روايات

تذكرة الندم الابدى بقلم اسما السيد

حاول في البداية التملص والمساومة، لكنه سرعان ما أدرك أن فضـ,ـيحته أمام الجميع ستكون أشد وقعًا من أي اتفاق. فوافق على كل شرط دون تردد. وقعنا على ورقة الطلاق، وانتهى زواجنا رسميًا.
لكن رغم انتهاء الزواج، شعرت أن القصة لم تنتهِ بعد. شعور الانتصار بالكرامة لم يمنع قلبي من أن يخفق بالدهشة والخوف من المستقبل، مدركة أن لحظات المواجهة التي تنتظرني قد تكون أشد صعوبة.
بعد شهرين، صادفته في السوق، واقفًا بجانب سيارة فارهة، يبتسم كما لو لم يحدث شيء على الإطلاق.
– “سلمى، اشتقت لك.”

تجمدت مكاني، امتزجت الصدمة بالغ*ضب والدهشة. كيف يمكن لشخص خان وأنكر كل شيء أن يظهر أمامي بهذه الوقاحة؟ حاولت تجاهله، لكن كلم*ات ابتسامته كانت كالصاعقة.
بدأ يحاول التواصل معي، يرسل رسائل، يدعوني للقاء، يطلب فرصة ثانية… ولكني كنت واضحة وحاسمة:
– “لقد ضحيت كثيرًا لضمان نفسي وابنتنا… ليس كل شيء يمكن إصلاحه بكلمة اعتذار.”
وفي يوم من الأيام، دعاني للجلوس على مقهى هادئ بجانب البحر، محاولًا إقناعي بالعودة إلى زواج م*اتت ثقته:

– “أعلم أني أخطأت خطأً لا يُغتفر… لكنني مستعد لفعل أي شيء لأثبت لكِ أنني تغيرت.”
– “الحب وحده لا يُصلح كل شيء… لقد كسـ,ـرت ثقتي إلى الأبد، وضمنت نفسي وابنتنا أولًا قبل مشاعري… لا أستطيع العودة.”
كانت كلم*اتي كالسهام تخترق كبرياءه الذكوري. لم يعتد أحد على رفضه، لم يعتد على شعور الخسارة. لأول مرة في حياته، شعر بالحقيقة كاملة: الخيانة، الندم، الفقدان، وألم الحياة التي أضاعها بنفسه وبيدي صديقتي.

مرت الشهور، وكان واضحًا أنه يتألم بصمت. كل مكان يذهب إليه يذكّره بي، كل ضحكة يسمعها تتردد في أذنه كصدى لما فقده. صديقوه وأقاربه بدأوا يلمسون تغيّره، تراجعه، وحزنه العميق… فقد أصبح الطليق الذي خان، خائفًا من الفضيـ,ـحة، من الخسارة، ومن العيش بلا كرامة أو سند.
وفي إحدى الأمسيات، التقيت به من بعيد، رأيته وحيدًا، يجلس في المقهى الذي اعتدنا الذهاب إليه معًا. لم يكن هناك أي ابتسامة تعلو وجهه، فقط الحزن العميق يخيم على عينيه. شعرت بمرارة الماضي، لكنها لم تكن شفقة لأجله، بل فخر لنفسي، لأنها صمدت، لأنها نجت، لأنها لم تسمح للخيانة أن تحدد مصير حياتها.

وذات يوم، اجتمعت مع ابنتنا الصغيرة في الحديقة، وقلت لها بصوت هادئ وحكيم:
– “تعرفين يا حبيبتي، الحياة أحيانًا تضعنا في مواقف صعبة… لكن مهما حدث، نثبت لأنفسنا أننا أقوى من أي خيانة أو خذلان.”
هي ابتسمت، وأحسست بأنني نقلت لها درسًا لا يقدر بثمن: لا أحد يستطيع أن يس*رق كرامتك إلا إذا سمحتِ له بذلك.
أما طـ,ـليقي، فقد عاش عمره يتألم… كل لحظة في حياته كانت تذكره بما خسره، بالمرأة التي خـ,ـانها، بالثقة التي دمرها، وبالاحترام الذي فقده. كانت حياته مليئة بالندم والآلام، وكأن كل يوم يمرّ عليه هو جزاء عادل لما فعله.

لم يعد هناك سبيل للعودة، ولا مجال للمصالحة، ولا أمل في استعادة ما فقده.
مرت السنوات، ولم تكن قصتي مجرد طلاق، بل كانت قصة نجاة من رصاصة طائشة.
في تلك الأمسية الهادئة، وبينما كنتُ أجلس بجانب ابنتي في الحديقة، نظرتُ إليها وهي تضحك ببراءة. استجمعت قوتي وقلت لها بهدوء وثبات، دون أن أشعر بأي مرارة:
“تعرفين يا حبيبتي، الحياة أحيانًا تضعنا في مواقف صعبة لنتعلم من نحن حقاً. لكن مهما حدث، لا تجعلي الخـ,ـيانة أو الخسارة تحدد قيمتك. نحن أقوى من أي خذلان.”
هي ابتسمت، وأحسست بأنني نقلت لها الفداء الأعظم: أن الكرامة أغلى من الوهم.

أما طلـ,ـيقي، فلقد أصبح مجرد ظل لما كان عليه. لم يكن جزاؤه في القانون، بل كان في مرآة الندم التي عاش ينظر إليها كل صباح. عاش عمره يتـ,ـألم، فاقداً الثقة والاحترام، وكأن كل يوم يمر عليه هو فصل جديد من الجزاء. لم يستطع أبداً استعادة ما فقده. فقد دفع ثمن إفلاسه العاطفي غالياً، وأدرك متأخراً أن الفخ الذي نصبه لزوجته كان مصيدة لحياته هو. وبينما أنا أمضي قُدماً لأبني مستقبلاً حقيقياً، بقي هو رهينة لماضٍ لم يستطع تدمـ,ـيره إلا بنفسه.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى