روايات

اثناء العشاء

وأنت يا صغيرة ما زلت شاحبة. خفضت رأسها كما اتفقنا أشعر بصداع أيضا. أظنني بحاجة للاستلقاء قليلا. أومأ ريتشارد بتفهم مصطنع بالطبع اذهبي واستريحي يا عزيزتي. لا داعي لأن تجبري نفسك على الجلوس مع الكبار. راقبتها وهي تصعد الدرج خطوة خطوة حتى اختفت عن الأنظار. ثم التفت إلى ريتشارد هل فاتني الكثير ضحك بخفة وهو يقودني إلى حيث الضيوف لا ما زلنا في البدايات. بالمناسبة أعددت لك الشاي الخاص الذي تحبينه. وصفة جديدة جلبتها من صديق لي. تركته في المطبخ حتى لا يبرد.

جملة عادية في الظاهر لكنها بعد ما سمعته من سارة صارت أشبه بجملة أعددت لك ما كنت أنوي أن يكون آخر ما يدخل جسدك. قالت داخلي غريزة الحياة لا تلمسي ذلك الشاي. اكتفيت بابتسامة سريعة ربما بعد قليل. أريد أن أبدأ بالماء أولا مع الدواء. مرت دقائق ثقيلة. تبادلت الحديث مع هذا وذاك بابتسامة متماسكة لكن عيني كانتا تلتقطان كل حركة يقوم بها ريتشارد. رأيته يمر من قرب المطبخ أكثر من مرة يحدق باتجاهه كأن الشاي ينتظر مشهدا لم يحدث بعد.

هاتفي ساكن في يدي عقلي كله معلق برسالة واحدة متوقعة من سارة. بعد قرابة عشرين دقيقة وأنا واقفة إلى جوار ريتشارد في حديث مع زوجين من أصدقائه اهتز الهاتف أخيرا. نظرت إلى الشاشة. كلمة واحدة فقط الآن. شعرت بالدم يفر من وجهي لكنني تمالكت نفسي في اللحظة التالية وقلت بابتسامة معتذرة عذرا يجب أن أطمئن على سارة. يبدو أن الصداع أرهقها. حاول ريتشارد أن يعترض دعيني أذهب أنا قاطعته برفق لا لا داعي. سأكون سريعة فقط أريد أن أرى إن كانت بحاجة إلى دواء آخر.

وغادرت قبل أن يتمكن من قول المزيد. صعدت الدرج بخطوات متسارعة فتحت باب غرفة سارة فوجدتها تقف قرب النافذة وجهها أبهت من ذي قبل. همست بانفعال ماذا حدث هل جاء إلى المكتب هزت رأسها لم يدخل المكتب بعد لكن شعرت أنه على وشك الصعود فهرعت إلى غرفتي قبل أن يراني هناك. وجدتها يا أمي الزجاجة. اقتربت منها أكثر أين في الدرج الأوسط من مكتبه مخبأة تحت مجموعة من الأوراق. زجاجة صغيرة بنية اللون بدون أي ملصق بدون أي اسم. التقطت لها عدة صور مع الورقة التي كانت بجوارها.

جسمك عند السقوط. كانت ترتجف لكنها في النهاية هزت رأسها وصعدت إلى حافة النافذة. في تلك اللحظة سمعنا صوت المفتاح يدور في القفل. همست بإلحاح سارة! الآن! تشبثت سارة باللحاف بكلتا يديها وبدأت تهبط بسرعة قدماها تبحثان عن توازن على سطح الجدار. انزلقت حتى وصلت إلى آخر نقطة ممكنة ثم توقفت وبينها وبين الأرض أقل من مترين. صرخت لها اقفزي الآن! أفلتت اللحاف وقفزت. سقطت على العشب تدحرجت كما علمتها ثم نهضت بسرعة ولوحت لي لتطمئنني أنها بخير.

في اللحظة نفسها تقريبا انفتح الباب بعنف ووقف ريتشارد عند العتبة عيناه تتقدان بغضب داكن. نظر إلى النافذة المفتوحة ثم نحوي. صرخ هيلين! ماذا تفعلين بحق الجحيم! لم أترك لنفسي فرصة للتردد. تشبثت باللحاف واندفعت من النافذة. شعرت بالهواء يصفع وجهي وبالقماش يحرق راحتي وأنا أنزلق بسرعة. سمعت صرخته وهو يقترب وشعرت بظله يخيم للحظة على حافة النافذة. ما أن وصلت إلى نهاية اللحاف حتى أط.لقت يدي وسقطت. اصطدمت قدمي بالأرض بقوة وشعرت بأ.لم حاد يختر.ق كاحلي الأيسر لكن الأدرينالين طغى على الأ.لم فلم أسمح لنفسي سوى بثانية واحدة للالتقاط أنفاسي.

اركضي! صرخت وأنا ألتقط يد سارة. نظرت للأعلى فرأت ريتشارد يطل من النافذة وجهه مشوه بالغضب يصرخ باسمنا بجنون. إنه سينزل قلت وأنا أجر سارة معي. يجب أن نسبقه. ركضنا عبر الحديقة الخلفية تجاوزنا الأشجار الصغيرة وصلنا إلى السور المنخفض. ساعدتني سارة على تسلقه رغم ألم كاحلي وقفزنا إلى الجهة الأخرى حيث الشارع الجانبي. سمعنا من بعيد أصواتا قادمة من البيت ضوضاء ضيوف مرتبكين أبواب تفتح وتغلق وصوت ريتشارد يصيح بكلمات متقطعة لا نميزها. واصلنا الركض نحو منطقة صغيرة من الأشجار كانت تفصل

حينا عن الطريق العام. كان هناك ممر صغير يؤدي إلى بوابة خدمة حديدية تفتح ببطاقة سكان الحي. لهثت سارة الممر هناك. وصلنا إلى البوابة فوجدناها مغلقة. اقتربت منها أخرجت بطاقة المجتمع السكني من حقيبتي بأصابع ترتجف ومررتها على القارئ الإلكتروني وأنا أتمتم في داخلي بكل دعاء أعرفه. لحسن الحظ أضاء الضوء الأخضر وسمعنا صوت كليك خفيفا فتحت الباب بسرعة ودخلنا إلى الجهة الأخرى إلى شارع هادئ قريب من مفترق طرق. لم ننتظر طويلا حتى أوقفت سيارة أجرة مارة. دخلناها ونحن نلهث قلت للسائق

إلى مركز كريست فيو التجاري لو سمحت. ذلك المركز كان كبيرا ومزدحما مليئا بالكاميرات والناس ومكانا صعبا لأن يختلق فيه ريتشارد مشهدا دراميا يحرف به الحقيقة. في الطريق سألت سارة وأنا أحاول التقاط أنفاسي ما زالت الصور في هاتفك لم تحذف أخرجت هاتفها بسرعة فتحته أرتني الصور واحدة تلو الأخرى الزجاجة البنية غير المعلمة الورقة التي فيها الجدول الزمني لموعد تقديم الشاي وتوقيت ظهور الأعراض والاتصال بالإسعاف أرقام الدقائق خطه المألوف الذي أعرفه جيدا. قلت بصوت مبحوح

هذا هو ما سينقذنا. عندما وصلنا إلى المركز التجاري دخلناه بسرعة. اخترنا ركنا جانبيا في مقهى هادئ نسبيا جلسنا فيه طلبنا كوبين من الماء فقط وكان كل ما أحتاجه في تلك اللحظة هو لحظة تفكير واحدة بعيدة عن أعين ريتشارد. أخرجت هاتفي لأجد سيلا من المكالمات الفائتة والرسائل Helen where are you? The guests are worried. Please come home. We can talk about whatever upset you. Im really worried about you and Sarah. ثم رسالة أطول

اتصلت بالشرطة. أخبرتهم أنك خرجت من المنزل في حالة نفسية صعبة ومعك سارة. من فضلك لا تفعلي شيئا متهورا. فكري في ابنتك. شعرت بالغثيان.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى