيها أوي و “زينة” كمان دايمًا تقولي بنت متربية ومن بيت اصل بس فيه مشكلة…
بكاء الصغير جعلها تتوقف عن إستكمال حديثها، ليزفر “سفيان” أنفاسه بضجر بعدما فقد صبره. _ أنتِ بتنقطيني بالكلام يا “منار”. اِندهشت “منار” من ضيقه لترفع أحد حاجبيها بتساؤل وقد توقف الصغير عن البكاء. _ أنت مش من شوية مكنتش مهتم؟ _ “مــنــار”. هتافه باسمها بتلك الطريقة زاد من دهشتها لتُسرع قائلة: _ المشكلة في الحاجة “صباح”، امك.. زَوىٰ “سفيان” ما بين عينيه وخرج تساؤله في حيره. _ مالها، إيه المشكلة اللي هي شيفاها في “سلسبيل”.
