روايات

عبث الثاني

-قال وأنا كنت مفكرك ورور طلعتي مش سهلة يا شقية.
رددها مروان قبل أن تنبأ قسمــ,,ـاته بضحكة إقتحمت سماء وجهه المُلبدة بالغيوم لتشرقها من جديد، ضحكت رهف هي الآخرى ومن ثم رددت مستنكرة:
-ورور؟ أنا ورور يا مروان؟
فهز مروان رأسه نافيًا حتى ظنت أنه سينفي ما قاله منذ ثوانٍ، ولكنه أكمل ضاربًا كل توقعاتها عرض الحائط وابتسامته المشاكسة لم تغادر مقر شـ,ـفتيه:
-لأ، أنتي ست الوراوير كلهم.
لتلوي شفتاها في ضيق مصطنع ثم طرقت بأصــ,,ـابعها على رأسها برفق مستطردة في زهو متعمد:

-قال ورور قال، دا بدل ما تشكر دماغي الألماظات دي وتشكرني إني أنقذتك من سجــ,,ـــــن كنت ممكن تتبهدل فيه.
ضاقت عينا مروان وهو ينظر لها في صمت لم يدم طويلًا، إذ إنبثقت تلك اللمعة العابثة التي تعلمها جيدًا من بين ثنايا سوداوتاه، وبدأ يقترب ببطء منها وكاد يُحيطها بجسـ,ـده هامسًا بنبرة صبيانية:
-طبعًا هشكرك، دا أنا هشكرك بطريقة ماشكرهاش شاكر في تاريخ المشكورين.
ولكن رهف تراجعت مسرعة ونهضت هـ,ـاربة من أمامه وهي تصيح في حرج من وسط ضحكتها:
-لأ، تشكرني بأدب، بأدب يا مروان، الشكر العادي بتاع كل الناس مش القليل أدب بتاعك.

فهز مروان رأسه نافيًا في أسف زائف:
-لا حول ولا قوة الا بالله، على فكره كنت هشكرك بأدب، البت دماغها بقت تحدف على طول ناحية حاجات استغفر الله، أنتي ازاي تفكري فيا بالطريقة القذرة دي؟ ما تصفي النية شوية أنتي معندكيش أخوات صبيان ولا إيه!

تعالت ضحكات رهف عالية حتى جلست أرضًا غير قادرة على السيطرة على أقدامها لتظل ثابتة، استغل مروان الفرصة لينهض مسرعًا وفي لحظات كان يُحيط بها ويدفع جسده تجاهها حتى اضطرها للرجوع للخلف فأصبحت هي متسطحة أرضًا وهو يُطل عليها دون أن يمسها، ثم إنحنى بوجهه نحو اذنها يهمس بنبرة رجولية مغمورة بعبث لا ينتهي:
-هو أنا قولت إني هشكرك بأدب أوي يعني؟! **** في المنطقة الشعبية التي يقطن بها والدا رهف… تحديدًا في المقهى التي تتوسط الشارع العمومي والتي يقضي بها “عماد” والد رهف أوقات ليست بقليلة بعد أن ينتهي من عمله ليقضي على الفراغ الذي يستوطن حياته..

كان عماد يشرب كوب الشاي وهو يطالع الشارع والمارين أمامه بلا هدف، لمح بطرف عيناه أصدقاء اللعين المدعو أحمد يجلسون على الطاولة المجاورة له، ولكنه لم يعطهم أي اهتمام منذ جلوسهم…
ولكن حديثهم التالي ســ,,ـــــرق منه رغمًا عنه خيطًا غليظًا من الاهتمام، حيث احدهم كان يسأل بقية الجالسين:
-محدش شاف الواد أحمد من قريب ولا إيه يا رجالة؟
فأجابه آخر نافيًا في لامبالاة:
-لأ خالص، هو بقاله فترة مختفي في شغله اللي سافرله دا.
صـ,,ـدرت ضحكة ساخرة عن صديق ثالث قبل أن يتشدق غير مراعيًا حتى كونهم بمنتصف الشارع يستمع مَن يستمع لهم:

-مختفي في شغله برضو ولا بيهرب من البت اللي أسمها غادة دي.
هز واحد منهم رأسه بضحكة متهـ,ـكمة مشابهه، فيما عقد الآخر بين حاجبيه وراح يتسائل:
-غادة مين؟؟
رد الأول بصوت أجش وهو يتلقط كوب الشاي الذي يشربه:
-غادة البت اللي مروان إتجوزها.
إتسعت عينا “محمود” مرددًا دون تصديق وقد اعتدل في جلسته منتبهًا للحديث الشيق الذي لم يكن سوى خوض في عِرض احد اصدقائهم:
-بتهرج؟ أحمد ماشي مع مرات مروان؟
اومأ مؤكدًا وكأنه شيء أكثر من عادي:
-أيوه ياض أنت مكنتش تعرف ولا إيه؟
فنفى برأسه مسرعًا يتابع تساؤلاته الفضولية:

-لأ محدش قالي قبل كدا، طب وازاي مروان ماقفشهمش؟
أردف الآخر وقد إلتوت شفتاه والمكر ينضح من بؤبؤي عينيه:
-أنت عارف أحمد مش سهل ابدًا، وبعدين هو مروان فاضي أصلًا من العروسة الجديدة.
-دا أحمد دا ربنا يعينه على المهلبية اللي في دماغه وربنا.
تمتم بها “محمود” وهو يضـ,ـرب كفًا على كف ومن ثم أخذ يردد وهو يهز رأسه لا يصدق تلك الدائرة الغير منتهية التي رسمها القدر لجميعهم، ولا يدري حتى ما النقطة والمغزى التي تدور حولها، ولكنه متأكد أنها لن تنتهي نهاية عادية على الإطلاق…!

تابع الآخر بعدها بنبرة شيطانية وهو يربت على كتف محمود يحسد أحمد على حياته التي ما هي إلا مكمن للشياطين والذنوب :
-دا واحد بيحب يلقط رزق من هنا وهنا ومش سايب للملل فرصة في حياته. فيما نهض عماد من مقعده يسير بخطى متجمدة ثقيلة وقد كانت صدمته لا توازيها صدمة، يخشى أن تتوه رهف وتتلطخ في المتاهات السوداء التي تحتل حياة مروان…
بل يخشى أكثر أن يكون مروان بحد ذاته هو المتاهة بالنسبة لرهف، أن يكون وجوده في حياتها فخ كبير سيبتلعها وعقاب من القدر يتربض لها، وليس عوض بعد شقاء كما ظنوا..!

**** وصل عماد منزله بعد قليل بملامح شاخت فجأة بشكل مبالغ به من كثرة الهموم وليس كبر السن، وأكتاف تثاقلت كثيرًا بعد أن ظن أنه رمى كافة الهموم عنها.
تلقته زوجته التي خرجت من المطبخ على صوت الباب الذي فُتح، لتقول متسائلة بتعجب:
-إيه دا أنت رجعت يا حاج! غريبة يعني ماطولتش زي كل يوم.
جلس عماد على أقرب أريكة قابلته، ثم ضــ,,ـــــرب على جواره برفق يشير لزوجته مردفًا في نبرة خافتة مرهقة نوعًا ما من كثرة التفكير:
-تعالي اقعدي يا ام رهف عايز أتكلم معاكي في حاجة.

جلست ثناء جواره بالفعل، عاقدة ما بين حاجبيها تتفحص ملامحه التي لا تبشر بالخير ابدًا، وسألته وقد بدأ القلق يُطلق صافرته داخلها:
-في إيه يا حاج خير اللهم اجعله خير.
هز عماد رأسه يدعو بقلب أب مفطور من القلق الذي غزاه من جديد:
-يارب يكون خير، خير وبس.
لم تنطق ثناء في انتظار ما سيقول بعينين متلهفتين، وبالفعل هتف عماد بجدية وحذر:
-أنا هقولك عشان مش عارف أفكر لوحدي، لكن إياكي تتصرفي أي تصرف مش ولابد من ورايا.
اومأت ثناء مؤكدة بسرعة:
-لأ طبعًا يا حاج متقلقش.

بدأ عماد يقص عليها كل ما سمعه من اصدقاء السوء، الذين جاورهم في جلستهم بمحض الصدفة، او ربما لم تكن صدفة، ربما كان ضوء خافت سُلط على حقيقة متخفية مُظلــ,,ـمة لهدف إلهي مازال لا يعلمه..
وما إن انتهى حتى بدأت تضــ,,ـــــرب ثناء على فخذيها بعدم تصديق لما تسمعه:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يرحمنا برحمته، من أمتى كان هتك عرض الاخ حاجة عادية كدا ؟!
لم ينطق عماد بل كانت عيناه تحكي عن مخاوف ضارية لم ينطق بها لسانه، ولكن ثناء أحستها تنبض بعينيه ولم تستطع تفسيرها فسألته:

-طب أنت بتفكر في إيه بالظبط يا حاج؟ هز عماد رأسه وتابع بخشونة مغيرًا مسرى سؤالها، فهو لن يخبرها بمخاوفه التي لم يتأكد منها بعد فينتفض قلب الام المرتعد داخلها انتفاضة لن تسكن بعدها حياة رهف ومروان بسهولة إلا بعدما تتأكد من عدم صحة تلك المخاوف:
-لسه مش عارف، المهم دلوقتي تتصلي برهف وتعرفيها اللي عرفناه، وهي تعرف مروان.
فإن كان مروان يعلم سابقًا ستعلم رهف وبالطبع ستخبرهم وسينكشف كل شيء، وإن لم يكن يعلم ها هو أرسل المرسال الذي سيكشف له كل خفي يطعــ,,ـــــن في عرضه دون أن يدري..!

سألته ثناء في تردد تجلى بعينيها:
-أنت متأكد من دا يا حاج؟
اومأ عماد مؤكدًا برأسه، ثم تشدق بجدية وإصرار:
-أيوه طبعًا متأكد، دي حاجة تخص حياتهم هما الاتنين ولازم يعرفوها، خصوصًا مروان، دي مش حاجة ينفع تستخبى ابدًا.
اومأت ثناء مؤكدة برأسه تيقن صحة كلامه، فوكزها بذراعه برفق مغمغمًا:

انت في الصفحة 4 من 10 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى