روايات

حكايه فيروز وزين بقلم ملك ابراهيم

لفّت وشها له، عنيها متعلّقة بعنيه، مستنية. اللحظة اللي حلمت بيها. زين كان متلخبط. الكلام واقف في زوره. حاسس إن أي كلمة هتطلع ممكن تغيّر كل حاجة… يا إمّا للأبد، يا إمّا ضده. فتح بقه، قفله. شد إيدها أكتر شوية… وبعدين سابها فجأة وقال بصوت مهزوز: — خلاص… انزلي. وسكت لحظة وكمل: — ولما نرجع البيت نتكلم. فيروز ابتسمت من جواها، قلبها كان بيضحك. قالت ببراءة وهي بتهز راسها: — حاضر يا أبيه… زي ما تحب.

نزلت من العربية وقفلت الباب بهدوء. زين فضل متابعها بعينيه، حاسس إن الفرصة بتفلت منه واحدة واحدة. وفي اللحظة دي… شاب قرب منها أول ما شافها، ابتسامة واضحة على وشه، وقال بحماس: — هااي يا فيروز! فيروز وقفت وبصّت له، ابتسمت ابتسامة عادية: — هااي. زين شاف المشهد من جوه العربية. إيده اتشدّت على الدركسيون، صدره ولع. وعرف… إن التأجيل ده ممكن يكلّفه كتير أوي. — زين نزل من العربية بسرعة، الباب اتقفل وراه بخبطة قوية.

قرب منهم بخطوات سريعة، صوته عالي ومشدود: — مين ده؟! فيروز اتفزعت، قلبها وقع في رجلها، وبصّتله بخوف: — دا… دا زميلي يا أبيه. الشاب اتلخبط، بصّ لزين بنظرة احترام وخوف في نفس الوقت وقال بسرعة:
— أنا آسف يا عمو… دي فيروز زي أختي. الكلمة ضــ . ـربت زين في صدره. وقف ثانية مش مستوعب، وبعدين بصّ للشاب بصدمة: — عمو؟! عقله كان بيعيد الكلمة. عمو؟! معقول بقى شكله كبير للدرجة دي؟ شاب من سنها يشوفه كده؟

المسافة اللي حاول يقنع نفسه إنها مش موجودة… ظهرت فجأة قدامه. لفّ وبصّ لفيروز، عنيه تايهة، وجع مكتوم باين فيها: — ادخلي الجامعة… وسكت لحظة وبعدين كمل بحدّة: — وملكيش دعوة بحد تاني. فيروز حاولت تتكلم: — زين… بس هو كان خلاص لفّ ضهره. سابها واقفة، تايهة ومجروحة، ومشي بسرعة ناحية عربيته. ركب، دور المــ . ــوتور، ومشي من غير ما يبص وراه. العربية كانت بتجري، وهو جواه أفكار بتخبط في دماغه. غيرة… خوف… إحساس إنه ممكن يخسرها.

وجع راجل حب بصدق، بس خاف يعترف في الوقت الغلط. شدّ الدركسيون، وصوته طلع واطي في العربية الفاضية: — أنا ضيّعت الفرصة بإيدي. وفي الجامعة، فيروز كانت واقفة مكانها، باصة ورا العربية وهي بتبعد، وقلبها بيسأل سؤال واحد: هو ليه لما قرب… بعدها أكتر؟ — زين وصل الشركة وهو مش في وعيه. دخل مكتبه، رمى المفاتيح على المكتب بعصبية، وفضل واقف شوية كأنه مش قادر يقعد. إيهاب دخل وراه، صديقه المقرّب، اللي حافظه أكتر ما حافظ نفسه:

— مالك يا عم؟ شكلك جاي من حرب. زين لفّ له، وصوته مليان ضغط: — أنا فعلًا في حرب… حرب مع نفسي. وقعد، وحكى له كل حاجة. عن فيروز، عن كتب الكتاب اللي مستخبي، عن العريس، عن الموقف قدام الجامعة… ولما وصل لكلمة: — قالّي يا عمو… إيهاب ما قدرش يمسك نفسه، ضحك بصوت عالي: — ياااه 😂 عمو؟! والله صعبة دي! زين ضــ . ـرب المكتب بإيده: — إنت بتضحك على إيه؟! إيهاب وقف ضحكته بسرعة:

— خلاص خلاص… حقك عليّ. قعد قصاده، وصوته بقى جدي: — بص يا زين… إنت مش محتاج تخاف من سنك لان عشر سنين بينك وبينها مش كتير يعني ، ولا من أي حاجة. إنت محتاج بس تبقى صادق في الموقف ده وتعترف لها زين زفر بضيق: — يعني أعمل إيه؟ أروح أقولها فجأة أنا جوزك؟ إيهاب هز راسه: — لأ. وبعدين ابتسم ابتسامة واثقة: — اعزمها على العشا. زين بصّ له باستغراب: — عشا؟ — آه، في مكان هادي، رومانسي.

تكلموا بهدوء، حسسها بالأمان… وبعدين اعترف لها. سكت شوية وكمل: — إنت لو سبتها تدخل جوا الجامعة كل يوم وتخرج من حياتك براحتها، هتلاقي نفسك فعلًا بقيت عمو. الكلمة وجعت، بس صحّت زين.
سند ضهره على الكرسي، عينه سرحت: — لو رفضتني؟ إيهاب رد بثقة: — على الأقل هترفضك وإنت راجل صريح، مش حد مستخبي. زين سكت، وبعدين قال بهدوء حاسم: — خلاص… النهارده. إيهاب ابتسم: — كده الكلام. وزين لأول مرة من بدري… حس إن القرار اتاخد،

وإن الليلة دي يا إمّا تنقذه… يا إمّا تك.سره. — زين عزم فيروز على العشا، وأول ما قالها حسّ بفرحتها من نبرة صوتها. قلبها دق قبل ما ترد، وقالت بسرعة وهي بتحاول تبان هادية: — طبعًا… أحب أجي. لبست وراحت معاه، وهي جواها أمل كبير… يمكن الليلة دي يقول. المكان كان هادي، إضاءة دافية، موسيقى خفيفة. قعدوا قصاد بعض، فيروز مبتسمة، وزين تايه. الكلام واقف عنده، كل مرة يفتح بقه يرجع يقفله. حاول يبدأ من حتة آمنة، ابتسم وقال:

— قوليلي… إيه مواصفات فتى أحلامك؟ فيروز ضحكت بخجل: — كده فجأة؟ — دردشة بس… يعني. فكرت شوية وبعدين بدأت تتكلم، من غير ما تبص له: — يكون طيب… مسؤول… يخاف عليّ… وأحس معاه إني متطمنة. زين كان سامع، بس مش رابط. هز راسه وهو بيبتسم: — حلو. كمّلي. رفعت عينيها وبصّت له بنظرة دافية: — يكون ذكي، وناجح، وشخصيته قوية بس قلبه حنين. كل كلمة كانت فيه… بس هو كان غرقان في خوفه. ضحك بخفة وسأل:

— طب والسن؟ تحبي يكون عمره كام سنة؟ فيروز سكتت ثانية، وبصّت له مباشرة. عنياها كانت مليانة حب وصدق: — يكون أكبر مني… زين اتشد، بس ما قاطعهاش. كمّلت بهدوء: — عشان أحس إن هو الأمان… والسند. الكلمة الأخيرة دخلت قلبه من غير استئذان. الأمان. السند. سكت، وبصّ لها نظرة طويلة، كأن لأول مرة يفهم. وهي من جواها كانت بتقول: إنت… إنت بالذات. والليل لسه طويل… والاعتراف قرب، بس الخوف لسه واقف بينهم خطوة واحدة.

— الكلام اتقطع فجأة. بنت جميلة لابسة فستان أحمر لافت قربت من الترابيزة، من غير تردد، وانحنت وطبعِت بو.سة سريعة على خد زين وهي بتتكلم بدلع واضح: — هاي زين… وحشتني. فيروز اتجمدت مكانها. قبل ما تستوعب اللي حصل، كانت الصدمة باينة على وش زين نفسه. رفع عينه للبنت وقال بذهول: — هاي… يا هايدي. هايدي قعدت جنبه من غير ما تستأذن، قربت قوي، وقالت وهي بتضحك: — مصدقتش عيوني لما شوفتك هنا… وحشتني أوي.

فيروز قلبها اتقبـ . ــض. المنظر قدامها كان تقيل عليها، أقيل من إنها تستحمله. قامت فجأة، الكرسي عمل صوت خفيف، وقالت بعصبية وهي بتحاول تسيطر على صوتها:
— أنا… هروح الحمام يا أبيه. ومشيت بسرعة. زين عينه فضلت معلّقة بيها لحد ما اختفت وسط الناس، قلبه وقع، وإحساس بالذنب ضــ . ـربه مرة واحدة. لفّ على هايدي، صوته نزل لكنه كان مليان غضــ . ــب: — إيه اللي إنتي عملتيه ده؟ إزاي تقربي مني كده وتعملي حركة زي دي في مكان عام؟

هايدي ضحكت، ولا كأنها شايفة غضــ . ــبه، وقربت أكتر: — عشان إنت عارف إني بحبك من زمان يا زين. ميلت راسها شوية وبصّت ناحية الحمام، وبعدين رجعت تبص له باستخفاف: — وبصراحة… انت إيه اللي عاجبك في البنت الصغيرة دي؟ الكلمة جزّت في قلبه. شدّ نفسه، وملامحه اتغيرت تمامًا، وصوته طلع حاسم لأول مرة: — خدي بالك من كلامك. دي حد يخصني… وأكتر مما تتخيلي. وفي نفس اللحظة، فيروز كانت واقفة جوه الحمام، ماسكة طرف الحوض،

عينها مدمعة، وقلبها بيسأل سؤال واحد موجوع: هو ده اللي كان خايف يعترف بيه؟ — فيروز خرجت من الحمّام وهي متماسكة بالعافية. أول ما دخلت الصالة، لقت زين قاعد لوحده… الكرسي اللي كانت قاعدة عليه هايدي فاضي. واضح إنها مشيت. قربت منه، صوتها كان متحكم فيه بس الغضــ . ــب باين: — يلا نروح يا أبيه… أنا تعبانة. زين رفع عينه وبصلها، لاحظ الضيق في وشها، الاحمرار الخفيف في عنيها… بس ما اتكلمش. ولا حاول يفسّر، ولا يوضح، ولا حتى يدافع.

قام بهدوء، دفع الكرسي، ومشي جنبها من غير كلمة. خرجوا، ركبوا العربية، والصمت كان تقيل… تقيل لدرجة إنه كان بيوجع. الطريق عدى ببطء. لا هو اتكلم، ولا هي سألت. كل واحد فيهم غرقان في أفكاره. قدّام البيت، فيروز نزلت بسرعة. — تصبح على خير. طلعت أوضتها من غير ما تبص وراها. زين فضل واقف شوية، متابع ضيقها بعينيه، ساكت… وسكوته كان غلط، بس هو ما كانش شايف غير خوفه. — يوم جديد بدأ. زين صحى بدري، نزل، لقى فيروز قاعدة مع مامته، جاهزة تروح الجامعة.

أول ما شافته، وقفت. ملامحها ثابتة، هادية زيادة عن اللزوم. بصّت له وقالت بكل ثبات: — أنا موافقة على العريس اللي متقدم لي يا أبيه. وسكتت ثانية وبعدين كملت: — ياريت تحدد له ميعاد عشان ييجي هو وأهله يخطبوني. الكلام طلع منها سريع، كأنه محضّر. ومستنتش رد. لفّت ومشيت بسرعة، خايفة تشوف رد فعله… أو يمكن خايفة تضعف. زين وقف مكانه. الكلمة لفّت في ودنه: موافقة. حس بحاجة اتك.سرت جواه. أمه بصّت له بهدوء مستفز:

— هتعمل إيه يا زين؟ انفجر.
— يعني الهانم موافقة على العريس وعايزة تتجوز؟ ضحك ضحكة قصيرة مالهاش طعم: — وماله… تتجوز. أمه عقدت حواجبها: — تقصد إيه؟ بس هو ما ردّش. لفّ، خد مفاتيحه، وخرج وهو متعصب، الباب اتقفل وراه بقوة. وأمه فضلت واقفة، عارفة إن النــ ــار ولعت، وإن الصمت اللي زين اختاره… وصلهم للحظة دي. — الليل كان تقيل، والبيت ساكت على غير العادة. الساعة عدّت، وزين لسه مرجعش… وده مش طبعه.

فيروز كانت في أوضتها، قاعدة على السرير، قلبها مقبوض. قامت ووقفت في البلكونة، بتبص عالشارع كل شوية. وفجأة… عربيته ظهرت قدّام البيت. وقفت مكانها، عنيها متسمّرة عليه وهو بينزل. مش طبيعي. مش زين اللي تعرفه. دخل البيت، وفيروز خرجت من أوضتها ووقفت عند الباب تستناه. قلبها بيدق بسرعة. زين طلع السلم، خطواته تقيلة، جسمه مش متزن… ريحة الشرب سبقته. أول مرة تشوفه كده. وقفت قدامه بخضة، وصوتها طلع رقيق وخايف: — أبيه زين… إنت كويس؟

وقف، بصّ لها بنظرة غريبة، عينين مليانين وجع وتيه. كانت لابسة لبس نوم بسيط وعليه روب خفيف، وشها قلقان بس جميل زي عادته. قرب خطوة، صوته واطي: — لسه صاحيه ليه لحد دلوقتي؟ ردّت بتوتر صادق: — كنت قلقانة عليك. اتمايل، كاد يقع، ففيروز قربت بسرعة وسندته: — خلي بالك. زين بصّ لها، النظرة اتك.سرت، وصوته خرج صريح لأول مرة من غير خوف: — أنا بحبك أوي يا فيروز. قلبها نط. الاعتراف اللي استنته سنين…

جاي في أسوأ وقت، وأصعب صورة. ابتسمت بخجل، زين مال عليها وقبلها برقه من رقبتها وصوتها طلع واطي: — زين… لكن فجأة حسّت إن اللحظة غلط. مش هو. مش في وعيه. مش ده اللي كانت مستنياه منه. حطّت إيديها على صدره ووقّفته بهدوء حاسم: — لأ… استنى. وبصّت في عينه بثبات: — إنت مش كويس دلوقتي.. خليني اوصلك اوضتك. الكلمة صحّته شوية. وقف، خد نفس تقيل، وبصّ حواليه كأنه بدأ يفهم. فيروز سندته عشان توصله اوضته

زين قعد على السرير وشد فيروز معاه فيروز اتكسفت منه وحاولت تبعد زين ضمها ليه وقالها: انتي مراتي يا فيروز.. ومن حقي انا وبس. وبدأ زين يقبلها وفيروز كانت بتحاول تبعد عنه بس مقدرتش تقاوم واستسلمت له واكتمل زواجهم. بعد وقت فيروز كانت مصدومة من اللي حصل وانها استسلمت ل زين بالسهولة دي. زين حط ايديه خدها وقالها بأبتسامة: مبروك يا حبيبتي.. بقيتي مراتي رسمي.
فيروز استغربت لأنها اكتشفت ان زين مكنش سكران وكان واعي لكل اللي حصل بينهم.

وقف زين يلبس هدومه وهو بيقول: كده مينفعش حد يجي يخطبك من جوزك صح. فيروز بصت له بصدمة وسألته: ابيه زين انت مكنتش سكران صح؟ زين بغضــ . ــب قالها: هو في بنوته شاطرة زيك كده تقول لجوزها يا ابيه! وبعدين من امتى وانا بشرب يا فيروز!. فيروز بدهشة: وليه عملت كده ؟ تابعوا الجزء التاني والأخير من رواية فيروز وزين هينزل حصري علي صفحات الكاتبة ملك إبراهيم

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى