روايات

بقلم رحمه ابراهيم

الحلقة الأولى
بقلم رحمة ابراهيم
بعد خمس سنين…
كانت مريم قاعدة في الكافيه، بتقلب في مجلة فساتين زفاف، عينيها بتلمع من الحُلم اللي مستنياه من سنين.
دخل أحمد، ووشه مافيهوش أي ملامح.
مريم بابتسامة طفولية:
ـ “حمدالله عالسلامة، اتأخرت أوي… إيه رأيك في الفستان ده؟”
أحمد ببرود:
ـ “مفيش فستان ولا زفت… أنا مش بحبك، ومش قادر أكمل معاكي.”
مريم ضحكت، فاكرة بيهزر:
ـ “إيه ده؟! بتهزر الهزار التقيل ده ليه؟”
أحمد بنفس البرود، بس بنبرة قاسية:
ـ “أنا بتكلم جد… افهمي بقى.”
وخلع الدبلة وحطها على الترابيزة.

مريم بدأت تعيط، دموعها نازلة زي المطر:
ـ “طب ليه؟ بعد خمس سنين؟! قولتها من الأول! أنا كنت مستنية، متعلقة بيك في كل خطوة!”
أحمد بكل بساطة:
ـ “ما عملتيش حاجة، أنا بس مشاعري اتحركت لوحدة تانية.”
مريم وهي بتبلع الغصة:
ـ “مين؟”
أحمد:
ـ “مي…”
مريم شهقت:
ـ “مي؟!! صحبتي الوحيدة؟ ليه؟”
أحمد:
ـ “أنا حبيتها… وخلاص.”
مريم سكتت، خدت نفس وطلّعته وجع:
ـ “هقول لأهلي إيه؟”
أحمد قام وهو بيقول بنفاد صبر:
ـ “معرفش… بس أرجوكي، متخليهمش يكلّموني… إنتي هتلاقي أحسن مني، متقلقيش…

لو احتجتي أي حاجة قوليلي.”
ومشي…
كل خطوة كان بيبعدها كانت بتخلي وجعها يزيد، لحد ما اختفى، ومريم اتأكدت إنه مش هيرجع.
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎

رجعت مريم البيت، مش عارفة تبكي على حبها ولا على مصيرها، خطوبتها كانت الأمل الوحيد تهرب من قسوة أمها.
أمها حبستها تاني، قالتلها بصوت حاسم:
ـ “خلصتي خطوبة؟ خلاص، مافيش خروج!”
مريم كانت شبه سجـ . ـينة، طول عمرها مش بتروح المدرسة غير يوم الامتحان، كانت بتحلم بالجواز كطوق نجاة… لكن رجعت تاني للسجــ . ــن اللي خرجت منه بحلم كدّاب.
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎
كل يوم بيعدي، حالتها النفسية بتنزل لتحت أكتر… اكتئاب، فقدان شهية، دموع في الليل. حاولت تتكلم مع أهلها، لكن كل ما يقربوا منها، كانت تكرههم أكتر.

فضلت قاعدة، لا بتتكلم، ولا بتاكل، ولا بترد على التليفون.
لحد ما في يوم، وقعت فجأة في الأرض.
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎
في المستشفى…
صحيت تاني يوم، لقت في السرير اللي جنبها ست شابة، ماسكة في ولادها بتبكي، وبتقول:
ـ “يا رب… مين هيشيلهم لو جرالي حاجة؟”
مريم بصت لها، لقتها قدها، بس متجوزة وخلفت وضحّت، وجوزها باعها، حتى الدهب اللي كان عندها أخده ومشي.
طلقها واتجوز بعدها، وسابها بتصارع المرض والوحدة.
مريم حسّت إنها كان ممكن تكون مكانها… حسّت للمرة الأولى إنها كانت محظوظة رغم القهر.
قالت لها الست والدموع في عينيها:

ـ “حبّي حياتك، ربنا شايف القلوب… ويمكن تكوني إنتي اللي هتربي ولادي لو أنا مشيت.”
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎
الأيام بتعدي، زيها زي أيام كتير عدت على مريم قبل كده… بس الفرق دلوقتي إنها مشيّة فاضية.
لا بتفكر تنتقم، ولا بتدور على فرصة تانية، هي مش ناقصة تاني… كأن قلبها اتقفل خلاص.
كل اللي كانت بتحبه، ما.ت جواها بصمت.
بقت بتضحك لما الناس تضحك، وبترد لما الناس تكلمها، بس جواها في حاجه اتك.سرت… كأن جزء من روحها مشي ومارجعش.
كانت قاعدة على السرير، بتبص في السقف، وفجأة سمعت صوت خبط خفيف على باب أوضتها في المستشفى.

رفعت راسها، وقالت بصوت واطي:
ـ “ادخل.”
الباب اتفتح بهدوء، ودخلت ممرضة شايلة ظرف أبيض، ومدته لها وقالت:
ـ “ده وصل إمبارح، عليه اسمك… ومكتوب عليه بخط إيد واضح: ما يتقريش غير بعد الساعة ١٢ بالليل.”
مريم خدت الظرف، وبصت عليه…
خط الإيد كان مألوف… مألوف أوي…
نَفَسها اتقل، وإيدها اتجمدت وهي ماسكة الظرف.
قلبها دق لأول مرة من شهور.
قامت من على السرير بهدوء، قفلت الباب، وقعدت في الركن اللي دايمًا بتستخبى فيه وقت وجعها.

وبصت على الساعة…
١١:٥٨
١١:٥٩
١٢:٠٠
فتحت الظرف…. يتبع….. الحلقة الثانية الساعة كانت ١٢ بالليل بالظبط…
فتحت مريم الظرف بإيد بترتعش.
أول حاجة وقعت من الظرف كانت
مكتوب عليها بخط إيد ناعم:
“عزيزتي مريم،
الرجاء الاتصال على الرقم ده:
٠١٠*******
مهم جداً
مريم قعدت على الكرسي اللي جنب الشباك، ضهرها للسرير، والدموع بتلمع في عنيها، ومسكه التليفون بتاعها اللي بقاله أيام ساكت زيها…
ضغطت على الرقم…
رنت…
رنت…
وبعدين صوت هادي، ناعم، طالع من وجع أو ندم، رد:
ـ “ألو؟”
مريم ما اتكلمتش.
الصوت رجع قال:
ـ “مي… إزيك يا مريم؟”

مريم أخدت نفس طويل، وقالت بصوت خافت:
ـ “أديكي بعتّي الجواب لحد المستشفى… يبقى أكيد أنا بخير، أهو.”
مي سكتت لحظة، وبعدها قالت بنبرة متلخبطة بين الندم والضعف:

ـ “أنا آسفة يا ليلى… إنتي كنتي صاحبة كويسة جدًا، بس أنا… كنت دايمًا عايزة حد يخرج معايا، يشاركني حياتي… وإنتي أهلك كانوا حابسينك… حتى في المدرسة ماكنتيش بتيجي غير وقت الامتحانات… والفسحة؟ كانت أمك بتقعد جنبك كأنك في محكمة مش مدرسة.”
مريم صوتها اتك.سر وهي بتقول:
ـ “استكترتي عليه أحمد؟ الحاجة الوحيدة اللي كنت بحبها في حياتي؟ الله يسامحك يا مي.”
مي بصوت واطي:
ـ “مريم… أنا كبرت أوي فجأة… وأحمد قرب مني في وقت كنت ضايعة فيه… وياريتني ما سبتّوش يقرب… سامحيني… وتعالي الفرح بتاعنا، انتي صاحبة عمري.”

مريم بصت برا الشباك، كانت الدنيا ليل، والسكون بيحاصرها.
قالت بهدوء مرّ:.

ـ “أنا زي ما انتي عارفة… من المستشفى على البيت، وهارجع تاني للحبسة.
انتي فاكرة إن أمي هتتغير عشان تعبت؟
لا يا مي… هو نفس البيت، ونفس القفص…”
سكتت شوية، وبعدين قالت بهمس:
ـ “على العموم… ألف مبروك.”
وقبل ما مي ترد، كانت مريم قفلت الخط.
رجعت تبص في الورقه وبعدين قامت بكل هدوء، قطّعتها حتة صغيرة، ورمتها من الشباك.
ولما رجعت على السرير المستشفي ، وعيطت بصوت مش مسموع:
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎
الصبح…
مريم قاعدة على السرير بتلم هدومها بهدوء غريب، بتحط كل حاجه مكانها، وكأنها بترتب فوضى جواها مش في الشنطة.

خبط الباب، ودخل الدكتور.
بص عليها وهو بيقول بلطف:
ـ “صباح الخير يا مريم، عامله إيه النهارده؟”
مريم بصت له بنص ابتسامة وقالت:
ـ “الحمد لله… كويسة.”
الدكتور نده:
ـ “مدام أحلام… ممكن حضرتك تتفضلي دقيقة؟”
أم مريم دخلت، عيونها لسه فيها العتاب البارد، والشك دايمًا سابقها.
الدكتور قالها بهدوء:

ـ “الأنسة مريم محتاجة تتابع مع دكتور نفسي يا مدام… ضروري.”
أم مريم رفعت حاجبها وقالت بسخرية:
ـ “دكتور نفسي؟! لا بقى يا دكتور… ده دلع بنات، كلمتين وهي تهدى.”
الدكتور حاول يفضل هادي:
ـ “حضرتك بنتك حالتها مش بسيطة… واضح إن عندها أعراض اكتئاب مزمن… لو ما اتعالجتش ممكن حالتها تسوء أكتر.”
أمها ردت وهي بتحاول تضحك:
ـ “هي هتبقى كويسة، بلاش بقى الكلام اللي يوقف الحال، بنتي زي الفل إن شاء الله.”
الدكتور اتنرفز، صوته بدأ يعلى:
ـ “بنتك داخله على عشرين سنة… ومعندهاش أي حرية…

نفسيتها مدمرة، وبتنام على دواء، دي مش بنت كويسة… دي بنت بتصرخ وبتكتم صرختها كل يوم!”
أمها شدّت نفسها وقالت ببرود:
ـ “هي عمرها ما خرجت لوحدها… وعمري ما سبتها، ولو سبتها دلوقتي ممكن تستخدم حريتها غلط!”
الدكتور بص لها بنظرة فيها قهر وقال:
ـ “بس الحرمان اللي حضرتك فيه ده… هو الغلط. هو اللي بوّظ نفسيتها.”
أمها عدّلت طرحها وقالت:
ـ “إن شاء الله يا دكتور… خير.”
وسابتهم وخرجت… من غير ما تبص وراها.
مريم كانت سامعة كل حاجه، قاعدة جنب الشنطة، بتحاول تبلع الغصة اللي واقفه في زورها.

بصت للدكتور وقالت بصوت واطي:
ـ “أنا كويسة… اتعودت.”
الدكتور بص لها بحزن وقال:
ـ “الاعتياد على القسوة مش شفاء… ده مــ . ــوت بطئ، يا مريم.”
وهي خارجة من المستشفى، لقيت ظرف تاني صغير متعلق في شنطتها، ومكتوب عليه:
”
متخفيش هتنسي -اقرب ما ليكي وابعد من خيالك ( ب)
مريم بستغراب وحيره مين ده ياربي انا نقصه حيره
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎

عدّت شهور…
مريم اتغيّرت.
بقت ساكتة، بتضحك بس من غير صوت. عينيها ما بقتش بتلمع، وكأن الحياة فيها مطفية.
بترد بكلمات قليلة، وبتعمل اللي بيتقالها من غير نفس، لا اعتراض ولا نقاش… مجرد “حاضر” وهمّ جوّاها مش بيتقال.
فمرة، لمّت كل شجاعتها، وقعدت مع أمها:
ـ “ماما… أنا عاوزة أدخل كلية، حتى لو بره مصر، حتى لو عند أخويا في أمريكا.”
أمها بصتلها بجمود، وقالت من غير ما ترمش:
ـ “كلية؟ وسفر؟ لا. مش هتدخلي كلية هنا ولا هناك. لو عاوزه تسافري سفري بس لما تتجوزي، عشان أبقى مطمنة عليكي.”
مريم سكتت.

حتى محاولتها الوحيدة في الهروب اترفدت زي العاده . أبوها؟ مسافر دايمًا، ولو كلمته، هيقول الكلمة اللي حفظاها: “أمك خايفة عليكي.”
هي ما بقتش عايشة… بقت بتعدّي وقتها. أو بمعنى أصح، بتعدّي عمرها.
بقت تكتب روايات وتسمع موسيقى وتغرق في المسلسلات.
بقت السوشيال ميديا عالمها، وهناك، كانت مريم التانية… مريم اللي ليها جمهور بيحبها، وناس بتشجعها وتستناها.
وفي عز الغرق ده…
جالها عريس.
اسمه “آدم”، محترم، شغال في بنك، كل اللي يعرفه يقول عليه “ابن ناس” وكلامه كله ذوق.
أهلها وافقوا من أول لحظة… وهي؟ سكتت.
أبوها سألها:
ـ “مش هتردّي؟”
قالت:
ـ “براحتكوا…”
واتخطبوا.
بس مريم؟ ماكنتش مريم.

لا خرجت معاه، ولا ردت على رسايله بحنية، ولا حتى ضحكت له ضحكة كاملة.
وهو؟ كان بيحاول…
بعتلها ورد، وسجّل لها صوت بيغني أغنيتها المفضلة،
ـ “أنا عايزك تحكيلي عنك…”
بس هي؟
كانت كل مرة ترد بكلمة واحدة:
ـ “مفيش حاجة.”
وبعدين…

السابقانت في الصفحة 1 من 12 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى