كانت العاصفة قد بدأت ولكن لا أحد في القاعة أدرك أن ما جرى تلك الليلة سيغير مجرى حياة شخصين لم يكن بينهما أي صلة قبل دقائق. عندما مد ألكسندر يده نحوها أمام مئات العيون المندهشة لم تكن إيميلي تفكر كانت فقط تحاول ألا تسقط. كان الخذلان قد أنهكها والصدمة جعلت عقلها فراغا ممتدا. لم تفهم ما الذي يدفع رجلا مثل هذا لأن يتدخل في حياتها ولا لماذا نظر إليها بتلك الطريقة التي تجمع بين القوة والشفقة والاحترام في آن واحد. كل ما تذكرته حينها هو صوت الكاميرات وضجيج الحضور وهي تضع يدها المرتجفة في يده دون وعي.
حين خرجا من القاعة كان الممر طويلا ومليئا بالوجوه المذهولة. لم تنظر خلفها أبدا. شعرت أن كل خطوة تبعدها عن عالم قد احـ,ـترق بالكامل وأنها تدخل أرضا لا تعرف عنها شيئا. في الخارج كانت سيارات الصحافة قد بدأت بالتجمع والمصورون يصيحون بأسمائها لكن ألكسندر لم يلتفت. فتح باب السيارة وأدخلها برفق ثم جلس بجانبها وأغلق الباب. لم يتكلم أحدهما لعدة دقائق فقط صوت المحرك وصوت أنفاسها المتقطعة يملآن الصمت. قال أخيرا خذي نفسا عميقا لا أحد سيؤذيك بعد الآن.
كان صوته ثابتا لكنه لم يكن جامدا. فيه دفء خفيف يشبه وعدا لم ينطق بعد. التفتت إليه بنظرات غريبة كأنها لا تزال لا تصدق أن ما جرى حقيقي. قالت بصوت واه أنت مجـ,ـنون هل تدرك ما فعلته للتو لقد تزوجت امرأة لا تعرفها. أجاب بهدوء متزن أعلم لكني رأيت في عينيك شيئا جعلني لا أستطيع أن أقف مكتوف اليدين. كنت تسحقين على يد وكنت أحتاج لشيء يعيدني أنا أيضا إلى الحياة.
لم تفهم ما قصده لكنه بدا صادقا. كان يقود السيارة عبر الشوارع المبللة بالمطر وكلما مرت لحظة شعرت بأن العالم القديم الذي كانت تعرفه يبتعد أكثر فأكثر. في تلك الليلة تركها في فندق صغير أعطاها مفتاح غرفة وقال بهدوء استريحي سنتحدث في الصباح. لم يلمسها لم يطرح أسئلة لم يتصرف كالرجل الذي أنقذ امرأة ليملكها بل كمن يرى في حضورها فرصة لتصحيح شيء داخله لا يعرف اسمه. في الصباح استيقظت على صوت ضوء الشمس يتسلل عبر الستائر ورائحة القهوة تملأ الغرفة. وجدته جالسا في البهو يقرأ الجريدة.
حين رآها قال بابتسامة خفيفة صباح الخير السيدة ريد. تجمدت ثم همست من الغريب أن أدعى بهذا الاسم. فقال ستعتادين أو ربما لا. على الأقل حتى تقرري أنت ما تريدين. مرت أيام كانت أغرب من أن توصف. الصحف لم تتوقف عن الحديث عنهما والقصص تتكاثر من كل اتجاه. بعضهم وصفها بأنها محظوظة وبعضهم نعتها بالمغامرة الانتهازية وآخرون قالوا إنها لعبة من ألكسندر لإلهاء الإعلام عن مشاكله التجارية. لكنها لم ترد على أحد. كانت تكتشف أن أقسى الانتقامات هي الصمت.
انتقلت بعد أسبوع إلى شقته الزجاجية العالية في مانهاتن. لم يكن المكان منزلا بل قلعة من الضوء والسكينة. كانت النوافذ تمتد من الأرض إلى السماء ومن هناك ترى المدينة كبحر من النجوم. خصص لها غرفة واسعة تطل على النهر وقال لها هذا جناحك افعلي به ما تشائين. لم يسألها عن الماضي ولم يحاول أن يقترب أكثر مما يجب. كان كأنه يفهم أن القلوب تحتاج مساحة لتتنفس بعد أن تكسر. كانت تراه في الصباحات القليلة التي يتناول فيها الإفطار في البيت دائما أنيقا منضبطا يقرأ
الأخبار بصمت ويترك فنجان قهوته في مكانه ذاته. لكنها كانت تلاحظ شيئا صغيرا يتغير كل يوم في البداية كان يترك لها كوبا إضافيا دون أن يسألها ثم لاحقا بدأت تجد على الكوب ملاحظات قصيرة بخطه تقول ابدئي يومك بابتسامة أو الألم لا يدوم. لم يكن هذا سلوك رجل يريد السيطرة بل رجل يتعلم الرفق بعد سنوات من البرود.
ببطء بدأ بينهما حوار صامت. في المساء كانت تجده أحيانا في المطبخ يعد العشاء بنفسه طعاما بسيطا لكنه دافئ. ذات مرة دخلت عليه وقالت بابتسامة مرتجفة من يظن أن الملياردير ألكسندر ريد يعرف كيف يطبخ المعكرونة أجاب بابتسامة خفيفة كنت أعيش وحدي لفترة طويلة أتعلمين الوحدة تعلم أكثر من أي جامعة. في تلك اللحظة اكتشفت أن هذا الرجل الذي يتحدث عنه الجميع كرمز للقوة يحمل في داخله هشاشة تشبهها. كان كلاهما مكسورا بطريقته وكلاهما يحاول أن يرمم نفسه من خلال الآخر دون وعي.
مرت ثلاثة أشهر غريبة كانا خلالها زوجين أمام العالم وغريبين في الخفاء. الإعلام هدأ أخيرا لكن مشاعرهما لم تهدأ. كل صباح كان يحمل لهما شيئا جديدا حوارا أقرب نظرة أطول أو صمتا دافئا أكثر من أي كلام. بدأت إيميلي تلاحظ كيف ينظر إليها ألكسندر أحيانا حين يظن أنها لا تراه تلك النظرة التي تحمل خوفا ورغبة واعتذارا في الوقت نفسه.
في أحد المساءات عاد معها من حفلة خيرية أقيمت في أحد فنادق نيويورك. كانت الحفلة مزدحمة بالوجوه اللامعة والابتسامات المصطنعة. جلست هناك بين النساء اللواتي يتهامسن عنها فسمعت جملة طـ,ـعنتها في قلبها إنها مجرد مشروع شفقة من ألكسندر. كانت الكلمة ثقيلة تخترقها كالخنجر. لم ترد لكنها حين عادوا إلى المنزل كانت تلك الكلمات قد أصبحت نارا تشتعل داخلها. دخلت الشقة ووقفت أمامه وقالت بصوت مرتجف لكنه حاد هل هذا حقيقي هل كنت تحتاج إلى مسرحية جديدة لترضى عن نفسك هل أنا مشروع إنقاذ لصورتك أمام الإعلام
تجمد مكانه نظر إليها طويلا ثم قال بهدوء فيه وجع لو كنت أهتم بصورتي كنت خرجت من القاعة مثلي مثل الباقين. ما فعلته في ذلك اليوم لم يكن بطولة كان ضعفا لأنني ما قدرتش أشوفك بتنهاري وأعمل نفسي مش شايف. اقترب منها بخطوة بطيئة وصوته انكسر قليلا تزوجتك لأنك رفضت السقوط لأنك وقفت رغم إن العالم كله سقط حواليك. ما كنتش أعرف إذا كان اللي بيننا حب ولا لا بس كنت عارف إنك أكتر إنسانة صدق شفتها في حياتي.
سكتت لحظة طويلة ثم قالت والدموع على خديها طيب ليه ما قلتش إنك بتحبني أغمض عينيه وقال بصوت خافت لأني ما كنتش متأكد إني أستحقك. تلك الجملة وحدها كانت كافية لتذيب الجليد بينهما. اقتربت منه ببطء رفعت رأسها ونظرت في عينيه وقالت ويمكن كل اللي محتاجه الإنسان في الآخر إنه يسمع الكلام ده. ثم سكتت وأطبقت على شـ,ـفتيه قـ,ـبلة هادئة لم تكن انفعالا بل تصالحا.
من تلك الليلة تغير كل شيء بينهما. لم يعودا غريبين في بيت واحد بل صارا يشبهان روحين وجدت كل منهما الآخر بعد طريق طويل. ألكسندر صار يعود مبكرا يحمل لها الزهور دون مناسبة يترك لها كتبا على الطاولة بعلامات تحت الجمل التي تشبهها. أما هي فقد بدأت تكتب من جديد مقالاتها في الصحف أصبحت أكثر نضجا تتحدث عن الشجاعة والكرامة والقدرة على البدء من الصفر. وفي الذكرى الأولى لذلك اليوم فاجأها ألكسندر حين أخذها بسيارته دون أن يخبرها إلى أين. توقفت السيارة
أمام فندق روزوود. المكان الذي شهد انهـ,ـيارها قبل عام. نظرت إليه بدهشة وقالت ليه رجعتني لهنا أجاب بابتسامة دافئة لأننا هننهي الحكاية اللي بدأت هنا بس المرة دي على طريقتنا. دخلت القاعة معه لم تكن هناك موسيقى ولا جمهور ولا عدسات. فقط هو وهي وضوء خافت يتسلل من النوافذ. وضع خاتما جديدا في إصبعها وقال المرة دي أنا اللي بختارك مش أمام الناس لكن أمام نفسي. ابتسمت وهي تدمع وقالت وأنا كمان باختارك لأنك علمتني إن القوة مش إننا ننتقم القوة إننا نبدأ من جديد.
وقفا هناك طويلا يرقبان انعكاس وجهيهما على الزجاج والمدينة خلفهما تلمع كأنها تشهد ميلادا جديدا لهما. تلك الليلة لم تنته بالوعود بل بصمت عميق حمل في داخله كل ما لم يقل. ومن بعدها لم يعودا حديث الناس بل صار الناس يتحدثون عنهما كمثال على الشفاء لا الفضـ,ـيحة. أسسا معا مؤسسة صغيرة لمساعدة النساء اللاتي مررن بتجارب قاسية وأطلقا عليها اسم بداية. صارت إيميلي تخرج كل صباح إلى مقر المؤسسة بابتسامتها القديمة بينما كان ألكسندر يتابعها من بعيد فخورا بأن ما أنقذهما لم يكن المال ولا الشهرة
بل الإيمان بأن الخيبة يمكن أن تكون أول الطريق نحو النور. وفي مساء هادئ بعد عامين كانا يجلسان على شرفة منزلهما المطلة على النهر. قالت وهي تمسك فنجان القهوة أتدري في ذلك اليوم كنت أظن أن حياتي انتهت. ابتسم وأجابها وكنت أنا أظن أني فقدت القدرة على الشعور. لكننا كنا غلطانين. ثم أمسك بيدها وقال بخفة أنا اتعلمت إن الحب الحقيقي مش ضجة الحب سكون زي دلوقتي. ابتسمت وأغلقت عينيها على هذا السكون الجميل الذي لم تحلم به يوما وهي تدرك أن أعظم القصص لا تبدأ بالحب بل تبدأ بالوجع. وأن أجمل النهايات هي التي تأتي حين لا ننتظر شيئا.
وهكذا كانت تلك الليلة التي خرجت فيها من القاعة مكسـ,ـورة بداية حياة جديدة لامرأة تعلمت أن تشفى بنفسها ورجل تعلم أن يمنح دون خوف. كانت النهاية بسيطة بلا صخب ولا مشهد بطولي لكنها النهاية التي انتصرت فيها الكرامة على الخـ,ـيانة والحب على الغرور والحياة على السقوط. وفي آخر سطر من قصتها التي كتبتها لاحقا في كتابها الأول كتبت إيميلي جملة واحدة فقط في يوم ما ظننت أن انهياري هو نهايتي لكنه كان الباب الذي عبرت
منه إلى نفسي