روايات

فلوس مش ارث

رفعت الموبايل.
“ساعتها هبتدي أحمي نفسي وبنتي.”
الهدوء اللي نزل على الصالة كان تقيل. أليكس فهم… مش تهديد. وعد.
عدّى ثواني، بعدين أخد مفاتيحه.
“أنا خارج.”
“خد وقتك,” قالت. “بس لما ترجع، يا نعيش باحترام… يا كل واحد في طريق.”
الباب اتقفل.
ليلي قعدت على الكنبة، إيديها بترتعش لأول مرة. الخوف جه متأخر… بس جنبه كان فيه حاجة جديدة.
راحة.
لأول مرة من سنين، مرتّبها في حسابها… وصوتها في حياتها.
والشرخ؟ ما بقاش شرخ.
بقى خط فاصل.

عدّى نص الليل، والبيت ساكت سكات غريب. ليلي كانت قاعدة في الصالة، النور مطفي إلا أباجورة صغيرة. كل شوية تبص على باب الشقة… لا مستنياه يرجع، ولا مطمّنة إنه مش هييجي.
موبايلها نور.
رسالة واحدة. من رقم أليكس.
“إنتِ غلطانة. وأمي مش هتسيب الموضوع.”
قريتها، وما ردّتش.
قفلت الموبايل، وحطته جنبها، وحضنت ركبتها.
اللحظة دي افتكرت كل مرة قالت لنفسها “استحملي عشان البيت”
وكل مرة كانت بتعدّي وهي ساكتة.
الباب خبط.
مش خبط… دقّ تقيل.
قلبها نزل في رجلها.
قامت بهدوء، قربت من الباب، بصّت من العين السحرية.
حماتها.

واقفة لوحدها. شيلتها متشدّة على راسها، ووشها مش وش زيارة.
ليلي ما فتحتش.
“افتحي يا ليلي… إحنا عيلة.”
صوتها كان هادي، بس فيه سم.
“مش دلوقتي.”
“إنتِ حبستي ابني برا؟”
“ابنك اختار يمشي.”
سكتت ثانيتين… وبعدين نبرة الصوت اتغيرت.
“إنتي نسيتي نفسك. فلوسك دي حقنا. من يوم ما دخلتي بيتنا.”
ليلي حطّت إيدها على الباب.
صوتها طلع ثابت، رغم رجفة قلبها.
“الفلوس دي تعبي.
وأنا سمحت كتير… بس خلص.”
“إنتي هتطلعي من البيت ده.”
“البيت ده إيجاره باسمي.”
الصمت اللي جه بعدها كان تقيل.

بعدين سمعت الحمات تتمتم بكلام مش مفهوم، وخطواتها وهي بتمشي.
ليلي رجعت قعدت.
إيديها كانت بتترعش… بس عقلها كان صاحي لأول مرة.
بعد ساعة، أليكس رجع.
دخل من غير كلام.
وشه مرهق، عينه محمرة، بس صوته واطي.
“كلمتها.”
ليلي ما ردّتش.
“قالتلي تختاري… يا أمي، يا إنتِ.”
رفعت عينيها ببطء.
“وإنت اخترت إيه؟”
سكت شوية.
وبعدين قال:
“ما اخترتش.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، موجوعة.
“يبقى أنا اللي هختار.”
قامت، دخلت الأوضة، طلعت شنطة صغيرة كانت مجهزاها من غير ما تحس.

حطّت فيها ورقها، كارتها الجديد، وحاجات شيريل.
أليكس بص لها مصدوم.
“إنتِ رايحة فين؟”
“ولا حتة… بس بعمل حسابي.”
قرب، صوته انكسر لأول مرة.
“إنتِ هتسيبيني؟”
بصّت له، بهدوء مرعب.
“أنا سبت نفسي زمان…
ودلوقتي برجعها.”
شالت شنطة بنتها، وبصّت عليها نايمة.
“قدّامك اختيار حقيقي يا أليكس.
مش كلام، مش وعود.”
“يا نعيش بحدود واحترام…
يا كل واحد يتحاسب لوحده.”
سيبته واقف.
ولا قفلت الباب وراها.
ولا مشت.
بس من اللحظة دي…
البيت بقى شاهد،
مش سجن.

قعدوا قدّام بعض من غير ولا كلمة.
الشنطة جنب رجل ليلي، مش متهدّدة بيها… موجودة. وده كان أخطر.
أليكس هو اللي اتكلم الأول.
“يعني إيه أتحاسب لوحدي؟”
ليلي ردّت من غير ما ترفع صوتها:
“يعني مفيش فلوس تخرج من حسابي إلا بإيدي.
يعني مفيش أم تدخل بينا.
يعني إيدك ما تتلمسش تاني.”
شد نفس طويل.
“وهي؟”
ما قالش اسمها. مش محتاج.
“هي مالهاش دعوة بينا.”
ضحك ضحكة قصيرة.
“أمي عمرها ما هتقبل كده.”
ليلي بصّت له، نظرة ثابتة، خالية من أي رجاء.

“ولا أنا هقبل أعيش تاني بالشكل ده.”
سكت.
السكات المرة دي كان مختلف… مش غضب، خسارة.
“إنتِ بتهدديني.”
“لا.”
هزّت راسها.
“أنا بحدّد.”
قام، لف في الصالة كذا مرة، وبعدين وقف قدّامها.
“ولو قلتلك ما ينفعش؟”
وقفت.
مسكت الشنطة، وحطتها على كتفها.
“يبقى كده خلصنا كلام.”
مدّ إيده، وقف في نص الطريق.
بس ما لمسهاش.
“استني.”
استنت.
“أنا… ما كنتش شايف غير اللي اتعودت عليه.”
ابتسمت ابتسامة باهتة.
“وده السبب.”
بصّ ناحية أوضة شيريل.
صوته وطي.

“مش عايز بنتي تكبر في بيت مكسور.”
ليلي قربت خطوة.
“ولا أنا.”
سكتوا شوية.
وبعدين قال:
“هكلم أمي.
وأقولها توقف.”
نظرت له.
مش مصدّقة، ولا مكذّبة.
“والفلوس؟”
“كل واحد في حسابه.”
“واللي حصل؟”
لمست شعرها بخفة.
بلع ريقه.
“غلط.
ومش هيتكرر.”
خدت نفس.
الشنطة لسه على كتفها.
“الكلام سهل يا أليكس.”
“عارف.”
بصّ في الأرض.
“عشان كده لو رجعت غلط…
ما تستنيش تكلّمي.
امشي.”
البيت كان ساكت.
شيريل اتحرّكت في السرير، وبعدين نامت تاني.

ليلي شالت الشنطة من على كتفها… وحطّتها جنب الكنبة.
مش علامة انتصار.
فرصة واحدة.
“أنا مش راجعة زي الأول.”
“وأنا مش عايزك.”
قالها بسرعة، كأنه خاف يتراجع.
عدّى أسبوع.
الأم ما جتش.
الفلوس ما خرجتش.
وأليكس اتغيّر… مش حب، خوف من الخسارة.
لكن ليلي؟
ما رجعتش.
فضلت واقفة على رجليها…
وعارفة إن الباب ده،
لو اتفتح غلط تاني،
هي هتمشي من غير شنطة. تمت حكايات اميره محمد

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى