الجزء الثاني والأخير من صـ,ـدمة ممرضة الهواء في الغرفة اتغيّر في لحظة، كأن المكان كله توقف عن التنفس. آنا فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تصدّق اللي عيونها شايفاه. كانت متعودة على جسده الساكن، نفس الملامح اللي حفظتها عن ظهر قلب — الشعر البني المبعثر على المخدة، الخطوط الخفيفة حوالين فمه، صدره اللي بيطلع وينزل بهدوء مع كل نفس… لكن المرة دي، كان في حاجة غريبة جدًا. أول حاجة لاحظتها إن إيده كانت متشبكة في حاجة — حاجة صغيرة، ملفوفة بقماشة بيضا زي حرير المستشفى.
قربت بخطوات بطيئة، قلبها بيخبط في صدرها، ومدّت إيدها تفكّ القماشة، بس فجأة إيده اتحركت! آه، اتحركت فعلاً… مش رعشة لا إرادية زي اللي كانت بتشوفها أحيانًا، لكن حركة حقيقية، واضحة. شهقت آنا بصوت عالي، وراحت تسند نفسها على السـ,ـرير عشان ما تقعش. نظرت لجهاز نبضات القلب — الأرقام ارتفعت فجأة. الخط الأخضر اللي كان ثابت تقريبًا، بدأ يتحرك بسرعة، وكأن جسمه استجاب لصـ,ـدمتها. رجعت تبص عليه، وإيدها بتترعش، لقت صباعه بيتحرّك تاني… المرة دي كأنه بيكتب حاجة في الهوا.
— “غرانت؟” همست بصوت واطي جدًا، مش مصدقة إنها بتناديه. بس لما لمحت رمشة خفيفة في جفنه، شهقت تاني، والدموع غـ,ـرقت عينيها. جريت على الباب، نادت على زميلتها في الممر: — “دكتور! في حركة! المريض رقم 14 اتحرك!” لكن لما رجعت تبص عليه تاني، لقت المشهد أغرب من أي خيال. القماشة اللي كانت ملفوفة في إيده وقعت، وطلعت فيها صورة صغيرة… صورة قديمة ومهترية، لكن ملامحها كانت واضحة جدًا. آنا مدّت إيدها تمسكها، وإيدها بتترعش من الفضول، وبمجرد ما شافتها، تجمّدت.
كانت الصورة ليها هي! هي، بزيّ التمريض الأبيض، واقفة جنب باب العيادة في أول يوم شغل ليها. نفس الابتسامة، نفس الدب.وس اللي في شعرها، حتى التاريخ اللي مكتوب على الصورة هو نفس اليوم اللي قابلت فيه غرانت لأول مرة. بس إزاي؟! إزاي صورة ليها اتصوّرت وهي ما تعرفش؟! الأسئلة كانت بتتصارع في عقلها، والخوف بدأ يزحف على قلبها زي موجة باردة. رجعت تبص له تاني، والدموع خلاص كانت على وشك إنها تنزل. — “إنت… إزاي؟ إزاي الصورة دي معاك؟!”
لكن فجأة، الصوت اللي كانت بتحلم تسمعه بقالها شهور خرج منه، واهن، متقـ,ـطع، لكنه حقيقي جدًا: — “آنا…” اللحظة دي كانت كأن الزمن وقف. هي اتجمدت، قلبها بيخبط بسرعة جنـ,ـونية، والإبرة اللي كانت ماسكاها وقعت على الأرض. صوته كان ضعيف، بس فيه دفء، فيه حاجة مألوفة. قربت منه بسرعة، مسكت إيده بحذر، وقالت بصوت بيرتعش: — “غرانت، إنت صحيت؟ إنت سامعني فعلاً؟” فتح عينيه ببطء، والنور انعكس فيهم كأنه بيشوف الدنيا لأول مرة. ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال بصوت متقـ,ـطع:
— “ما كنتش في غيـ,ـبوبة… كنت فاقد القدرة على الحركة بس. كنت سامع كل كلمة كنتِ بتقوليها.” آنا شهقت ودموعها نزلت من غير ما تحس. كل اللي مرّ بيها، كل الكلام اللي كانت بتحكيه له في صمت، كان واصل له فعلاً. بس اللي قاله بعدها خلّى قلبها يقع في مكانه من الصدمة: — “وكنت مستني اللحظة اللي أقدر أقولك فيها… إني كنت أعرفك قبل كده.” رفعت راسها بسرعة، مش فاهمة. — “تعرفني؟! إزاي؟!” ابتسم، وقال بصوت أهدى شوية:
— “من قبل الحاد.ث بكتير… كنتِ الممرضة اللي أنقذت أمي من سنين. صورتك كانت آخر حاجة شافتها قبل ما تمو.ت، وأنا احتفظت بيها من ساعتها.” آنا غطّت وشها بإيدها، مش قادرة تصدق إن القدر رجّعهم لبعض بالطريقة دي. وفي اللحظة اللي حاولت تتكلم فيها، مدّ إيده ولمس خدّها بلُطف، وقال: — “كنت بحس بيكي طول الوقت، كنتي السبب الوحيد اللي خلاني أرجع.” الغرفة سكتت تمامًا، إلا من صوت الأجهزة اللي رجعت لضبطها الطبيعي، ونبض قلبين بيخفقوا بنفس الإيقاع لأول مرة