إرتفعت نواقيس الخطر داخل رهف تحذرها من الإنغماس في تيار جديد من غـ,ـضبه هي ليست في حالة استعداد له بتاتًا، فتلجلجت وهي تخبره متراجعة:
-ماما وحشتني!
فالتوت شفتاه في استنكار ساخر:
-أنتي ناسيه إن عندك بيت ولا إيه ؟!
صمتت رهف تدرك ضعف حجتها، فازداد ضغط مروان بغية معرفة السبب الحقيقية:
-خليكي صريحة معايا.
تنفست بصوت مسموع، وكأنها تحاول وزن خطوتها التالية في ساحة مشتعلة، ثم قالت مستجمعة كل إنش متناثر من الشجاعة والجمود داخلها:
-أنا حاسه إن أحنا مش هنقدر نكمل مع بعض.
عقد مروان ما بين حاجبيه في صمت بملامح جامدة صلبة لا تستطع اختراقها لقراءة رد فعله، ثم هز رأسه بمعنى “ثم؟” فأكملت هي بصوت مبحوح:
– أنا مش هقدر أستحمل وأعيش بالطريقة دي، وحاسه إن حياتنا مش هتستقر ابدًا.
عاد الجنون يتولى قيادة مقاليد لسانه الذي إنطلق يردف في قسوة مستهجنًا:
-ولا أنتي لما شوفتيه بقيتي مش هتقدري تكملي؟!
فاندفعت رهف تخبره في إنفعال مغتاظ:
-اهي الجملة دي بالظبط والطريقة دي هي اللي مخلياني متأكده إننا مش هنقدر نكمل.
لم يتراجع التهكم الهجومي الصريح من احتلال نبرته وهو يسألها:
-مش فاهم قصدك، يعني أنتي عايزاني ابقى عامل ازاي؟
-عايزاك زي ما أنت وعدتني.
تمتمت بها في نبرة مرتعشة يستوطنها الضعف، فناطحها هو دون تردد قائلًا:
-أنا عمري ما وعدتك بحاجة ومعملتهاش.
لتهز رأسه نافية تواجهه بما يدور بخلدها وقلبها مــ,,ـــــوترًا إياهما:
-وعدتني إن هنبتدي حياة جديدة وإنك مش هيفرق معاك اللي حصل قبل كده.
ثم صمتت لحظة وتابعت بحروف فاح منها شيء من الرجاء:
-متوصلنيش لمرحلة أحس إن أنا خدعتك.
اغمض مروان عيناه مبتلعًا ريقه، يحاول الوصول لفرشاة الحروف التي تستطع رسم الحـ,ـريق الذي تأجج داخله، واخيرًا خرج صوته مهزوزًا رغم حدته:
-أنتي ماخدعتنيش وأنا موافق بس أنتي مش عارفة الاحساس اللي أنا بحس بيه أنا حاسس كأن حد مولع فيا نــ,,ـــــار.
تمتمت رهف يائسة تحاول زج تلك الحقيقة في بقاع استيعابه:
-بس هو مش هيقطع من حياتنا.
زمجر فيها هو منفعلًا بقلب رجل شرقي اكتوى بالغيرة والقهر:
-وأنا من حقي إني محدش يجيب سيرة مراتي، أنا راجل حر ومش قادر أستحمل كده وابقى هادي زي ما أنتي عايزه.
-عشان كده أحنا مش هنقدر نكمل وعشان كده بقولك عايزه ارجع لأهلي.
خرج صوتها مهزوزًا يغرق في بحر من اليأس والظلــ,,ـمة بعدما ظنت أنها ستطفو بحياتها الجديدة معه..
فأمسك مروان كتفاها يهزها بقوة وهو يصيح والتملك يحد بطرفا حروفه:
-قولتلك مليون مرة أحنا قدرنا خلاص واحد وهتفضلي معايا مهما حصل.
هزت رهف رأسها نافية تصيح فيه:
-أنت اللي مش قادر تستحمل.
-حتى لو مش قادر أستحمل لازم هستحمل غصب عني عشان بحبك.
عمَ الصمت في الارجاء، يشبه صمت القاتل بعد إنفجار قنبلة مدوية، قنبلة بعثرت دقات قلب رهف الذي أخذ ينتفض بينما هي ترمش بعينيها دون أن تجد القدرة على استيعاب ما فجرته حروفه…
وهو لم يدري كيف نطقها دون تفكير أو تخطيط، وكأن تلك الكلمــ,,ـات هربت خفيةً من عقله دون أن يتنبه لها، ولسانه تحالف ضده مع قلبه الذي يأن بذلك العــ,,ـــــشق منذ آمدٍ بعيد..!
وقبل أن تستوعب ما وقع على اذنيها كان يتشدق هو بعاطفة عنيفة تستطع رؤيتها تحوم عينيه الآن بينما يضغط على كتفيها حتى تأوهت بخفوت:
-وأنتي هتستحملي غصب عنك عشان أنا بحبك ومعملتش دا كله عشان أخسرك.
فهمست هي كالطفلة الشريدة تتلاطم فيها الصدمــ,,ـات:
-أنا مش فاهمة.
-هز مروان رأسه ليتابع وعيناه تلمع كعاشـ,ـق مغوار لن يقبل بالهزيمة بعدما وصل للنصر نازف الروح:
-مش لازم تفهمي، الحاجة الوحيدة اللي لازم تفهميها إني مش هسيبك تبعدي عني ومش ههد حلم وصلتله بعد عذاب، ومش هتهدي سعادتي دلوقتي.
-بس أنت مش سعيد.
نطق عقلها، وليس قلبها الذي مازال يرفرف كعصفور جريح كان على حافة المـ,ـوت وبُثت فيه الروح.. فقال هو مستنكرًا:
-مين قالك؟! أنا سعيد.
لتهز رهف رأسها نافية وبشيء من المنطق تستطرد وازيال اعتراف تتعلق بحروفها:
-أنت طالما بتحبني الموضوع هيبقى أصعب ومش هتقدر، وكل اللي هيحصل إني هتعلق بيك زيادة مش اكتر.
سألها مروان بنبرة أجشة صلبة لا ترغب سوى بإجابة واضحة دون أن تلاعب بها:
-أنا مش هسألك السؤال دا تاني، أنتي عايزه تسبيني عشانه ولا عشان كلامك دا ؟!
له ما أراد، فالأول مرة يرى بُنيتيها الشهتين تنضحان بالكره والنفور الذي استطاع تهدئة قسطًا لا بأس به من هياج أعصــ,,ـابه وروحه:
-أنا بكرهه ولو هو أخر راجل في الدنيا مستحيل أرجعله، أنا عندي أمـ,ـوت ولا أكون معاه ثانية واحدة تاني.
تنهيدة عميقة صـ,,ـدرت عن مروان قبل أن يجيب في هدوء طال غيابه:
-وأنا هصدقك وأنتي لازم تستحمليني وتيجي على نفسك زي منا باجي على نفسي، هي محنة وهنساعد بعض نعديها، ولازم تفهمي إن الإنسحاب مرفوض، حياتنا ابتدت مع بعض وهتنتهي مع بعض.
اومأت رهف موافقة في استسلام، هي لا ترغب سوى بهدوء نفسي لا يستهلك المتبقي من طاقة روحها والذي يوشك على النفاذ، فلمَ تستكثر الدنيا عليها هذه الرغبة البسيطة ؟!… اقترب مروان منها في هدوء، ليجذبها برفق دافنًا رأسها في صـ,,ـدره، وكأنه يخبرها دون كلام أن مكانها هنا، بين ضلوعه وعلى دقات قلبه النابضة بأسمها.
فأغمصت هي عينيها تستمتع بمذاق تلك اللحظات التي سرعان ما تنقلب، ليُقبل مروان قمة رأسها بعمق وشفتاه تطبع اعتذارًا غير منطوق؛ اعتذارًا لإنفجار لم يكن له قدرة على كتمانه ولم يكن لها قدرة على التصدي له.
**** بعد أيام معدودة.. عاد كلاً من “مروان” ورهف من شهر عسلها في ” مرسى مطروح ” لعش الزوجية في القاهرة، قاطعين شهر العسل الذي ادركا أنه لن يكتمل، بل أنه أصبح بابًا من أبواب الجحيم في ظل وجود هذا الكائن المدعو بـ ” أحمد” ..
كان مروان في عمله في المعرض الخاص به، وكانت رهف في المرحاض ثم خرجت لتجفف يديها حين سمعت رنين هاتفها يعلو، فتوجهت نحوه في هدوء، لتجد رقم غريب، نظرت له لبرهه ثم أجابت برقة فطرية:
-السلام عليكم، مين معايا ؟
أتاها صوت رجولي خشن لم تتعرف عليه اذناها سريعًا:
-معقولة مش عرفاني؟
ولكن لم تكد تمر سوى لحظة حتى أدركت صاحب هذا الصوت، والذي لم يكن سوى “أحمد”، فتغضنت ملامحها في انزعاج ونفور وهمت أن تغلق الخط، فسمعته يقول مسرعًا في مكر:
-استني قبل ما تقفلي الخط مش يمكن أقول حاجة تهمك ؟
-عايز إيه؟
سألته في حدة، فلم يتأخر رده كثيرًا بل إنطلق هاتفًا:
-أنتي اللي هتعوزي لما تعرفي إني مانسيتش اللي حصل في مطروح وإني هعمل محضر وهحبس المحروس اللي إتجوزتيه، إلا إذا…
-إلا إذا إيه ؟
سألته فأكمل بابتسامة خبيثة لم تراها:
-إلا إذا أتفقنا.
-نتفق ازاي؟
-نتقابل وهتعرفي.
عَلت نبضات قلب رهف في خوف، لا تدري ماذا عساها تفعل، أتذهب له وتخـ,ـاطر بمعرفة مروان، او لا تفعل وتخاطر بفضيحة جديدة تدق بابها ؟!……