ترندات

حكم استلقاء المسلم على ظهره

ويظهر من الحديث الثاني – وهو الفعل – أن النبي صلى الله عليه وسلم استلقى على ظهره ، ورفع إحدى رجليه على الأخرى .

وهنا نبدأ بالخطوة الأولى وهي الجمع بين الدليلين :
جمع بعض أهل العلم بين الحديثين فقالوا :
المعنى الذي لأجله نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الصورة: هو التحذير من كشف العورة، إذ إن غالب الصحابة كانوا يلبسون الأُزر ، فلا يؤمَن ، إذا استلقى أحدهم على ظهره ، ورفع إحدى رجليه على الأخرى: أن تنكشف عورته . وعلى هذا يحمل حديث النهي .
وأما إن كان يأمن من انكشاف عورته ، كمن يلبس تحت إزاره سروالا، ونحو ذلك: فلا مانع من أن يستلقي، ويرفع إحدى الرجلين على الأخرى .

وعلى هذا يُحمل فعل النبي صلى الله عليه وسلم .
وممن قال بهذا البيهقي ، والبغوي ، والخطابي ، وأبو العباس القرطبي ، وابن الجوزي ، والنووي ، رحمهم الله تعالى .
قال البيهقي في “الآداب” (ص236) :”يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّهْيُ: لِمَا فِيهِ مِنَ انْكِشَافِ الْعَوْرَة،ِ لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، مَعَ ضِيقِ الْإِزَارِ: لَمْ يَسْلَمْ مِنْ أَنْ يَنْكَشِفَ شَيْءٌ مِنْ فَخِذِهِ ، وَالْفَخِذُ عَوْرَةٌ.

فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْإِزَارُ سَابِغًا، وَكَانَ لَابِسُهُ عَنِ التَّكَشُّفِ مُتَوَقِّيًا: فَلَا بَأْسَ بِهِ ” انتهى .
وقال البغوي في “شرح السنة” (2/378) :” موضع النهي – والله أعلم – أن ينصب الرجل ركبته ، فيعرض عليها رجله الأخرى، ولا إزار عليه ، أو إزاره ضيق ينكشف معه بعض عورته .
فإن كان الإزار سابغا بحيث لا تبدو منه عورته فلا بأس ” انتهى .
وقال الخطابي في “معالم السنن” (4/120) :” يشبه أن يكون: إنما نُهي عن ذلك من أجل انكشاف العورة ، إذ كان لباسهم الأزر، دون السراويلات .

والغالب أن أُزُرهم غير سابغة ، والمستلقي إذا رفع إحدى رجليه على الأخرى، مع ضيق الإزار: لم يسلم أن ينكشف شيء من فخذه، والفخذ عورة .
فأما إذا كان الإزار سابغاً، أو كان لابسه عن التكشف متوقياً: فلا بأس به ، وهو وجه الجمع بين الخبرين ، والله أعلم “انتهى .
وقال أبو العباس القرطبي في “المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم” (5/417) :” و( قوله: ونهى أن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى مستلقيًا ) : قد قال بكراهة هذه الحالة، مطلقًا:

فقهاء أهل الشام ، وكأنَّهم لم يبلغهم فعل النبي – صلى الله عليه وسلم – لهذه الحالة ، أو تأولوها.

والأولى: الجمع بين الحديثين ؛ فيحمل النهي على ما إذا لم يكن على عورته شيء يسترها.
ويحمل فعل النبي – صلى الله عليه وسلم – لها على أنه كان مستور العورة ، ولا شك أنها استلقاء استراحة إذا كان مستور العورة ، وقد أجازها مالك وغيره لذلك “. انتهى
وقال ابن الجوزي في “كشف المشكل” (3/75) :” وَأما رفع المستلقي إِحْدَى رجلَيْهِ: فَلِأَن الْغَالِب على الْعَرَب: أَن يكون على أحدهم الثَّوْب الْوَاحِد ، فَإِذا فعل هَذَا بَدَت عَوْرَته ، فَإِن أَمن هَذَا فَلَا كَرَاهِيَة “انتهى.
وقال النووي في “شرح صحيح مسلم” (14/77) :”

قَالَ الْعُلَمَاءُ أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِلْقَاءِ، رَافِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى: مَحْمُولَةٌ عَلَى حَالَةٍ تَظْهَرُ فِيهَا الْعَوْرَةُ، أَوْ شَيْءٌ مِنْهَا.
وَأَمَّا فِعْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَكَانَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَظْهَرُ منها شيء. وهذا لابأس به، ولا كراهة فِيهِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الِاتِّكَاءِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَالِاسْتِلْقَاءِ فِيهِ . قَالَ الْقَاضِي: لَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ هَذَا لِضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ مِنْ تَعَبٍ أَوْ طلب راحة أو نحو ذلك .

قال : وإلا فقد عُلِمَ أَنَّ جُلُوسَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَجَامِعِ عَلَى خِلَافِ هَذَا، بَلْ كَانَ يَجْلِسُ مُتَرَبِّعًا ، أَوْ مُحْتَبِيًا وَهُوَ كَانَ أَكْثَرَ جُلُوسِهِ ، أَوِ الْقُرْفُصَاءَ ، أَوْ مُقْعِيًا ، وَشِبْهَهَا مِنْ جِلْسَاتِ الْوَقَارِ وَالتَّوَاضُعِ .
قُلْتُ : وَيحْتَمَلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ؛ وَأَنَّكُمْ إِذَا أَرَدْتُمُ الِاسْتِلْقَاءَ: فَلْيَكُنْ هَكَذَا ، وَأَنَّ النَّهْيَ الَّذِي نَهَيْتُكُمْ عَنِ الِاسْتِلْقَاءِ: لَيْسَ هُوَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ؛ بَلِ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ يَنْكَشِفُ شَيْءٌ مِنْ عَوْرَتِهِ، أَوْ يُقَارِبُ انْكِشَافُهَا “انتهى.

وأما من لم ير إمكانية الجمع بينهما ، فقد لجأ إلى ترجيح أحد الحديثين بمرجح خارجي ، وهنا رجح بعض أهل العلم جواز الفعل ، لأنه ثبت أن أبا بكر وعمر كانا يفعلان ذلك ، وحكم على ما ثبت من نهيه صلى الله عليه وسلم بأنه منسوخ ، حتى مع عدم الوقوف على تاريخ كل منهما؟!
وممن قال بذلك الطحاوي ، وابن بطال ، وابن عبد البر ، رحمهم الله تعالى.
قال الطحاوي في “شرح معاني الآثار” (4/279) :”

احتمل أن يكون أحد الأمرين قد نسخ الآخر، فلما وجدنا أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، وهم الخلفاء الراشدون المهديون ، على قربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلمهم بأمره ؛ قد فعلوا ذلك بعده بحضرة أصحابه جميعا ، وفيهم الذي حدث بالحديث الأول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكراهة ، فلم ينكر ذلك أحد منهم، ثم فعله عبد الله بن مسعود وابن عمر وأسامة بن زيد وأنس بن مالك رضي الله عنهم ، فلم ينكر عليهم منكر :

ثبت بذلك أن هذا هو ما عليه أهل العلم في هذين الخبرين المرفوعين ، وبطل بذلك ما خالفه لما ذكرنا وبينا ” انتهى .
وقال ابن عبد البر في “التمهيد” (9/205) :” أَرْدَفَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُوَطَّئِهِ، بِمَا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ .

فَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ نَهْيَهُ عَنْ ذَلِكَ : مَنْسُوخٌ بِفِعْلِهِ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى نَسْخِهِ بِعَمَلِ الْخَلِيفَتَيْنِ بَعْدَهُ ، وَهُمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِمَا النَّسْخُ فِي ذَلِكَ ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَنْسُوخِ مِنْ سَائِرِ سُنَنِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَمِنْ أَوْضَحِ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ مِنْ ذَلِكَ : عَمَلُ الْخُلَفَاءِ وَالْعُلَمَاءِ بِمَا عَمِلُوا بِهِ فِيهِ، وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ يَتَبَيَّنُ النَّاسِخُ مِنْهُ مِنَ الْمَنْسُوخِ ؛ لَكَانَ النَّظَرُ يَشْهَدُ لِحَدِيثِ مَالِكٍ ، لِأَنَّ الْأُمُورَ أَصْلُهَا الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَثْبُتَ الْحَظْرُ ، وَلَا يَثْبُتُ حُكْمٌ عَلَى مُسْلِمٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ ” انتهى.
والراجح في ذلك :

هو ما قال به الجمهور ، وهو الجمع بين القول والفعل ، بأن يُحمل النهي على حال تكشف فيه العورة ، ويكون فعله صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز .
أما القول بالنسخ : فلا يصح المصير إليه بأمر محتمل ، وحيث جهلنا التاريخ فلم نعرف المتقدم من المتأخر ، وهذا ما رجحه الحافظ ابن حجر رحمه الله .
قال ابن حجر في “فتح الباري” (1/563) :” قَوْلُهُ: ( وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ): قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ أَنَّ النَّهْيَ الْوَارِدَ عَنْ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ .
أَوْ :

يُحْمَلُ النَّهْيُ حَيْثُ يُخْشَى أَنْ تَبْدُوَ الْعَوْرَةُ وَالْجَوَازُ حَيْثُ يُؤْمَنُ ذَلِكَ .

قُلْتُ : الثَّانِي أَوْلَى مِنِ ادِّعَاءِ النَّسْخِ ، لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهِ الْبَيْهَقِيّ وَالْبَغوِيّ وَغَيرهمَا من الْمُحدثين .
وَجزم ابن بَطَّالٍ وَمَنْ تَبِعَهُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ .
وَقَالَ الْمَازِرِيِّ إِنَّمَا بَوَّبَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ ، لَا فِي الْكُتُبِ الصِّحَاحِ ، النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى.
لَكِنَّهُ عَامٌّ ، لِأَنَّهُ قَوْلٌ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعُ ، وَاسْتِلْقَاؤُهُ فِي الْمَسْجِدِ : فِعْلٌ ؛ قَدْ يُدَّعى قَصْرُهُ عَلَيْهِ ، فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَوَازُ .
لَكِنْ لَمَّا صَحَّ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ :

دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ خَاصًّا بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم،َ بَلْ هُوَ جَائِزٌ مُطْلَقًا .
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا : صَارَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَعَارُضٌ ؛ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا .

فَذَكَرَ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ .
وَفِي قَوْلِهِ عَنْ حَدِيثِ النَّهْيِ : لَيْسَ فِي الْكُتُبِ الصِّحَاحِ : إِغْفَالٌ ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، فِي اللِّبَاسِ ، مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ .
وَفِي قَوْلِهِ : فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَوَازُ : نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْخَصَائِصَ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ .
وَالظَّاهِرُ : أَنَّ فِعْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ . وَكَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الِاسْتِرَاحَةِ ، لَا عِنْدَ مُجْتَمَعِ النَّاسِ ؛ لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ مِنَ الْجُلُوسِ بَيْنَهُمْ بِالْوَقَارِ التَّامِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “. انتهى
وبهذا يظهر وجه الجمع بين نهيه صلى الله عليه وسلم وفعله .
والله أعلم

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى