ج1
الفصل الأول..
جبر السلسبيل.. “سلسبيل” كانت هادئة و هي تستمع لحديث “بخيتة” السام، و كلماتها المُهينه لها، تنعتها بالخادمة بل والأدهي أنها تريدها زوجة لابنها الأخر المُسمي ب “عبد الجبار”!!! يا الله لقد كان شقيقه يدعي “عبد الرحيم” يعاملها بمُنتهي القسوة، طريقته كانت تصفها بالعذاب مما دفعها تقدم على الأنتحار مرات عديدة خسرت خلالهم حملها مرتين قبل معرفتها حتي بوجوده ،كان لا يتحدث بلسانه مطلقًا معاها، الكثير من الصفعات تتلقاها منه على وجهها طيلة اليوم بسبب و بدون سبب فماذا سيفعل بها شقيقه؟؟..
تبطأت دقات قلبها و شعرت بالفزع، و الرعب يدب بأوصلها جعل جسدها تنخفض درجة حرارته حتي جُمدت أطرافها و أصبحت كالثلج رغم تلك النيران التي تتآجج بصدرها خاصةً بعدما استمعت لجملة أدمت قلبها، و جعلت عبراتها تنهمر علي وجنتيها الشاحبة دون بكاء حين قالت “بخيتة” بسخرية.. “بالك انتي لو خرچتي من أهنه أبوكي هيهملك لحالك تدوري على حل شعرك و تدلي على البندر عند أهل أمك إياك!! .. أخرتك مرات أبوكي هترميكي في الزريبة مع المواشي، و أول ما والدي طلب يدك وافجو عليه طوالي”..
أطبقت عينيها على الفور حين ضربتها ذكريات مؤلمة، تذكرت معاملة زوجة أبيها لها كلما تركت منزل زوجها غاضبه، كانت تجعل والدها يلقنها ضربًا مبرحًا حتي تفقد الوعي بين يدية، لتستيقظ تجد نفسها نائمة داخل الحظيرة أسفل أقدام البهائم، و من ثم تعود مجبرة غير مخيرة لتنجو بحياتها من ضرب والدها المبرح، فصفعات زوجها، و كلمات والدته السامة أرحم بكثير من ضربات سوط والدها الذي يمزق لحمها ..
ارتجف جسدها بقوة حين ربتت “بخيتة” على كتفها أفاقتها من دوامة ذكراها المريرة مردفة بتعقل لا يخلو من صرامتها..
“لو فكرتي في حديتي زين يا مرات والدي هتلاقي چوازك من والدي “عبد الچبار” و جعادك حدايا أهنه رحمة ليكِ”.. مّر الوقت و هي واقفة محلها كالصنم تمامًا بلا حراك، تتابعها “بخيتة” بنظرات جامدة كعادتها،حديثها أصابها بمقتل، تبخرت جميع أحلامها إلى سراب.. رأت نفسها وحيدة لا ظهر لها و لا سند حتي في وجود والدها الذي كان السبب بزيجتها هذه و هي لم تتم عامها الخمسة عشر حتي، و الآن سيزوجها مرة أخرى دون مشورتها ..
……………………………….. لا حول ولا قوة الا بالله�…….. توقفت سيارة من الطراز الحديث بعد رحلة سفر استمرت لساعات طويلة من القاهرة إلى الصعيد، أسرع السائق بمغارة مقعده ليفتح الباب ل “عبد الجبار” الذي وصل للتو، كان يجلس بجانب السائق بينما زوجته “خضرا” تجلس بالخلف بجوار ابنتيها “فاطمة، حياة”.. “حمد لله السلامة يا “عبد الچبار” بيه.. نورت الصعيد يا كبير”..
أردف بها السائق بترحاب شديد.. “أنت هتتچوز على أماي يا أبوي؟”..
نطقت بها “فاطمة” ابنته الكبري صاحبة العشر سنوات، جعلته يمد يده و يغلق باب السيارة الذي فتحه له السائق..
شهقت” خضرا” بخفوتٍ، و أسرعت بوضع كف يديها على فم ابنتها مرددة بغضب..
” اجفلي خشمك يابت”.. تمالك “عبد الجبار” أعصابه معبئًا نفسًا عميقًا إلى رئتيه
قبل أن يلتف لهم ،تحدث بهدوء لا يخفي غضبه المشحون من زوجته و هو يتنقل بنظر بين ابنتيه قائلاً..
” صوح يا فاطمة.. أنا هتچوز الليلة”.. نظر لزوجته نظرة جعلت قلبها يرتعد بخوف بين ضلوعها مكملاً بأسف ..
“الفضل يرچع لأمك وچدتك اللي مسلمتش من زنهم على دماغي واصل”..
“ربنا يتمم لك بخير يا أخوي، و يرزقك من سلسبيل خيتي بالولد اللي يبجي في ضهرك و سند أخواته البنات”..
قالتها” خضرا” بابتسامة دافئة تخفي بها حزنها الذي يفطر قلبها العاشق له،فهي لن تستطيع الإنجاب تانيةً بعدما تعرضت لنزيف شديد بعد ولادة ابنتها الصغري انقذوها منه الأطباء بشق الأنفس..
زفر” عبد الجبار” بضيق، و اصطك على أسنانه بقوة كاد أن يهشمهم، و هو يطلع لزوجته بأعين يتطاير منها الشرر، و من ثم رفع كفه وضعه على مؤخرة رأسها جذبها عليه مغمغمًا بهمس داخل أذنها..
“أنتي خبرة زين أن الچوازة دي هتكون حبر على ورج وبس، و إني مريدش الواد طالما مش منك أنتي يا خضرة، و كفاياكي حديت ماسخ جدام البنات عاد”..
حديثه هذا أثلج قلبها، و جعل الراحة تغزو قسماتها، فمالت على كتفه لثمته بعمق..
“منحرمش منك و لا من حنيتك عليا واصل يا أخوي”..
أردفت بها بخجل بصوتها الحنون الدافئ، ليهديها
“عبد الجبار” ابتسامته نادرة الظهور، و فتح باب السيارة و هبط منها ليظهر ضخامة حجمه، و طوله الفارهه، و قد زادته جلبابه الصعيدي طول و هيبه تليق بملامحه الصارمة، و اضاف لمظهره وقار و حضور طاغي..
فتح باب السيارة الخلفي لعائلته الصغيرة بنفسه، و سار أمامهم بخطوات واثقة نحو منزل والدته..
………………………………… سبحان الله العظيم �..
“بخيتة”..
فرت راكضة تحتمي خلف إحدي الارائك المحطمة، و هي تردد بصراخ مذعور..
“يا مري.. أنتي اتچننتي يا بت البندرية”.. كانت “سلسبيل” بحالة من الانهيار التام بعدما وصل غضبها لذروته بسبب حديث “بخيتة” الجارح، بدأت تحطم كل ما تقع يديها عليه، و تصرخ بجنون مرددة..
“أنا ما صدقت خلصت من قرفك أنتي و ابنك.. تقومي تطلبي أيدي من أبويا للعملاق ابنك اللي أكبر مني بخمستاشر سنه لييييييه يا وليه يا بنت المفترية”.. “بخيتة” بصدمة.. “وه وه وه بتشتميني كمان يا بت المركوب”..
“انا مش هشتمك بس.. لا دا أنا هعملك عاهة مستديمة و ادخل فيكي سجن الحكومه هيبقي أرحم من أبويا و من سجنك أنتي و ابنك”..
قالتها “سلسبيل” بصراخ و هي تجذب يد خشبية من إحدي المقاعد بعدما قامت بتحطيمها، و ركضت بها نحو “بخيتة” و همت بضربها بالعصا على رأسها بكل قوتها، و لكن يد قوية قبضت على معصم يدها فجأة، و صوت يصيح بحدة،و هو يتطلع فيها مدهوشًا ..
” أنتي يومك أسود.. دي حياتك كلها هتبجي سودة”..
قالها “عبد الجبار” بغضب عارم، و تقابلت عينيه بعينيها للمرة الأولى ثم قال بصوتٍ أجش..
“أمي عندها حج أنتي صحيح حرمة جليلة الرباية، و أني هعلمك الأدب على يدي “.. الفصل الثاني..
جبر السلسبيل..
✍️نسمة مالك✍️.. أيقنت “سلسبيل” أنها ستلقي حتفها اليوم لا محالة، بعدما شعرت بألم مبرح بسبب قبضة “عبد الجبار” على معصمها حتي وصل لسمعها صوت تكسير عظامها من قوة ضغطه على يدها الصغيرة جدًا بين قبضته الفولاذية.. استرخت عضلات جسدها المتشنجة أثر غضبها العارم، و انقطعت أنفاسها وهي ترفع رأسها ببطء
كانت مضطرة أن تتطلع لأعلى حتى تصل لوجهه، فقد كان طويل القامة و ضخمًا بصورة مخيفة،
أرتعد بدنها من نظرته التي تصعقها، و صوته الغليظ الجاف جعل الدماء تنسحب من عروقها حتي بهتت ملامحها من شدة خوفها، الخوف كان دومًا رفيقًا لها طيلة حياتها، أما في تلك اللحظة، و هي واقفة أمامه مباشرةً شعرت بخوف جديد عليها كليًا، خائفة من هيبته، ضخامة بنيته التي تفوقها أضعاف مضاعفة جعلتها كعصفور مبتل وقع بين أنياب فك مفترس سيلتهمها حية بعظامها، لكنها استجمعت شتات نفسها، و رسمت قوة زائفة على محياها المرتعدة..
“أنا مش قليلة الرباية.. أنا طول عمري محترمة و شايلة أمك و أخوك رغم معاملتهم ليه اللي مترضيش ربنا”..
همست بها “سلسبيل” بصوت تحشرج بالبكاء، ارتجفت شفتيها بل ارتعش جسدها بأكمله و أطلقت آهة خافتة و هي تحاول جذب يدها من بين كفه الضخم مكملة بضعف..
“أنا شربت المُر في بيتكم و عرفت معنى الذل، و لما قولت أخيراً هترحم من العذاب اللي أنا فيه القي أمك تقولي إنك طلبت أيدي من أبويا علشان أبقى خدامة ليها!!!”..
ساد صمتٍ آخر، بقى”عبد الجبار” خلاله يرمقها بنظراته الثاقبة.. إلى أن قال مادًا عنقه للأمام قليلًا يحذرها و يرهبها في آنٍ واحد..
“جولك ده ميعطكيش الحج تتهچمي على ست كبيرة في مجام والدتك!!”.. “مش جولتلك على عمايلها السودة.. شوفتها بعينيك بتشندل أمك شنديل.. أضرُبها على خشمها يا “عبد الچبار”
غمغمت بها “بخيتة” ببكاء مصطنع، و هي تهجم على “سلسبيل” فجأة و تصفعها بقوة على وجهها دون سابق إنظار مكملة بقسوة..
“اتفرعنت من قلة ضرب المركوب بنت الفرطوس”..
لم تتفاجئ “سلسبيل” بضرب “بخيتة” لها بل كانت أخذه وضع الأستعداد،رفعت ذراعها الأخر بحركة دفاعية تحمي به وجهها أمام أعين “عبد الجبار” المنذهلة من رد فعلها، و ملامح وجهها الجامدة التي تجاهد بصعوبة حتي لا تبكي، كانت نظرتها ذائغة و هي تتنقل بعينيها بينه و بين والدته و قد ظنت أنه سيهجم عليها و يلقنها علقة ساخنة كما كان يفعل معاها شقيقة حتي يطفئ غضب والدته، و بعدما ينتهي من ضربها يحملها على كتفه، و يسير بها نحو غرفتهما و ينهال عليها بنوع أخر من العقاب المميت لروحها، و أنوثتها،
شحبت ملامحها كشحوب المو,تي، بدأت ترتجف بشكل ملحوظ، و تصطك على أسنانها بقوة،
هنا خفف قبضة يده حول معصمها، و جذبها برفق أصبحت واقفة خلفه ظهره،كم كانت ضئيلة للغاية بالنسبة له حتي أنه اخفاها تمامًا عن والدته التي ثارت بجنون و بدأت تدفعه بشراسة حتي تتمكن من الوصول لتلك الصغيرة المختبئة خلف ظهره..
” كفياكِ عاد يا أمه”..قالها و هو يسيطر على حركتها الهستيرية بأحتضانه لها مقبلًا جبهتها قبلة مطولة..
“همليها لحالها خليها تغور من أهنة.. أني معيزهاش بعد اللي حُصل”..
تراقص قلب “سلسبيل” فرحًا و ظهرت شبه إبتسامة على قسماتها حين استمعت لجملته هذه، و لكن تلاشت ابتسامتها حتي اختفت و حل مكانها الفزع حين تحدثت “بخيتة” وفهمت هي مخزي حديثها هذا..
“صُح حديتك يا والدي..خليها ترجع لأبوها و مرته”..
نطقت بها “بخيتة” بخبث فهي تعلم جيدًا أن والدها سوف يعود إليها بها مكبلة اليدين و القدمين بعدما ينتهي من ضربها كعادته، ابتسمت بصطناع و هي تمد يدها و تدفعها بكتفها دفعة سقطت على أثرها أرضًا..
“غوري من أهنة.. جبر يلم العفش”..
أسرعت” خضرا” التي كانت تقف بعيدًا عنهم تتابع ما يحدث بنظرات حزينة على ما تفعله حماتها بتلك الصغيرة، هرولت نحوها و مالت عليها تأخذ بيدها لتساعدها على النهوض مرددة بنبرة حانية..
“جومي يا خيتي”.. تحملت “سلسبيل” على نفسها، و وقفت ثانيةً بمساعدة “خضرا”، تنفست الصعداء و هي تسير بخطي غير متوازنة نحو الخارج، و قد حسمت قرارها أنها ستفر هاربة من البلد بأكملها، و تبحث عن عائلة والدتها بمحافظة المنصورة، كادت أن تصل لباب المنزل إلا أن صوت بخيتة أوقفها مكانها بأمر ..
“أستنى أهنة”..نظرت لابنها و تابعت..
“سلمها بيدك لأبوها يا عبد الچبار لتُهرب على البندر زي ما عملت جبل سابق و تچبلنا وچع الدماغ”.. تهاوي جسد “سلسبيل”بعدما أغلقت بوجهها كل طرق النجاة، و شعرت أن أقدامها لم تعد تحملها و هي تتخيل ما سيفعله بها والدها و زوجته، ، سقطت أرضًا على ركبتيها و بدأت تبكي بصوت أشبه بالصراخ مرددة..
“حرام عليكي.. أنتي بتعملي فيا كل ده ليه.. أنا عملتلك اييييه.. منك لله.. حسب الله ونعمة الوكيل فيكي أنتي وابنك”..
جن جنون “بخيتة” و همت بالهجوم عليها لولا يد “عبد الجبار” التي تمنعها..
“عملنا فيكي أية علشان تدعي عليا أنا و ابني اللي بجي بين ايدين اللي خلقه يا وكلة ناسك”..
بينما”خضرا” تجلس جوارها، تربت على ظهرها بحنان بالغ، و انفجرت باكية من شدة تأثرها حين رأت” سلسبيل” تنظر لزوجها نظرة متوسلة و تهمس بصعوبة من بين شهقاتها..
“متودنيش لأبويا هيرميني في الزريبة و يقلعني هدومي ويضربني بالكرباك و أمك عارفة كده كويس”..
جحظت أعين “عبد الجبار” على أخرها، و شلته الصدمة عندما زحفت “سلسبيل” راكضة حتي وصلت أسفل قدميه و تمسكت بكلتا يديها بثيابه، و رفعت رأسها تنظر له بعينيها التي تذرف عبراتها بغزارة مكملة بجملة أعتصرت قلبة على حين غرة..
“أدفني مع أمي حية بس متودنيش لأبويا أبوس رجلك”.. الفصل الثالث..
جبر السلسبيل..
✍️نسمة مالك✍️.. انقضي النهار سريعًا، و أسدل الليل ستائرة السوداء ، كانت “سلسبيل” عادت مجددًا لغرفتها التي تبغضها، و تشعر بالاختناق فور دخولها..
عادت لها بعدما توسلت ل “عبد الجبار” حتي لا تعود لوالدها، و الآن هي في إنتظار قراره الذي تأخر لساعات طويلة و هي حبيسة دون طعام أو شراب ، أنتهزت “بخيتة” انشغال إبنها بالحديث مع الغفر، و دفعتها بعنف و أغلقت عليها الباب بالمفتاح مثل العادة، تركتها وحيدة تدور حول نفسها كالمهرة الحبيسة، كم تتمني لو تُتيح لها الفرصة و تستطيع الهروب من هذا المنزل بل من البلد بأكملها، حينها لن تعود مطلقًا مهما حدث..
“يارب ساعدني أنا مليش غيرك”.. ترددها بقلب ملتاع بلا توقف، كان التعب ظاهر على ملامحها المجهدة،خاصةً معصم يدها التي كانت بين قبضته، بدأ الألم يزداد و يتدافع بها جعل العبرات تغزو عينيها، لكنها كعادتها تكبح دموعها، تعلمت تتأقلم مع ألامها.. و بالرغم كل ما تمر به إلا أن الإبتسامة وجدت طريق نحو شفتيها حين تذكرت أن ذلك العملاق أبي أن يمد يده عليها، بل ادهشها دفاعه عنها عندما أخفها خلف ظهره، وقتها تمنت لو تظل هكذا طيلة عمرها، تحتمي برجل يكن لها بعد الأهل أهل..
أطلقت زفرة نزقة من صدرها، حتمًا سيزول كل هذا الألم يومًا، تثق في قدرة الله، و تنتظر العوض الجميل بعد الصبر الطويل،
لم تجد أمامها سوي النوم، السبيل الوحيد الذي يفصلها عن واقعها المرير و لو قليل، جذبت إحدي الأغطية و قامت بوضعها على الأرض و ارتمت عليه رغم وجود سرير، إلا أنه يذكرها بما عانته مع زوجها السابق، منذ رحيله و هي لا تقربه، احتضنت جسدها بيدها بوضع الجنين، و أغلقت عينيها غارقة في نومٍ متعب لا يخلو من كوابيسها المفزعة..
…………………………… لا إله إلا الله 💐……….. “عبد الجبار”.. بعدما تناول الغداء التي أعدته “سلسبيل” بيدها قبل حضوره، دلف برفقة زوجته داخل غرفتهما التي قامت “سلسبيل” أيضًا بتنظيفها لهما بنفسها بأمر من “بخيتة”.. “البنته وچعت جلبي جوي يا أخوي.. أُقف چنبها يا عبد الچبار دي وليه و أحنا حدانا ولاية”..
أردفت بها” خضرا” بصوتها الحنون، و هي تساعده على أرتداء جلبابه.. مد “عبد الجبار” يده و أخذ عبايته من على كتفها، وضعها حول كتفيه مغمغمًا..
“إني شيعت لأبوها مع الغفير يچيني أهنة هتحدد معاه لول و أنهى موال الچواز، و بعد أكده ياخد بته في يده”..
شهقت “خضرا” و ضربت على صدرها بكف يدها و هي تقول..
“يا مري يا عبد الچبار.. هترچعها لأبوها اللي بيُضربها بالكرباچ؟!” .. نفخ بضيق، و رمقها بنظرة غاضبة مردفًا..
” خضرا و بعدهلك عاد ..قعدتها أهنة ملهاش عازة.. أني مهتجوزش عليكي.. تبجي ترچع بيت أهلها مع أبوها اللي عمره ما هيضر بته”.. لمح لمعة عينيها تدل على فرحتها التي غمرت قلبها، و إضاءة وجهها ذو الملامح الرقيقة، و اللون الخمري..
“بس أمه بخيتة هتزعل منِك يا أخوي.. هي ريدَك تتچوازها”..
“ملكيش صالح بأم عبد الچبار أني هتحدد معاها هي كَمان”..
غمغم بها و هو يقترب منها و يتوق خصرها بذراعيه، و مال عليها قاصدًا و جنتيها لثمها بقبلة عميقة مكملاً..
“مافيش حُرمة تملي عيني غيرك يا خضرا”.. “إلهي يخليك ليا و لا يحرمنيش منِك واصل “..
همست بها بستحياء و هي تندس بين حنايا صدره غالقة عينيها تنعم بالراحة لبرهةٍ، و لكن قلبها يملؤه الخوف، و القلق من رد فعل حماتها بعد معرفتها بقرار زوجها..
كل هذا الحديث أستمعت له “بخيتة” الواقفة أمام غرفتهم، واضعة أذنها على الباب تستمع بتركيز لكل حرف يُقال..
” سحراله.. ساحرة لوالدي يا خضرا يا بت نفيسة، و إني هچوزه عليكي و أفك سحرك يا وش الشوم”.. “يارب يا ساتر.. يا أهل الله يلي أهنة”..
كان هذا صوت “محمد القناوي” والد “سلسبيل” الذي وصل للتو و دلف لداخل المنزل برفقة إحدي الغفر عبر الباب الذي يكن دومًا مفتوح..
هرولت” بخيتة ” بخطوات مسرعة تجاه مصدر الصوت، و قد التمعت برأسها إحدي أفكارها خبيثه، و عزمت على تنفيذها..
” يا مُرحب يا قناوي”..
قالتها “بخيتة” بصوتها الصارم، بعدما دلفت بهيبتها مستندة على عصاها الخشبية، فهي تمتلك قامة طويلة و جسد ممتلئ بعض الشيء، لتستطرد دون أن تمنحه فرصة للرد..
“والدي چابك انهارده علشان تاخد بتك في يدك من أهنة.. خلاص چوازة بتك من أبني الكبير مبقاش ليها عازة عندينا”..
نظر لها بصدمة و هو يقول مستفسرًا..
” ايه اللي حُصل بس يا حاچة.. عملت أيه بنت المركوب زعلك مننا أكده.. قوليلي و أنا اقطعلك من لحمها، و أخليها تحب على يدك و يد عبد الچبار بيه كُمان”.. شعرت” بخيتة ” بانتصار و قد نالت مرادها، فازادت من إشعال نيران غضبه تجاه ابنته حين قالت..
” بتك ناقصة رباية، و غلطت في حجي غلط كبير تستاهل عليه قطع رقبتها يا قناوي”..
برزت عروق” قناوي” بخطورة، و قد وصل غضبه لزروته، و تحدث بهدوء ما قبل العاصفة..
” هعيد ربيتها من أول و چديد و أرچعلك بيها تحب على رچلك قبل أيديكي يا ست الناس”.. “لو أكده ممكن أرضى عنِها، و رضا والدي من رضايا.. وقتها أني هقنعه يتتم چوازه من بتك”.. أردفت بها و هي تشير له تجاه غرفة أبنته، و تابعت بأمر..
“هم جوام خدها و مشي قبل ما والدي ينزل.. لو اتحدد معاك دلوجيت يبجي مافيش رچعة في حديته.. حجي يرچع لول بعدها تتحدد وياه”..
“اللي تؤمري بيه يا حاچة”.. قالها” قناوي” و هو يسير نحو غرفة أبنته و قام بفتح الباب عبر المفتاح الموضوع به، دلف للداخل بخطوات غاضبة، و دون سابق إنذار كان مال على تلك النائمة تصارع إحدي كوابيسها التي لم تخلي من تعذيبه لها، و قبض على عنقها، و بدأ يكيل لها لكمات متتالية دون رحمة..
هكذا أيقظها جاحظة العينين و قد تحقق أبشع كوابيسها برؤيتها له الآن ..
“الرحمة يا أبوي.. هموت في يدك”..همست بها و هي تلتقط أنفاسها بصعوبة بسبب ضغط يده على عنقها..
“اكتمي يا واكلة ناسك”..
نطق بها و هو ينتصب وقفًا ساحبها معه، وسار بها للخارج و هي تبكي بحرقة و تدور بعينيها تبحث عن هذا الظهر الذي أخفاها خلفه من قبل، حتي أستمعت لصوت حمحمته تقترب، كادت أن تصرخ بأسمه إلا أن كف والدها كمم فمها بعنف، و همس بأذنها بتهديد جاد..
“أكتمي لشق جلبك دلوجيت يا هاملة”..
رمقته بنظره تخبره بها أن قلبها مملوء بطعناته القاتلة، توقفت عن مقاومته و قد استسلمت لقدرها، و سارت معه بخطوات مهرولة حافية القدمين و كم تمنت أن تلقي حتفها على يده هذه المرة.. “هو قناوي كان أهنة يا أمه؟”..
قالها “عبد الجبار” بتساؤل.. لتجيبه” بخيتة” بأمأه من رأسها و هي تقول ..
“خد بته و توك ماشي”.. اعتلت الدهشة ملامحه و تحدث بغضب قائلاً..
“وه كيف ياخدها، و يمشي لحاله أكده؟!”..
“بخيتة”.. “أباي عليك يا عبد الچبار مش أبوها يا والدي.. هو راچل غريب، و أنت قولت ماريدهاش يبجي تغور من أهنة”..
رسمت الحزن على ملامحها الماكرة مكملة..
“فرقها صعبان عليا ولا أكنها بهيمة من بهايمي بعد كل عمايلها المقندلة معايا”.. ارتفع حاجبين” عبد الجبار” بتعجب مرددًا..
” بهيمة أيه بس يا أمه!!! “.. ” بخيته” بعبوس..
” أيوه قولت هتبجي مننا و أني عرفتها و هي كمان عرفت طبعي و عوايد الدوار حدانا بدل ما تتچوز واحده منعرفهاش و تبجي غريبة عليا.. قصروا منعلمش النصيب مخبي أيه يا والدي..و لو على العرايس في ياما تنجي اللي تعچبك”..
“أني مش هتچوز على خضرا يا أمه و ده أخر القول”..قالها”عبد الجبار ” بنفاذ صبر جعلها تصطك على أسنانها بغيظ شديد، و كادت أن تُصاب بشلل حين تابع بصوته الصارم..
” و أرملة أخوي ليها حق عندينا في ورث چوزها أني هقدروا و أشيعه لحد عنديها”.. أنهي جملته و سار من أمامها مغادرًا المنزل بأكمله، لا يعلم لما يشعر أنه خذل تلك ال” السلسبيل”، يتسأل بداخله لو كان حديثها صحيح عن عذاب والدها لها فلما سارت معه دون أن تستغيث به؟..
………………………………………..لا حول ولا قوة الا بالله 💐…. كان الوقت فجرًا، لحظات ظلام الليل الأخيرة، الجميع نيام، و الهدوء سيد الموقف.. أستيقظت “خضرا” على صوت أنين زوجها، مدت يدها لمفتاح الإضاءة الخافتة بجوارها ضغطت عليه، و اعتدلت جالسة تنظر تجاهه مردفة بلهفة..
“عبد الچبار أصحى يا أخوي”.. “لااااااااا بعد عنِها”.. صرخ بها فجأة و هو يهب من مرقده مذعورًا.. “بسم الله الحفيظ.. ده باينه كابوس واعر جوي”..
أردفت بها “خضرا” وهي تسكب له كاسة مياه، و تساعده على تناولها، و يدها تربت على ظهره مرددة بسرها بعض الآيات القرآنية..
كان” عبد الجبار ” ملامحه جامدة، ينظر للفراغ بشرود، فاق من شروده حين همست “خضرا” قائلة بابتسامة باهته..
“شوفت سلسبيل مش أكده”.. تطلع لها مدهوشًا و هم بالرد عليها إلا أنه استمع لصوت طرقات عنيفه متتالية على باب المنزل جعلته يغادر الفراش مهرولاً.. “مين هيچينا دلوجيت”.. قالتها” بخيتة ” التي قابلته فور خروجه من غرفته رغم معرفتها الإجابة.. “مخبيرش يا أمه”..
قالها” عبد الجبار ” و هو يتخطاها و يندفع تجاه الباب، و فتحه مسرعًا ليصعق من هول ما رأي..
كان يقف “قناوي” أمامه بفخر و كأنه حقق أكبر إنجازاته ..
“أني مرضيتش استني لشروق الشمس و قولت اچيب
بتي تحب على رچل الحاچة الكبيرة “..
، بينما “سلسبيل” ملقاه أرضًا بحالة يرثي لها تنزف الدماء من جميع جسدها، مكبله يديها بقدميها بسوط غليظ هيئتها كانت كما رأها في حلمه تمامًا.. الفصل الرابع..
جبر السلسبيل..
✍️نسمة مالك✍️..
صرخات متتالية لا تنقطع، توسلات حارة تابعها ندم شديد لا و لن يجدي نفعًا على الأطلاق مع هذا الثائر.. الغاضب حد الجنون، كاد غضبه أن يحرق الأخضر و اليابس، ممسك بيده السوط الغارق بدماء تلك “سلسبيل” يعاقب به معذبها على فعلته الحمقاء بحق ابنته، رغم أنه لم يعد يصدق أن هذا المُجرم يكن والدها بعد ما فعله بها،
كلما تذكر هيئتها الدامية و هو يقوم بفك قيدها بنفسه ليتمكن من حملها بين يديه، كان جسدها ممزق حرفيًا من قوة و عنف ضربات الكرباچ على جلدها الرقيق، آهاتها الخافتة التي تقطع نياط القلوب، و تُبكي الحجر، و الأدهي من هذا همسها الضعيف بأسمه الذي وصل لقلبه قبل أذنه.. حالتها كانت و مازالت صعبة للغاية، لها أكثر من أسبوع فاقدة الوعي تمامًا، تفيق للحظات معدودة، و تغرق ثانيةً بأغماء أشبه بالغيبوبة، تحيا على المحاليل الطبية فقط و بين الوعي و اللاوعي تردد دائمًا حروف أسمه..
أطبق عينيه التي تتآجج منها نيران الغضب حين شعر
أنه مُدان لخاطرها بألف اعتذار، لكن ماذا عساه أن يفعل لها؟! ، هو رجل مكتفي بزوجته الخلوقة، يكن لها مقدار كبير من الحُب و الإحترام و لن يكون سبب جرح قلبها مهما حدث،بينما هناك في مكان ما بقاع قلبه جمرات صغيرة تزدهر سريعًا، و يزداد لهيبها، لهيب يسمي العشق.. “أعطيني بتي يا عبد الچبار بيه و هملنا لحالنا”..
قالها “قناوي” بأنفاس متهدجة، و صوت مبحوح أثر صرخاته المتواصلة..
“دلوجيت افتكرت أنها بتك يا عديم الرچولة”..
أردف بها و هو يقترب منه حتى توقف أمامه مباشرةً ليظهر فرق الطول الشاسع بينهما، انكمش “قناوي” بخوف من هيبته، و ضخامة جسده القوي، و ذراعيه المعضلة.. “أنت هتغور لوحدك من أهنة، ملكش بنات عندِنا، و لو عُدت مرة تانية هطُخك بالنار، و أنت خابر زين حديت عبد الچبار المنياوي “..أردف بها بصوت جوهري حاد، و هو يقبض على عنقه بكف يده كاد أن يزهق روحه..
جاهد “قناوي” و تحدث بصعوبة بصوت مرتجف متقطع..
” يا بيه أهمل بتي ليك كيف و أنت جولت مريدش چوازك منِها.. أكده الناس تاكل وشي، و أبجي مسخرة وسط الخلق”.. دفعه” عبد الجبار ” بعنف، و أخذ يفكر في حديثه للحظات، و َمن ثم أجابه بتعقل، و نبرة لا تحمل الجدال..
“بتك ليها حق في ورث چوزها اللي هو أخوي الله يرحمه، و هتقعد في حقها معززة مُكرمة، محدش يقدر يمسها بكلمة واحدة طول ما هي في حمايتي”..
جحظت أعين” قناوي” بذهول مرددًا..
” أفهم من أكده إن سعادتك هتعطي بتي حقها في أرض چوزها و ماله، و الدوار، و شغله اللي في مصر وياك كمان!!!”.. “وه كُنت فاكرني هاكل حق الولاية و لا أيه يا واكل ناسك أنت “..
غمغم بها و هو يجذبه من ياقة جلبابه، و سحبه خلفه دفعه لخارج أسطبل الخيل الذي كان يحتجزه داخله دفعه أطاحت به أرضًا مكملاً بأمر..
” غور من قدامي.. معيزش أشوف خلقتك مرة تانية أهنة “..
” الله يعمر بيتك يا عبد الچبار بيه.. يا أصيل يا ولد الأصول.. يلي هتقعد بتي في ورثها “..
ظل يرددها” قناوي” بصوت مرتفع، و فرحة غامرة ظاهرة على وجهه الملطخ بالدماء بسبب الضرب المبرح الذي تعرض له، يريد أن يستمع لحديثه كل أهل البلد ليكون هذا مبرره بترك أبنته بمنزل أهل زوجها المتوفي.. بينما ظل” عبد الجبار ” يقف مكانه يتابعه بشرود، و قد أدرك خطورة الوضع الذي أصبح فيه، فوجودها هنا بمثابة سكب الزيت فوق الجمرات المشتعلة بقاع قلبه..
………………………… لا إله إلا الله 💐………………. “سلسبيل”..
كلما أستعادة وعيها تجد “خضرا” تجلس بجوارها، تربت على شعرها تاره، تبكي على حالها تاره، تقرأ لها بعض الآيات القرآنية تاره أخرى، ظلت ترعاها بنفسها بكل طيب خاطر تحت نظرات “بخيتة” المغتاظة، و كلماتها المسمومة التي تلقيها على سمعها، لكنها لم تتركها بمفردها بأذن من زوجها، أظهرت معدنها الأصيل، و رونق قلبها الصافي،عاملتها كما لو كانت بنت من بناتها.. و أخيرًا بدأت تستعيد عافيتها، و رمشت بأهدابها الكثيفة قبل أن تفتح عينيها الذابلة، تنظر حولها بنظرات مرتعدة،تسارعت نبضات قلبها،تلاحقت أنفاسها وقد ظنت لوهلة أنها مازالت بمنزل والدها.
تنفست الصعداء حين لمحت “خضرا” تجلس بجوارها على الفراش مستنده برأسها على يدها، و قد غلبها النعاس..
“أبلة خضرا”.. همست بها “سلسبيل” بصوتها الضعيف، لكنه وصل لسمع تلك الحنونة، فنتفضت مسرعة تتفحصها بلهفة و هي تقول بفرحة..
” أنتي فوقتي يا خيتي”.. أرغمت “سلسبيل ” نفسها على الابتسامة لها، و رسمت قوة زائفه على ملامحها الحزينة، و حاولت تعتدل جالسة.. لتسرع “خضرا” و تساعدها برفق، و تضع لها الوسائد خلف ظهرها بوضع أكثر راحة مدمدمة..
“أيوه أكده شدي حيلك و فوقي يا خيتي، و إني هچيبلك أحلى وكل من عمايل يدي يرم جتتك “..
جاهدت “سلسبيل” حتي تتحكم بعبراتها التي تغزو عينيها و هي تقول بامتنان.. “متتعبيش نفسك أكتر من كده يا أبلة خضرا.. كفاية كل ما أفتح عيني بلاقيكي جنبي” .. صمتت لبرهةٍ تلتقط أنفاسها، و تابعت بتنهيدة مُتعبة..
” أنتي أول واحدة تعاملني بحنية كده بعد أمي الله يرحمها مع إنك المفروض تكرهيني علشان كنت هبقي دورتك”.. هنا بكت “خضرا” و ضمتها لصدرها بحنان بالغ، يدها ترتب خصلات شعرها الحريرية المشعثة..
“جلبي عليكي يا بتي.. لساتك أصغيرة على المرار و الغُلب ده كله”..
أستكانت “سلسبيل” بحضنها، عينيها تذرف العبرات دون بكاء، و ابتسامة باهته تزين شفتيها المزمومة، و قد تذكرت حضن والدتها التي حُرمت منه إلى الأبد منذ سنوات، و من حينها لم يحنو عليها مخلوق بعدها.. ” أنا مش عايزة أخد منك جوزك يا أبلة خضرا والله.. و في نفس الوقت مش عايزه أرجع لأبويا، و مش عارفة أعمل أيه و لا أروح فين”..
قالتها “سلسبيل” بصوتها المُجهد، و ابتلعت ريقها و تابعت بجملة جعلت شهقات “خضرا” تزداد..
“أنا كنت بتمني أموت في أيد أبوي المرادي.. كنت هروح عند ربنا و أرتاح من عذابي ده”..
” بعيد الشر عليكي يا خيتي.. متقوليش اكدة مرة تانية”..
قالتها” خضرا” و هي تربت على صدرها بكف يدها، و تابعت بنبرة مُطمئنة..
“متشليش هم واصل.. أني اتحدتت مع عبد الچبار و قالي إنك هتقعدي حدانا في حقك”.. “حقي!!!”..غمغمت بها و هي تبتعد عن حضنها، و تنظر لها بعدم فهم، فتابعت” خضرا” بابتسامة و هي تزيل عبراتها..
” أنتي ليكي حق في ورث چوزك الله يرحمه.. و عبد الچبار قالي أقولك لو ليكي غرض تنزلي معانا مصر تقعدي حدانا في ورث چوزك يا مُرحب بيكي.. و لو رايده تاخدي حقك مال هو هيقدروا و يدفعلك حقك وزيادة كمان”..
تهللت أسارير “سلسبيل” عندما علمت أنهم سيأخذونها معاهم إلى مصر، هذا كل ما تريده، لا تريد الورث، و لا المال.. تريد حريتها فقط حتى تستطيع البحث عن عائلة والدتها..
” بجد يا أبلة خضرا هتاخدوني معاكم مصر؟!”.. فرحة” خضرا” لفرحتها، و احتضنت و جهها بين كفيها مردفة..
” إحنا كنا ناوين نقعد يومين اهنة و نعاود علشان مشاغل أبو فاطمة ياما.. و قعدنا كل الوقت ده لخاطرك يا ست البنتة..قولنا نستنى نطمن عليكي و تبقي زينة و نعاود طوالي”..
تحاملت” سلسبيل ” على نفسها و غادرت الفراش بخطي مترنجحة و هي تقول بفرحة غامرة..
“أنا بقيت زينة أهو يا أبلة خضرا.. خدوني معاكم و خلينا نمشي من هنا قبل ما أبوي يجي ياخدني تاني الله يخليكي”.. اقتربت منها” خضرا ” بخطوات مهرولة، و ساندتها قبل أن تسقط أرضًا بسبب عدم اتزان جسدها الهزيل..
“على مهلك عاد يا بتي.. خليني أوكلك لقمة تقويكي لول، و بعد أكده هتحدد مع عبد الچبار و أقوله إنك بقيتي زينة”..
حديثهم هذا بأكملة أستمعت له” بخيتة ” الواقفة على باب الغرفة تتجسس كعادتها الحمقاء، تصطك على أسنانها بغيظ، و قد إذداد غضبها منهما أضعاف مضاعفة..
“فاكرة نفسها ست الدار خضرا بنت نفيسة و بتتحدد على هواها.. الله في سماه لطين عيشتك يا خضرا و ما هيرتاح ليا بال إلا و إني مچوزة ولدي عليكي”.. انتفضت راكضة حين أستمعت لصوت حمحمة “عبد الجبار” يعلن بها وصوله، و سارت متجهه نحوه بخطوات غاضبة و هي تقول..
“معقول الحديت اللي چاني ده يا عبد الچبار.. أنت صُح هتاخد اللي ما تتسمي سلسبيل معاك على مصر!!! “..
أجابها” عبد الجبار ” بهدوء أغضبها أكثر..
” أيوه يا أمه.. و انتي كمان هتيچي معانا.. أني مههملكيش لحالك اهنة بعد أكده واصل”.. “بخيتة” بغضب، و صوت عالِ وصل لسمع” سلسبيل ” جعل قلبها يسقط أرضًا من شدة خوفها.. “تيجي معانا بصفتها أيه العقربة دي.. لا هي مرتك، و لا أنت رايد تعقد عليها.. تبقي تسافر معانا ليه يا ولدي.. ارميها لأبوها و غورها من أهنة ملناش صالح بيها عاد”..
نظر لها” عبد الجبار ” قليلاً نظرة جامدة، بينما “سلسبيل ” تنتظر رده عليها بنفاذ صبر، و أنفاس متهدجة، و قد بدأ جسدها يرتجف بقوة بعدما انسحبت الدماء من عروقها تاركة وجهها شاحب من شدة فزعها.. ” عبد الجبار ” بعقلانية.. “أنتي خابرة زين أني لو رچعتها لأبوها هيقتلها من قسوته عليها”.. “ما يقتلها و إحنا أيه خاصنا بيهم”..قالتها “بخيتة” بجحود جعلت “عبد الجبار” يحرك رأسه بيأس من طباعها مردفًا بأسف..
“طول عمري بقول عليكي قوية يا أمه.. بس قوتك المرادي بقت جبروت”..
سار من أمامها متجهه نحو زوجته التي خرجت للتو من غرفة” سلسبيل ” تاركة بابها موارب قليلاً، و تابع بصرامة قائلاً..
“نهاية القول أرملة أخوي في حمايتي من انهارده يا أمه من غير ما اتچوازها.. لأني متچوزش ست الحريم كلياتهم..
و سلسبيل هترچع معانا على مصر وقت ما تقوم على حيلها و تبقي زينة “..
أنهى جملته و اقترب من” خضرا” الواقفة تنتظرة بابتسامة هائمة تزين ملامحها الطيبة التي أضاءتها الفرحة بحديث زوجها، لف يده حول كتفيها و سار بها تجاه غرفتهما المقابلة لغرفة ابناتيهما التي أصبحت تمكث بها” سلسبيل” مؤخرًا، فتح الباب و دلف بها للداخل، و هو يميل عليها يحاوط خصرها بكلتا يديه ضمها له بعناق محموم ظهرها مقابل صدره غالقًا الباب خلفهما بقدمه.. كانت “سلسبيل” تتابعهما بأعين منذهلة، لم تري بعمرها الذي لم يتعدي العشرون عام رجل يحتضن زوجته، رغم أنها كانت زوجة لخمسة أعوام لكنها لم تجرب هذا العناق خلالهم ولا مرة..
اعتلت ملامحها ابتسامة خجوله حين رن بأذنها أسمها بصوته الذي لمس شيء بداخلها شديد الحساسية، فاغمضت عينيها ببطء و هي تهمس بأسمه هذه المرة و هي بكامل وعيها ببوادر إعجاب..
“عبد الچبار”.. الفصل الخامس..
جبر السلسبيل..
✍️نسمة مالك✍️..
أشرقت شمس نهار يومًا جديد،استيقظ الجميع منذ بكرة الصباح يجمعون أغراضهم إستعدادًا للسفر برفقة “عبد الجبار” إلى مصر، بينما “سلسبيل” لم تأخذ شيء معاها مطلقًا،حتي إنها قامت بخلع ثيابها البيتيه بأكمالها، و ألقتهم بالقمامة ، و ارتدت عباية سوداء كبيرة للغاية على جسدها الصغير و حجاب من نفس اللون أخذتهم من “خضرا” ، لا تريد أخذ شيء من هذا المنزل يذكرها بما عانته، و قد حسمت قرارها فور خروجها منه لن تعود إليه مرة أخرى، بل لن تعود إلى البلد ثانيةً..
كان قلبها يرفرف بفرحة غامرة بين ضلوعها، كالطير الحبيس لسنوات داخل غرفة مظلمة ، و أخيرًا رأي شعاع نور الحرية عندما صعدت برفقتهم سيارة “عبد الجبار” المجهزة لسفر المسافات الطويلة ،لسوء حظها جلست بجوارها “بخيتة” بينما جلست “خضرا” خلفهما بجانب أبنتيها، و جلس “عبد الجبار” كعادته بجانب السائق، يتابعهم عبر المرآة بأعين كعيون الصقر..
لم تبالي “سلسبيل” لنظرات “بخيتة” الحارقة و كلماتها السامة التي تلقيها على أذنها من حين لآخر،حتي وصل بها الأمر أن تلكمها بعنف بكوعها مرات متتالية ببطنها من شدة غيظها منها، و لكن بنفس الوقت كانت سعيدة بقدومها معاهم، و بداخلها تنوي أن تزوجها لابنها رغمًا عن أنف “خضرا” ..
كانت “سلسبيل” مستندة برأسها على نافذة السيارة التي تحركت بهم للتو، نظرت للطريق بشرود تتذكر عندما أخذها والدها من عائلة والدتها بعد وفاتها و هي لم تتم عامها السابع بعد، و أتى بها إلى زوجته التي أذاقتها معه كل أنواع العذاب، و كانت وراء زيجتها السيئة و هي طفلة بعمر الرابعة عشر.. وبالرغم لكل ما حدث لها على يد والدها، إلا أنها تريد أن تودعه قبل أن تغارد البلد، أطلقت زفرة نزقة من صدرها، و نظرت تجاه “عبد الجبار” و تنحنحت بحرج و هي تقول..
“لو سمحت يا أبو فاطمة!!”..
زمجرت “بخيتة” بشراسة، و لكمتها بكوعها بقوة مرددة..
“كك خابط اسمه سيدك عبد الچبار”.. “وبعدهالك عاد يا أمه.. مش أكده أمال”.. قالها “عبد الجبار” و هو ينظر لهما من فوق كتفه، و تابع موجهه حديثه ل”سلسبيل ” التي ترقرقت بعينيها العبرات..
” كملي حديتك”.. ابتلعت لعابها بصعوبة، و قد ظهر الخوف على ملامحها الحزينة، و همست بصوت مرتجف..
“عايزة أسلم على أبوي قبل ما نطلع من البلد”..
” أصيلة يا خيتي”.. نطقت بها “خضرا” و هي تمد يدها و تربت على كتفها بحنو، لتشهق” بخيتة” بقوة و ترمقها بنظرة حادة مدمدمة..
” اممم أصيلة.. دي كهينة و مية من تحت تبن يا عبد الچبار أسألني أني”.. ساد الصمت لدقائق قطعه عبد الجبار بصوته الصارم قائلاً..
” قناوي بيكون فى غيطه دلوجيت مش أكده؟”.. حركت “سلسبيل” رأسها له بالايجاب سريعًا رغم أنه لم يكن ينظر لها، لمحها في المرآة و قد رسمت ابتسامة باهته على محياها المرتعدة، و عينيها تنظر له بامتنان و انبهار بشخصيته القوية..
“فوت على أرض قناوي فى طرقنا يا حسان”..
” حسان” بطاعة.. ” أمرك يا كَبير “.. مرت دقائق قليلة و توقفت السيارة على جانب الطريق الخارجي المؤدي للأراضي الزراعية..
“سلمي عليه و ترچعي طوالي.. متعوجيش”..
قالها “عبد الجبار” دون أن ينظر لها.. “حاضر.. أنا مش هتأخر والله.. بس متسبونيش و تمشوا ونبي”.. أردفت بها “سلسبيل” بصوت تحشرج بالبكاء، و هي تتنقل بنظرها بين “خضرا” و زوجها.. “خضرا” بابتسامة حنونة.. “اطمني يا بتي هترچعي تلاقينا مستنيك أهنة”..
فتحت” سلسبيل” الباب بيد مرتعشة، و خرجت من السيارة على مضض، و هي تستجديهم بنظرتها المذعورة أن لا يتركوها.. نظرتها هذه جعلت” عبد الجبار” ينفخ بضيق، و تحدث بنفاذ صبر قائلاً..
” روح معاها يا حسان و عاود بيها، و أوعاك قناوي يمسها بسوء.. هو خابر زين أنها في حمايتي” انصاع” حسان” لحديثه على الفور، و غادر السيارة، و سار برقفة “سلسبيل” التي تخطو بخطي غير ثابتة بسبب أرتجاف بدنها الملحوظ أثر خوفها..
ساروا مسافة ليست بقليلة حتي رأت والدها ممسك بالفأس و منشغل بعمله في الزراعة..أخذت نفس عميق تملئ رئتيها بالهواء بعدما شعرت بأنفاسها تتلاشي، و نبضات قلبها تتباطئ..
“أبوي”.. قالتها و هي تقترب منه بحذر، و تفرك يديها ببعضهما بتوتر.. توقف “قناوي” عما يفعله عندما وصل صوتها لأذنه، استدار ينظر تجاه مصدر الصوت بوجهه مكفر اشتعل بالغضب فور رؤيتها برفقة الغفير الخاص ب “عبد الجبار” ، و قد ظن أنها أخطأت بحقهم فأرسالها له مرة أخرى..
” هببتي أيه تاني يا بت المركوب”.. نطق بها و هو يهجم عليها دون سابق إنظار، و أمسكها من حجابها و بدأ يكيل لها الصفعات مرددًا..
“غلطتي في الحاچة المرادي و لا في البيه الكبير نفسه.. انطقي لأدفنك مكانك”.. هرول تجاهه “حسان” و حاول دفعه عنها و هو يقول بذهول..
“وه وه وه أيه اللي بتهاببه ده يا راچل يا مخبول أنت.. بعد عنِها دي في حماية عبد الچبار بيه”..
كان “قناوي” قابض على شعرها من فوق الحجاب بقبضة من حديد جعلت” حسان” يفشل في أبعاده عنها، و يده الأخري تهبط على وجنتيها الناعمة بصفعات أدمت شفتيها و أنفها، و مع كل هذا كانت “سلسبيل” لا تبكي، و لا حتي تُدافع عن نفسها، تركته يصب جم غضبه عليها كعادته، ركض “حسان” عائدًا تجاه سيارة رب عمله، و هو يصرخ بصوت جوهري..
“ألحق يا عبد الچبار بيه.. قناوي هيموت بته في يده”… “يا مُري.. الحقها يا أخوي من يد الراچل المفتري ده
أحب على يدك”.. صرخت بها “خضرا” و هي تضرب على صدرها حين وصل سمعها صرخات “حسان” المستغيثة من بعيد..
صك “عبد الجبار” على أسنانه بقوة كاد أن يهشمه، و غادر السيارة بثبات و هدوء رغم الضجيج الثائر بداخله، رفع عبائته على كتفه و سار بخطوات واسعة، و ملامح غاضبة لا تبشر بالخير أبدًا..
“بعد يدك عنِها!!!”..
قالها بصوت جوهري قبل أن يصل لهما، و لكن لم ينتبه له “قناوي” بعد، مما دفع هذا الغاضب لمد يده داخل جيب جلبابه، و أشهر سلاحه المُرخص، و أطلق عيار بالهواء يصم الأذان..
انتفض “قناوي” قفزًا بمكانه حين رأي “عبد الجبار” يقترب عليه مهرولاً، كان القلق واضحًا عليه لمرآي تعابير وجهه الغضوب، و تحول القلق إلى خوف حين وجده يستعد للهجوم عليه فدفع ابنته من يده بعنف أسقطها على الأرض الغارقة بمياه الري..
هنا صرخت “سلسبيل” عندما انحصرت العباية و كشفت عن ساقيها أمام أعين “عبد الجبار” الذي لجمته الصدمة و تقطعت نياط قلبه حين لمح أثار حروق متناثرة بطول قدميها منهم القديم، و منهم الحديث، و أيضًا أصبح مذهولاً لعدم أرتدائها شيئًا أسفل ملابسها، لكنه انتبه حين أسرعت هي بستر نفسها أن هذه العباية تكن لزوجته، و أدرك حينها بعقله الواعي أنها بالتأكيد تركت جميع ثيابها عن قصد..
حينها قام بخلع عباءته من حول كتفيه، و ألقاها عليها بغمضة عين كساها بها،
“يا مُرحب يا كبير”..
قالها “قناوي” و هو يبتعد عنه للخلف بخوف ظاهر على ملامحه القاسية مكملاً..
“خير يا كبير عملت أيه تاني بت الفرطوس!!”.. قطع حديثه حين قبض “عبد الجبار” على عنقه بعنف، و تحدث بغضب عارم قائلاً..
“أنت صنفك اييييه يا ابن ال *** علشان تعمل في بتك اللي من لحمك ودمك أكده!!!!! “..
أنتهي جملته و سدد له ضربه عنيفه بجبهته جعلت “قناوي” يصرخ متألمًا..
“أبوي”..صرخت بها” سلسبيل ” وهي تنهض من مكانها بصعوبة، و هرولت تجاه “عبد الجبار” تمسكت بذراعه بكلتا يدها تحاول ابعاده عن “قناوي” و هي تقول بتوسل..
” خلاص يا سي عبد الجبار سيبه الله يخليك”.. لم تتزحزح يد “عبد الجبار” عنه، و ظل قابض على عنقه، و من ثم مال على وجهه و نظر بعينيه و هو يقول بصوت أجش..
“بتك چاية لحد عندِك تسلم عليك قبل ما تسافر بعد كل عمايلك المقندلة فيها.. تقوم تُضربها تاني حتي بعد ما قولتلك أنها بقت في حمايتي!!!! “..
فور إنتهاء حديثه سدد له ضربة أقوى جعلت أنفه تنفجر منها الدماء..
“أبوس أيدك سيبه يا عبد الجبار”.. همست بها بتقطع من بين شهقاتها الحادة، و هي تقف على أطراف أصابعها وتمسك كف يده الضخمة بيدها الصغيرة، و تبعد أصابعه عن عنق والدها حتي خلصته من بين قبضته الفولاذية.. “يله مشي قدامي من أهنة قبل ما أرتكب چناية انهاردة”
..قالها “عبد الجبار” و هو يلقي عباءته على كتفه مرة تانية بعدما سقطت من “سلسبيل” فلتقطها “حسان”، اعطها له..
أنصاعت “سلسبيل” لحديثه على الفور و سارت أمامه بخطوات متعبه، و عينيها تطلع لوالدها بنظرات وداع، فهي على يقين أنها لن تعود له ثانيةً مهما حدث..
“مع السلامة يا أبوي”..قالتها بغصة يملؤها الآسي، و كم تمنت أن تستمع منه و لو كلمة واحده يطيب خاطرها بها إلا أنه خيب ظنها به كالعادة حين قال بنبرة محذرة..
“إياكِ يوصلني شكوة واحدة منِك.. يوصلني خبرك و لا يقولولي كلمة بتك قليلة الرباية دي مرة تانية يا سلسبيل.. فاهمة يا واكلة ناسك”..
” أتمنى يا أبوي.. أتمنى يجيلك خبري ساعتها أنا اللي هرتاح”.. غمغمت بها و هي تسير بجوار “عبد الجبار” الذي أطبق عينيه بقوة بعد جملتها هذه الذي اعتصرت قلبه.. ” جبر يلم العفش”.. قالها” عبد الجبار ” و هو يلقي نظرة أشمئزاز أخيره على” قناوي”.. بينما” سلسبيل” شهقت بصوت خافت حين شعرت بيد”عبد الجبار” تضع حولها عباءته، و يتحدث بصوته الصلب بنبرة أمره..
” متقلعهاش واصل”..
أمسكت طرفيها تضمهم عليها بيدها بصمت، فعباءتها كانت ملطخة بالوحل و المياه التي جعلتها لاصقة بجسدها..ظلت خافضة رأسها لم تستطيع النظر له من شدة خجلها،
حتى وصلوا للسيارة مرة أخرى و همت هي بالصعود لكنه اقافها حين قال..
“فاطمة هاتي خيتك و اقعدي چار چدتك”.. عملت من جملته هذه انه كان يري ما تفعله والدته بها منذ صعودهم السيارة،ضيقت “بخيتة” عينيها و رمقته بنظره مغتاظة، بينما تراقص قلب “سلسبيل” بفرحة غامرة من أهتمامه هذا الجديد عليها كليًا، و الأكثر من عبق رائحته التي تملئ عباءته، حواطتها و داعبت حواسها..
“تعالي يا خيتي جلبي عليكي “.. قالتها” خضرا” و هي تفتح ذراعيها لها، ارتمت “سلسبيل” داخل حضنها عالقة عينيها بتعب، فهي و النوم على وفاق حينما يأتي توقيت الهرب، لأول مره منذ سنوات طويلة تغرق بنومٍ أمن بعدما انطلقت بهم السيارة أخيرًا مغادرة البلد.. مرت ساعات ظلت” سلسبيل ” نائمة خلالهم تصارع كوابيسها الدائمة التي جعلتها تصرخ بفزع فجأة أكثر من مرة ، حتي شعرت بيد حنونه تربت على وجنتيها الظاهر عليهما أثار صفعات والدها..
“أصحى يا حبيبتي”..
رمشت بأهدابها أكثر من مرة، و نظرت حولها لم تجد سوي “خضرا”، و السيارة فارغة، ببنما” عبد الجبار” يقف خارج السيارة ينتظر خروجهما..
“إحنا وصلنا مصر يا أبلة خضرا!!!”.. ابتسمت لها “خصرا” مغمغمة.. “أيوه الحمد على السلامة.. نورتي مصر يا ست البنته”.. ” الله يسلمك يارب”.. نطقت بها “سلسبيل” بسعادة بالغة و هي تستند عليها و تغادر السيارة بخطي مترنجحة قليلاً أثر انفعالتها المتضاربة.. “ما تهمي يا حُرمة منك ليها علشان تچهزولنا الوكل”..
كان هذا صوت” بخيتة” الغاضب الواقفة بالشرفة التي تطل على حديقة المنزل الواسعة..
“همليهم يرتاحوا لول، و الوكل چاي في الطريق يا أمة..متشليش هم واصل”..
قالها “عبد الجبار” و هو يتجه لسيارة أخري كانت مغطاه بحديقة المنزل، و يقوم برفع الغطاء من عليها، و استقل مقعد السائق مكملاً..
” هوصل للشركة اطمن على الشغل”.. “متتأخرش علينا يا أخوي..هنستناك على الوكل”..
أردفت بها” خضرا “بنبرة راجية، و هي تتنقل بنظرها بينه و بين والدته التي ترمقهم بنظرات ثاقبة.. “متقلقيش هعاود طوالي”.. قالها وهو يتحرك بالسيارة لخارج المنزل.. هنا ابتسمت “بخيتة” ابتسامة خبيثة، و تحدثت بأمر قائلة..
” خضرا شهلي و نضفي البيت الا التراب ياما.. حركي جتتك اللي شايلة لحم دي”..
صمتت لوهلة و تابعت بجحود قائلة..
“عارفة تتخني و تشيلي لحم زي البهيمة اللي بنعلفوها للضحية، و منتيش عارفة تشيلي حته عيل يشيل أسم ولدي”.. جملة أصابت “خضرا” بمقتل، جعلتها تسمرت محلها تحملق فيها بأعين تحجرت بها العبرات، و قد شعرت أن الدنيا تدور من حولها، و سقطت فجأة مرتطمة بالأرض الصلبة مغشيًا عليها .. ” أبلة خضراااااا”.. الفصل السادس..
جبر السلسبيل..
✍️نسمة مالك✍️..
تطاير الغبار عقب انطلاق سيارة “عبد الجبار” عاكسًا غضبه عليها، بعدما هاتفته ابنته الكبري لتخبره ببكاء أن والدتها فقدت وعيها و لم يستطيع أحد أفاقتها، كان قد وصل للتو لمقر شركته، و قبل أن يخطو لمكتبه الزجاجي الفخم، أتاه هذا الإتصال الذي أسقط قلبه أرضًا فهرول عائدًا لسيارته و قاد بها بأقصى سرعة.. نجا من حادث سير بأعجوبة بعدما تمكن من السيطرة على المقود، و أخيرًا صف السيارة أمام باب منزله و قفز منها حين لمح “سلسبيل” جاثية على ركبتيها بجوار “خضرا” الملقاه أرضًا تحاول أفاقتها..
“خضراااا”
قالها و هو يقطع المسافة الفاصلة بينهما راكضًا، و مال على زوجته يتفحصها بلهفة مرددًا بفزع..
“أيه اللي حُصل!!! “..
زمجر بشراسة مكملاً و هو يتنقل بنطره بين “سلسبيل” و “بخيتة” التي هبطت الدرج، و تقترب عليهم مستندة على عصاها الخشبية،
“مالها مَرتي يا أمه”.. “مخبراش يا ولدي.. هي وقعت لحالها أكده”..
نطقت بها “بخيتة” ببراءه مصطنعة، و من ثم تابعت بشهقة و هي تراه يستعد لحملها..
“يا مُري أنت هتلفحها كيف بچيتتها المفشولة دي.. تقطم ضهرك يا ولدي”..
“و بعدهلك عاد يا أمه”.. قالها بغضب، و هو يضع يد حول خصر زوجته، و يده الأخرى أسفل ركبتيها و حملها على ذراعيه بمنتهي الخفة، كأنها لم تزن شيئًا أمام نظرات “سلسبيل” المنذهلة، فتحت فمها ببلاهة عندما رأته يستقيم بها واقفًا، و سار بخطوات ثابتة لداخل المنزل، لم يضعها على أقرب اريكة كما ظنوا، بل اتجه لغرفتهما الخاصة بالطابق الثاني، “عيني عليك يا ولدي و على حمولتك التقيلة”..
أردفت بها “بخيتة” و هي تصعد خلفهما، و خلفها”سلسبيل” التي تعض على شفتيها بغيظ منها مرددة بصوت خفيض..
“حرام عليكي يا وليه بقي.. بطلي كلامك اللي زي السم دا يا شيخة”..
“شخشخت ركبك يا عفشه يا بت المركوب”..
قالتها و هي تلتفت لها، و ترفع عكازها تنوي ضربها به كعادتها إلا أن” سلسبيل” فرت راكضة حتي تخطتها و احتمت ب “عبد الجبار” صارخة..
“حوشها عني ونبي يا سي عبد الجبار”.. “كفياكِ يا ااااااامه”.. قالها و هو يضع زوجته على الفراش بتمهلٍ، و جلس بجوارها محتضن وجهها بين كفيه، يربت على وجنتيها برفق مغمغمًا..
“خضرا.. فوقي يا غالية.. أني سيبك زينة.. أيه اللي چرالك”..
كانت “سلسبيل ” تطلع لهما بابتسامة حالمة، معاملته لزوجته راقتها كثيرًا، أطبقت جفنيها بعنف حين داهمتها إحدي ذكراها البشعة برفقة زوجها القاسي الذي كان إذا رآها مُتعبة زاد تعبها و ألامها بقسوته، و يده التي لم تري منها سوي الصفعات.. ” أمه مالها يا بوي!! “.. كان هذا صوت” فاطمة” ابنته التي تحتضن شقيقتها الصغري، و يبكيان بنحيب، فقتربت منهما “سلسبيل” و ضمتهما لها، و بدأت تبكي هي الأخرى..
أنتصب “عبد الجبار” واقفًا و أسرع نحو طاولة الزينة أخذ زجاجة عطر من عليها نثر منها على باطن يده بغزارة و عاد مرة أخرى بجوار زوجته و هو يقول..
“متبكيش يا فاطمة ..بطلي بُكي يا حياة..خدي خيتك يا فاطمة و روحوا على أوضتكم، و أمكم هتفوق و هتبقي زينة دلوجيت “..
انصاعت الفتاة لحديث والدها في الحال، و ظلت “سلسبيل” واقفة مكانها تتابع هذا الرجل الذي لم تري في حياتها مثل رجولته من قبل..
“عبد الچبار”.. همست بها “خضرا” و هي تجاهد لفتح عينيها..
” أني أهنه يا غالية.. فوقي متخلعيش جلبي عليكي”..
قالها و هو يميل على جبهتها، و يلثمها بقبلة مطولة مكملاً..
“فتحي عيونك يا خضرا خلي الروح ترد فيا عاد”.. انبلجت ابتسامة على ملامح” سلسبيل ” الباكية، رغم شعور الحسرة الذي ينهش قلبها على حالها، و ما مرت و ما زالت تمر به.. بينما “خضرا” استعادة وعيها بعدما شعرت بلهفة ، و لمسات زوجها الحانية، و عبقه الذي يغمرها، و ذراعيه التي تحاوطها بحماية..
“عبد الچبار “.. قالتها هذه المرة بتقطع من بين شهقاتها بعدما انفجرت باكية ببكاء مرير و هي تتذكر كلمات “بخيتة” التي جرحت قلبها بسكينٍ بارد.. لم يفكر “عبد الجبار” مرتين و هو يخطفها داخل صدره بعناق محموم أمام الجميع، خاصةً “بخيتة” التي جحظت عينيها، و لوة فمها للجانبين أكثر من مرة مرددة بغضب..
“اتحشم في وچودي يا ولد”.. “وه.. اتحشم ليه يا أمه.. أني في أوضة نومي، و دي مَراتي!!!!”..
أردف بها ببرود، و هو يربت على ظهر زوجته صعودًا و هبوطًا،
رمقته “بخيتة” بنظرة حارقة، و غادرت الغرفة بأكملها و هي تسب و تلعن بسرها، شعرت “سلسبيل” بالحرج، فتنحنحت و هي تسير بخطي مسرعة نحو باب الغرفة أمسكته تسحبه خلفها و هي تقول..
“احححم.. سلامتك يا أبلة خضرا”.. “تسلمي من كل رضي يا خيتي”..
قالتها” خضرا ” و هي تبتعد بخجل عن أحضان زوجها الذي أبي تركها، بل أنه جذابها عليه، و رفعها قليلاً أجلسها على قدميه، و قام بلف ذراعيها حول عنقه مستندًا بجبهته على جبهتها و هو يقول..
“قوليلي مين زعل ست الناس”..
قبل أرنبة أنفها، و وجنتيها قبلات متفرقة جعلت أنفاسها تتلاحق، و تابع مستفسرًا..
“أنتي متغميش أكده إلا لو حاچة واعرة زعلتك”.. كان هذا المشهد الحميمي تراه “سلسبيل” التي لم تغلق باب الغرفة بالكامل، تيبست محلها كمن فقدت الحركة تتابعهما بدهشة و عدم تصديق لما تراه، و كأنها أمام إحدي أجمل، و أروع الأفلام الرومانسية على الإطلاق.. “هزعل كيف و أنا مَراتك يا عبد الچبار.. يكفيني شوفتك يا أخوي اللي بتشفي جلبي حتي لو فيه ميت شق”..
همست بها “خضرا” و هي تطلع لعينيه بنظرة يملؤها الحب، و العبرات معًا،
أهداها “عبد الجبار” ابتسامته النادرة قبل أن يميل عليها بوجهه ويلتقط شفتيها بين شفتيه بقبلة شغوفه و هو يميل بها على الفراش ليعالج جروحات قلبها بطريقته الخاصة.. كتمت” سلسبيل ” شهقة قوية، و أغلقت الباب بمنتهي الحرص و فرت راكضة من أمام الغرفة، دلفت لداخل حمام كان بابه مفتوح، اغلقته خلفها مستنده عليه بظهرها، و وضعت يدها على قلبها لعلها تهدأ من عنف دقاته محدثة نفسها بذهول..
“معقول دا يبقي أخوك يا عبد الرحيم!!!!”.. ……………………………………….. لا حول ولا قوة الا بالله 💐…
بعد حوالي ساعتين.. جلس الجميع حول مائدة الطعام بأمر من الذي يرأسها “عبد الجبار” بعدما كانت “بخيتة” تعترض على جلوس “سلسبيل” معاهم، كانت ملامحه عابسة بشدة، نظره مصوب تجاه والدته التي تأكل بشراهه غير مبالية لنظراته.. انتظر حتي فرغت من طعامها، و همت بالقيام، إلا أنه أجلسها ثانيةً حين قال بصوت أجش..
” أمه.. يفرقلك زعلي يا أمه؟ “.. تطلعت له “بخيتة” بلهفة و هي تقول..
“و لا زعل حد واصل يفرقلي غيرك يا ولدي”..
“يبقي متزعليش مَراتي”..قالها بنبرة راجية، و صمت لبرهةٍ و تابع بهدوء..
“اللي يزعل خضرا.. كأنه زعلني تمام ،و أنتي خابرة زين أن زعلي واعر قوي يا أمه”.. كانت” سلسبيل ” تتابع حديثهم بقلب يتمزق، دون إرادتها تقارن أفعال زوجها الحمقاء معاها، كان لا يشغله زعلها و قهرة قلبها من أفعال والدته، بل كان يشجعها على اهانتها، و يضربُها سويًا،لم يدافع عنها و لو لمرة واحدة طيلة فترة زواجهما، ” حاضر يا ولدي.. اللي رايده هو اللي هيُحصل”..
نطقت بها “بخيتة” من أسفل أسنانها، و هي ترمق “خضرا” بنظرات كالسهام القاتلة..
تنهد “عبد الجبار” براحة مغمغمًا..
“و سلسبيل يا أمه؟! “..
هنا تهللت أسارير تلك الحزينة بفرحة غامرة، و رفعت رأسها تنظر له بابتسامة ممتنة، لكنها تلاشت سريعًا حين ثارت”بخيتة” بصوت غاضب قائلة..
” ملكش صالح بهبابة.. لما تبجي مَراتك تبجي تتحدد، و تدافع عنِها..غير أكده ملكش صالح بيناتنا”.. هب “عبد الجبار ” واقفًا، و تحدث بنفاذ صبر قبل أن يسير من أمامهم..
“أني مشاغلي ياما يعني معوزش وچع دماغ، و لا فاضي لحديت الحريم الماسخ ده يا أمه”..
“خليك بمشاغلك يا ولدي.. و متشيلش هم من چهتنا واصل”..
أردفت بها” بخيتة ” بابتسامة مصطنعة، و هي تتنقل بنظرها بين “خضرا، سلسبيل”.. كانت نظرتها الخبيثة كفيلة بسحب الدماء من عروقهما.. …………………………………….صلِ على الحبيب 💐….. مر أسبوع على وجود “سلسبيل” بمنزل “عبد الجبار” شعرت خلاله بالأمان الذي غاب عنها له سنوات، عرفت معني الراحة و السكينة التي حُرمت منها، أصبحت مقبلة على الحياة بعدما كانت تبغضها، و تتمني الموت لعله يكون رحيم بها عن ما تعيشه من عذاب على يد والدها، و حماتها شديدة الطباع،
كانت “بخيتة ” هادئة تلك الفترة حتي لا تغضب ابنها منها بعد ما فعلته بزوجته، هدوءها هذا تحفظه “سلسبيل” عن ظهر قلب، تعلم جيدًا أنها الآن كالنيران أسفل الرماد، و لن يدوم صمتها هذا طويلاً، و ستعود كما كانت و أكثر، لم يشغلها ما تنوي عليه “بخيتة” معاها، كل ما يشغلها حاليًا هذا العملاق، صاحب الملامح الغاضبة دومًا، صوته الأجش، هيبته التي ترتجف منها الأبدان، عينيه الثاقبه، نبرته الحادة، و مع كل هذا يمتلك قلب طفل حنون يغمر زوجته حُب صادق لم تري مثله بحياتها من قبل،
كل ثانية تلمح طيفه بها يزداد عشقه بقلبها المُتيم به أضعاف مضاعفة فوق عمرها، تلجم نفسها بصعوبة بالغة عنه، عينيها التي ترمقه بنظرات هائمة بين حين وآخر، و هو حتي لم يرمقها بنطرة خاطفة،يتجاهلها عن قصد، و إن أراد أن يصل لها أي شيء يكون عن طريق زوجته “خضرا”.. “قومي قامت قيامتك”.. هكذا أستيقظت “سلسبيل” على صوت “بخيتة” التي تنغزها بعكازها بعدما سحبت من عليها الغطاء و ألقته أرضًا، و تابعت بأمر..
“قومي نضفي الدوار، و چهزي الوكل قبل ما سيد الدار يقوم”..
تأوهت “سلسبيل” بألم و هي تنظر تجاه النافذة فوجدت الليل مازال يخيم، و لم تشرق الشمس بعد..
“بتصحيني و الشمس لسه مطلعتش حتي!!!! “.. لكمتها “بخيتة” لكمة قوية مدمدمة..
“ليكي سبوع واكله.. شاربة.. نايمة.. أيه نسيتي أصلك ولا فاكرها وكل و مرعي وقلة صانعة.. قومي همي وراكِ شغل ياما”.. تحاملت “سلسبيل” على نفسها، و غادرت الفراش بتكاسل، لتدفعها “بخيتة” خارج الغرفة بعكازها، شهقت” سلسبيل ” حين وقعت عينيها على المنزل الذي انقلب أثاثه رأسًا على عقب، و المياة تغرق السجاد الموضوع فوق بعضه..
قامت” بخيتة ” بمسك زجاجة من سائل التنظيف، و سكبتها فوق السجاد، و القت لها فرشاة و تمتمت بجحود..
“همي اشتغلي بالقمتك”.. الفصل السابع..
جبر السلسبيل..
✍️نسمة مالك✍️.. في تمام الساعة السابعة صدح صوت رنين الهاتف أزعج “عبد الجبار” الذي لم يُنعم بالنوم و لو للحظات قليلة، طيلة الليل يجلس على فراشة بجوار زوجته التي تغص بنومٍ عميق، شارد الذهن لم يتوقف عقله عن التفكير بتلك ال “سلسبيل” ..
هو رجل تزوج زواج تقليدي منذ ما يقرب الأثني عشر عام، كان وقتها شاب صغير ببداية العشرينات، منهمك بالعمل مع والده، و لا يشغله شيئًا أخر سواه، حتي تزوج “خضرا” التي كانت فتاة بعمر الزهور، صاحبة الخامسة عشر عام، لكنها كانت و مازالت نعمة الزوجة الصالحة رغم صغر سنها، يعترف لها و لنفسه أن قلبه يكن لها كل حُب، تقدير، إحترام، و لكن للأسف الشديد هو مثل باقي جنسه يمكن أن يتسع قلبه لأكثر من أثني في وقتٍ واحد، أما المرأه لا و لن يمتلك قلبها إلا رجل وحيد، يكن هو الحياة بالنسبة لها..
ولهذا يمكن أن نقول صُرح للرجال بتعدد الزوجات، و بعدما استطاعت تلك الصغيرة بنظرتها الحزينة التسلل لداخله حتي لمست أوتار شديدة الحساسية بأعماق قلبه، كل نظرة ترمقه بها كان يرها جيدًا برغم عدم اللامبالاة التي تحتل قمساته الصارمة،فهو بارع في إخفاء مشاعره إلى حدٍ كبير.. شروده بها و بأدق تفاصيلها جعله غير منتبه لتلك الضوضاء التي فعلتها “بخيتة” منذ بكرة الصباح، فاق من شروده على صوت هاتفه الذي صدح صوته مرارًا و تكرارًا.. تأفف بضيق عندما لمح اسم المتصل، و ضغط زر الفتح مغمغمًا..
“رايد أيه يا قناوي على الصبح!!! “..
ضحك الأخر بسماجة و هو يجيبه قائلاً بفرحة ملئت صوته..
“كل خير يا كبير.. أني بستأذنك اچي بكرة أخد بتي و أعاود على الصعيد”.. ارتجف هذا الخفاق بين ضلوعه فور سماعه جملته، و قد توقع السبب وراء فرحته هذه، لكنه تحدث بهدوء رغم الضجيج الذي بداخله..
” في حاچة حُصلت و لا أيه!”.. “أيوه.. سلسبيل متقدم ليها أبو شاهين بيه، و أني وافجت، و هاچي أخدها لأجل ما تچهز لكتب كتابها”..
هكذا أجابه بمنتهي البساطة غير عابئ لذلك الغاضب الذي أوشك على الانفجار فيه و سبه بأفظع الألفاظ..
كور قبضة يده بقوة، و كم تمني لو يكون أمامه الآن لكان لقنه درسًا قاسيًا لن ينساه بحياته، و لكن عوضًا عن ذلك رسم ابتسامة زائفة على محياه الغاضبة مدمدمًا..
” اممم.. أبو شاهين اللي أكبر منِك رايد يتچوز
بتك، و أنت اللي وافقت عليه!!!! .. وماله يا قناوي.. أني مستنيك بكرة إن شاء المولى”..
قالها و أغلق الهاتف بوجهه دون انتظار رد منه، اصطك على أسنانه بغيظ محدثًا نفسه بصوت خفيض..
“شكل موتك هيكون على يدي يا قناوي يا وش الخراب أنت”..
“أني سمعت صُح.. أبو شاهين تاچر السلاح اللي في بلدنا طلب يد سلسبيل يا عبد الچبار!!!! “..
أردفت بها” خضرا” بذهول و هي ترمش بأهدابها، و تعتدل جالسة بجواره.. “أيوه يا خضرا.. سمعتي صُح”.. قالها ببرود يُحسد عليه، و غادر الفراش متجه نحو الخزانة جلب منها ثياب له، و تابع بهدوء أدهش زوجته..
” أكده مبقاش ليها قعاد اهنه”.. شهقت ” خضرا ” بخفوت و ضربت على صدرها بكف يدها متمتمة.. “هتكرشها من بيتك بعد ما قولت أنها بقت في حمايتك ؟! “..
” چري أيه يا خضرا.. لساكِ غريبة عن رچلك و لا أيه.. من مِتي و عبد الچبار المنياوي يدير ظهره لمخلوق طلب حمايته”.. هدر بها بصوت هادئ لكنه لم يخفي غضبه المشحون.. هرولت “خضرا” تجاهه حتي اقتربت منه ووقفت أمامه مباشرةً، و مالت على صدره قبلته بحب متمتمة بنبرة راجية..
” حقك عليا يا خوي.. مقصدش أظن فيك ظن عفش والله.. أني قصدي استفهم منِك”.. أخذ” عبد الجبار ” نفس عميق زفره على مهلٍ و هو يقول..
“هفهمك قصدي يا أم فاطمة..مش قولتلك أني وصلت لعنوان أهل أمها؟ “..
“صُح يا خوي قولتلي.. بس أني مچبتش سيرة لسلسبيل واصل لتظن أني بقولها أكده لأجل ما تمشي من عنِدنا.. قولت اسيبها لما تسألني لحالها مرة تانية”..
أردفت بها بطيبة تشع من عينيها، تطلع “عبد الجبار” لها مدهوشًا، امرأة غيرها كانت لم تسمح لمكوث غريمتها ليلة واحدة بمنزلها، لكن حبها له و الذي يفوق حبه لأضعاف جعلها تفضله هو على نفسها..
لتبهره هي بطيبتها أكثر حين تابعت بصوت تحشرج بالبكاء قائلة..
” البنتة وچعة جلبي عليها قوي.. لساتها عود أخضر على الغُلب ده كله”..
صمتت لبرهةٍ و أكملت بنبرة مرتجفة..
“أني خابرة زين أن ربنا مريدش ليِ الخلفة مرة تانية.. و بقولك بنفس راضية اعقد على سلسبيل يا عبد الچبار و ربنا يرزقك منِها بالولد اللي بيتمناه جلبك يا خوي”.. حاوطها” عبد الجبار ” بذراعه مقربه له، و مال على جبهتها لثمها بقبلة مطوله و هو يقول..
” قولتها كلمة و مش هعيدها يا خضرا.. أني مش هتچوز عليكي.. أنتي متستهليش مني أكده أبدًا يا غالية “..
” خضرا” بابتسامة دافئة رغم عينيها التي ترقرقت بها العبرات.. ” يچبر خاطرك ربنا، و لا يحرمنيش منِك يا سيد الرچاله كلياتهم”.. “هتسبح أني على ما تچهزي الفطور”.. قالها، و هو يدلف لداخل حمام الغرفة، و تابع قبل أن يغلق الباب..
” خبريها أن أبوها چاي بكرة من البلد.. لو سألتك عن سبب مچيته قوليلها مخبراش.. أني هخبرها و لو لقيتها رافضة الروحة معاه وقتها هعطيها حقها في ورث أخوي و هوصلها لأهل أمها تفضل عنديهم “..
” خضرا” بأسف.. ” ولو أنها هتقطع بيا.. بس أكده أفضل ليها من أبوها القاسي اللي رايد يچوزها لتاجر سلاح أكبر من چدها”.. أغلق” عبد الجبار ” الباب، و بدأ يدور حول نفسه كالأسد الحبيس، يشعر بنيران تلتهم قلبه و روحه كلما تخيل أنها من الممكن أن تكون زوجه لرجل غيره،هذا هو العشق تخشى عليه عندما تشعر أنه سيذهب بعدما عثرت عليه أخيرًا .. تتمني أن يظل نوره مشرق وأنت برضا تغرب …
فما العشق إلا سرًا متى اعترفنا به يُعذب…
خلع ملابسه بعنف كاد أن يمزقها، و همس بأسمها بصوته الحارق ذات الحنين المتأوه..
“سلسبيل!!”.. ……………….صلِ على الحبيب 💐……… “بخيتة” تلك القاسية، عديمة الرحمة و الإنسانية تجلس على مقعد بمنتصف المنزل مستندة بكلتا يديها على عصاها الخشبية تتابع “سلسبيل” التي تلتقط أنفاسها المتهدجة بصعوبة بالغة أثر المجهود الشاق التي تقوم به، تناثرت حبيبات العرق على وجهها الشاحب، و قد أغرقت المياه ثيابها بأكملها، بدأ التعب يتمكن من جسدها الهزيل، حتي أصبحت تترنجح بوضوح رغم أنها لم تكن واقفة بل جاثية أرضًا فوق السجاد المبتل..
“يا مُري عليكي يا خيتي”.. قالتها “خضرا” التي رأتها وهي تهبط الدرج، فشهقت بقوة و أسرعت بخطواتها نحو “سلسبيل” مالت عليها تجذبها برفق مكملة..
“ليه يابتي تتعبي حالك أكده”… قطعتها “بخيتة” بخفوت قاسٍ..
“همليها.. ملكيش صالح بيها يا خضرا”.. رمقة “سلسبيل” نظرة محذرة و تابعت بأمر..
“خفي يدك شوي و كفياكِ مرقعة.. لساتك هتچهزي الوكل”..
قالتها “بخيتة” بحدة و هي تضربها بالعصا بعنف على أخر ظهرها، ضربة قوية تحملتها” سلسبيل ” كعادتها، و لم تبدأي رد فعل، بل ظلت جاثية تتابع ما تفعله بصمت و هدوء مريب..
“أيه اللي بيُحصل ده!!!”..
كان هذا صوت “عبد الجبار ” الذي صُدم من هول المنظر، و قطع المسافة بينه و بينهم في عدة خطوات حتي توقف بهيبته، و طوله الفارهه أمام تلك الجاثية التي رفعت رأسها و نظرت له بلهفة فشلت في اخفاءها تستجديه كعادتها أن يجبر تلك الكسور التي هشمت ضلوعها.. ” أرمي المحروق اللي في يدك ده و جومي يا سلسبيل”..
قالها بنبرة صارمة لا تحمل الجدال،و من ثم نظر ل”بخيتة” و تابع بصوت أجش..
“من مِتي و إحنا بنبهدل بنات الناس عنِدنا أكده يا أمه!!!”..
ضحكت “بخيتة” ضحكة ساخرة و تحدثت بجحود قائلة..
“بنات ناس!!!!”..
رفعت عكازها، و همت ضربها به للمرة التي لا تعلم عددها، لكن يد “عبد الجبار” كانت أسرع، و بعده عن “سلسبيل” التي تستمع لحديثها بملامح جامدة..
” و هي دي بت ناس.. اللي أبوها چابها لحدِنا متربطة يد في رچل زي الكلب الچرب تبقي بت ناس!!!!”..
كلماتها كانت مؤلمة اكثر من ضربات العصا، نحرت قلبها كالخنجر المسموم على حين غرة، فلم تعد تتحمل أكثر من هذا، صرخت بألم حاد و هي تلقي الفرشاة من يدها بغضب، و تطلعت لها و قد فاض بها الكيل، فتوهجت الجمرتين بعينيها و دون وعي منها انفجرت بنوبة صراخ مقهور مرددة..
” بتعملي فيا كده ليييه.. عملت فيكي اييييه.. أنتي اييييييييييييه مبتخفيش ربنا..حرام عليكي… حرررررررررام عليكي.. يارب أموت و أرتاح منك.. ربنا ياخدني و يريحني منك”..
صرخاتها كانت مفزعه ، تقطع نياط القلوب، فأسرعت “خضرا” بضمها لصدرها لكنها لم تستطيع السيطرة على حركاتها الهستيرية،
خاصةً حين بدأت رتجف بشكل ظاهر، تحول إلى انتفاضات أشبه بالذعر سريعًا ما أرتمت أرضًا و أصبحت تتشنج و تنهش جسدها بأظافرها تاركة عليه جروحات ليست بهينة..
هنا هرول عليها”عبد الجبار”، و بلمح البصر كان حملها بمنتهي الخفة من خصرها أجلسها ثانيةً و جثي خلفها على ركبتيه، وحاصرها بين ذراعيه، ظهرها مقابل صدره، يد تمسك يديها بأحكام، و يده الأخرى ضاغطة على قدميها ببعض القوة حتي شل حركاتها تمامًا، ارتخي جسدها بين يديه، و سقطت رأسها علي صدره تبكي و تأن بضعف أدمي قلبه عليها جعله دون أرادته يزيد من ضمها و لصقها به بشدة حتي أختفت بين ضلوعه، و ها قد دق ناقوس الخطر..
الفصل الثامن..
جبر السلسبيل..
✍️نسمة مالك✍️.. حابة أقولكم حاجة قبل ما تقروا الحلقة، كل كومنت أو ايموشن بتتفاعلوا بيه أنا بقراه حتي لو مش بقدر أرد عليكم كلكم،،شكراً جداً يا حبايبي على كومنتاتكم الجميله و ريفيوهاتكم اللي بتلمس قلبي و بتحمسني انزلكم الحلقة يوميًا.. اسيبكم مع البارت.. الإعتراف بكسر قلب في هذا الزمان قوة لا يستهان بها.. بالعادة نجد المبررات الكافية لنتبرأ من تلك الحواف الحادة للذنب، خاصةً إذا صادفنا من بستطاعته جبر هذا القلب، و إنقاذه من الغرق بشتات العالم..
تجمّدت “سلسبيل ” بين يديه الضخمة التي تحتويها بحماية و أمان لم تشعر به طيلة حياتها، رغم أنه كان ضغطًا على جسدها الصغير بقوة زادت من ألم عظامها التي لم تشفي بعد من أثار الضرب المبرح الذي تعرضت له على يد والدها، بَدت هادئة بالنسبة لهم عندما رؤها ساكنة بين ذراعية بلا حراك هكذا، لكنه و للعجب لم يبتعد عنها، لم يفك قيده من حولها، ظل على وضعه هذا محتضنها داخل صدره بشدة غير عابئ لنظرات الدهشة على ملامح زوجته التي تتابعه بأعين تحجرت بها العبرات بعدما رأت لهفته عليها، لمعة عينيه و هو يتطلع لتلك المكومة داخل صدره العريض،
هنا أيقنت أنه يريد “سلسبيل” قلبًا و قالبًا، لكنه يلجم نفسه عنها لخاطرها هي، الأمر لم يظل هادئ هكذا إلا دقائق معدودة، و فجأة جحظت أعين “خضرا” على أخرهم و هي تري مدي تطور حالة “سلسبيل” حتي أصبحت يرثي لها بعدما قطعت “بخيتة” الصمت مردفة بقسوة..
“بعد عنِها يا عبد الچبار بت المحروق دي لتوسخ خلاجتك بخلجتها المطينة.. خليها تخلص تنضيف الدار و بعد أكده تغور في داهيه بلا راجعة”.. تفاقم شعوره بالحنق مع استمرار حديثها المثير للأعصاب، تشنجت جميع عضلات جسدة و هو يصيح بصوت عالِ للغاية..
“كفااااايكِ يا أمه!!!!”..
” ليكي حق تعملي فيا أكتر من كده.. ما أنا مليش ضهر و لا سند يجبلي حقي منك”..
همست بها” سلسبيل ” و هي تجاهد لألتقاط أنفاسها المتلاحقة، كسر قلبها كان ألمه لا يحتمل هذه المرة، جعل نبضاتها تتباطئ، عيناها تشخصان، أزرقت شفتيها،انخفضت درجة حرارة جسدها حتي أصبحت باردة كقطعة الثلج، بينما جسد ذلك العملاق متوهج بنيران بركان قوي أنفجر للتو من داخل قلبه..
” يا مري الحق يا عبد الچبار.. دي بينها قطعت النفس”..
صرخت بها “خضرا” و هي تري شحوب “سلسبيل” الذي يزيد و يتدافع،رغم أنها لم تفقد وعيها، إلا أن وضعها ساء لدرجة صدمتهم جميعًا معادا تلك القاسية، و قد ظنو أنها تحتضر..
“لو تهملني عليها يا ولدي.. أنزل علي نفوخها بعكازي أفوقها بيه وقتها هتقوم زي القرد تتنطط تنطيط”..
قالتها” بخيتة ” وهي ترفع عصاها، و همت بإنزاله على رأس “سلسبيل” إلا أن يد “عبد الجبار” قبضت عليه و جذبه منها لكمه بعنف في الأرض الصلبة حتي هشمه، و من ثم حمل “سلسبيل ” بين يديه، واضعًا يد حول خصرها، و الأخرى أسفل ركبتيها، و أنتصب واقفًا بها.. مرت لحظات من الصمت.. إلى أن قال بتجهم بث فيها الكثير من الريبة.. “عبد الجبار المنياوي مهيسمحش لمخلوق يهين حد بداره !! “..
أوقفته “خضرا” عن إكمال حديثه، قائلة بشجاعة..
“و خصوصًا اللي هتبجي مَراته!!!!”..
ساد الصمت ثانيةً، تطلع لها “عبد الجبار” بصدمة، لتهرول هي تجاهه و تمد يدها أمسكت يد “سلسبيل” التي لم تبدي أي رد فعل، تنظر للفراغ بأعين شبه مغلقة، و كأن روحها غادرت جسدها،.. ربتت عليها بحنو، و رسمت ابتسامة دافئة تخفي بها دموع عينيها مكملة..
“أني دلوقتي اللي بترچاك تتچوز” سلسبيل ” يا عبدالچبار”.. في وقت الضعف نقدم تنازلات تحت تأثير العاطفة، نتخذ قرارات مصيرية بلحظة اندافع، لا نعلم ما يمكن أن يترتب على عواقبها فيما بعد..
………………………………. لا حول ولا قوة الا بالله 💐…… بغرفة” سلسبيل ”
تجلس” خضرا ” بجوارها على الفراش، محتضنه رأسها و تبكي على حالها بنحيب بعدما رأت جسدها المشوة من عنف الضربات الدامية التي تعرضت لها، كانت “سلسبيل” مسطحة لا حول لها ولا قوة أثناء الكشف عليها من قبل طاقم طبي أحضره “عبد الجبار” عبر الهاتف،
“جلبي عليكي يا خيتي”..
قالتها و هي تقبل جبهتها، و تمسح على شعرها برفق مكملة..
“متخفيش.. هتبجي زينة يا حبيبتي”..
“أبلة خضرا”..
همست بها “سلسبيل” بصوت مرتجف، لتجيبها “خضرا” على الفور بلهفة.. “أؤمريني يا بتي”.. ظهرت شبة ابتسامة على ملامح” سلسبيل”، و نظرت لها نظرة امتنان بعينيها الذابلة مدمدمة بهمس مُتعب..
“أنا مستحيل أتجوز جوزك و أوجع قلبك.. دا أنتي الوحيدة في الدنيا دي اللي حنيتي عليا و ختيني في حضنك.. مستحيل أقل بأصلي معاكي”.. إزداد نشيج “خضرا” و أجهشت ببكاء مرير، لتكمل “سلسبيل” ببوادر بكاء..
” أنا بشكرك من جوة قلبي على طيبتك اللي ملقتش زيها في الدنيا القاسية دي بعد موت أمي”..
أبتلعت لعابها بصعوبة و تابعت بتنهيدة، و هي تغلق عينيها هاربة من واقعها كالعادة بالنوم..
” أنا هدور على أهل أمي، و همشي من هنا في أقرب وقت”.. أمام باب الغرفة..
يسير” عبد الجبار “ذهابًا و إيابًا ينتظر خروج الأطباء من عندها بنفاذ صبر، كاد أن يفقد عقله من شدة قلقه عليها، غافلاً عن أعين بخيته التي تتابعه من بعيد بفرحة غامرة محدثة نفسها بإنتصار..
” جولت هچوزك على خضرا بت نفيسة،و صدقت في جولي يا أبن المنياوي”..
بدأت تصفق و تدندن قائلة.. “أتمشي ليه ورايا.. وإيه قصدك معايا إن كنت عايز تخطبني .. شيّع لي أمك تخطبني أبويا واعر يضرُبني .. لو عرف الحكاية»”.. الفصل التاسع..
جبر السلسبيل…
✍️نسمة مالك✍️.. انقبض قلب “عبد الجبار” حين رأي ملامح الطبيب المتأثرة فور خروجه من غرفة “سلسبيل” برفقة الطاقم الطبي الخاص به، يبدو أن حالتها تُبشر بخطر قادم، يخشي حتي أن يتوقعه فأوهم نفسه أنها لربما تزيد من دلالها حتي ينتبه لها، و يكف عن التظاهر بتبلد مشاعره تجاهها..
غير مدرك أنها لا تفقه أي شيءٍ عن الغنچ، كانت القسوة تحاوطها من كل جانب أنساتها أنوثتها..
تتغلل بداخلها أمور موجعة، تراكمت بأعماق قلبها يومًا بعد يوم حتي أصبحت قاتله.. وقف أمام الطبيب بملامح صلبه، جامدة و قد تفنن في إخفاء فزعه، و ارتعاد قلبه عليها، حل الصمت للحظات قبل أن يتحدث الطبيب قائلاً بأسف..
“مخبيش عليك يا عبد الجبار بيه الهانم الصغيرة حالتها مطمنش أبدًا!!!”.. ساد الصمت ثانيةً، فقال “عبد الجبار” بنفاذ صبر..
“اتحدد طوالي يا دكتُور الله يرضى عنِك”..
“واضح أنها اتعرضت لعنف شديد لفترات طويلة أدى لشروخ في معظم ضلوعها، و جروح في جسمها كله تقريبًا، و متعلجتش بطريقة صحيحة منهم و دا مسبب لها ألم شديد جدًا حاليًا خصوصًا شرخ الضلع دا لو متعلجش صح بيكون ألمه أقوي من ألم الكسر”.. صمت لبرهةٍ يلتقط أنفاسه و من ثم تابع..
” كمان لون شفايفها أزرق، بتغيب عن الوعي رغم المحاليل اللي في ايديها، نبضات قلبها بطيئة بدرجة تقلق و دي علامة غير مبشرة على الإطلاق.. علشان كده الأفضل أنها تتنقل المستشفى حالاً يا عبد الجبار بيه”..
حديثه هبط على سمعه كالصاعقة زلزلت كيانه كله دفعه واحدة،أنعقد لسانه و بخاطره يدور ألاف الأسئلة لم يحصل لهم على أي إجابة، رغم الضجيج و الصراع القوي الذي بداخله، إلا أن ملامحه هادئة، تنحنح بصوتٍ عالٍ كمحاوله منه لإيجاد صوته و هو يقول مستفسرًا..
” هي حالتها خطرة قوي أكده !!!”.. أومأ له الطبيب مردفًا بتحذير..
“و أي تأخير مش هيكون في صالحها.. فاسمحلي أكلم المستشفى تبعتلنا عربية أسعاف”..
كانت “بخيتة” تستمع لحديثهما بترقب، و حين وصل لسمعها الجملة الأخيرة اقتربت منهما و تحدثت بغضب قائلة..
“أسعاف أيه، و مستشفى أيه يا عبد الچبار.. قولتلك هي بقالها فترة على أكده.. تتنيها نعسانه يومين و بعدها بتفوق و بتبقي زي القردة”.. ” يعني كمان الحالة دي مش أول مرة تحصلها!!”..
أردف بها الطبيب مدهوشًا.. لتجيبه “بخيتة” بلا مبالاه..
“أِيوة.. حُصلت ياما قبل سابق و كنا بنهملها تفوق لحالها”..
نظر الطبيب ل” عبد الجبار ” الذي ينظر لوالدته بأعين منذهلة، عقله غير قادر على استيعاب أفعالها، و جحود قلبها، تقف بكل بجاحة و تخبرهم أن حالتها الخطيرة تكررت مرات متعددة، و هي على علم أنها سبب أساسي فيما يحدث مع تلك الصغيرة!!! رباه!!!!.. لقد وصل غضبه لزروته من قسوتها الجبارة فنفجر فجأة صائحًا..
“الرررحمة يا أمه أحب على يدك”.. نظر للطبيب، و تابع بأمر..
“أعمل اللي هيكون صالح ليها يا دكتور”.. الطبيب بتوتر من غضبه العارم.. “أمرك يا عبد الجبار بيه.. هكلم المستشفى يبعتوا الإسعاف حالاً”..
بينما هرول “عبد الجبار” تجاه غرفة “سلسبيل” تحت نظرات “بخيتة” المغتاظة، و طرق على الباب المغلق مرددًا بلهجة هادئة لم تخفي غضبه، و قلقه الظاهر بنبرته الحادة..
” چهزي سلسبيل يا خضرا”.. جملته وصلت لسمع” خضرا ” الجالسة بجوار تلك الغائبة عن الدنيا تبكي بصمت على حالها، أسرعت نحو الباب و فتحته بحذر، طلت له برأسها و أردفت مستفسرة..
“أچهزها لأيه يا خوي؟!”.. قبض على كفه بقوة عل قلبه يفهم إشارته و لا يفلت منه أي تأثرًا أو خوفًا و هو يجيبها..
” الإسعاف چاية في الطريق.. هننقلها المستشفي”..
أجهشت “خضرا” بالبكاء و هي تقول..
“تبجي حالتها خطرة.. يا جلبي يا خيتي..قولتلك البنتة قاطعة النفس يا عبد الچبار، و ماعوزاش تفوق واصل”.. “همي يا خضرا چهزيها على ما أغير خلجاتي و أعَود”..
قالها و هو يسير بخطوات واسعة نحو الدرج، كان سيره حثيثًا أقرب إلى الهرولة، لا يري أمامه من شدة إنفعالاته المتضاربة، صعد كل ثلاث درجات معًا حتي وصل لباب غرفته و دفعه بقوة، و دلف للداخل بأنفاس متهدجة.. رفع كلتا يديه و مسح على وجهه و شعره بعصبية مفرطة، و هو يدور حول نفسه مرددًا أسمها بلهفة..
“سلسبيل.. أيه اللي صابك يا حبة الجلب!!!”..
صدح صوت سيارة الإسعاف معلنة عن أقترابها، فقفز تجاه الخزانه، و جلب أول شيء وقعت عليه يده، و خلع جلبابه بلمح البصر، و ارتدي سروال أسود، و قميص أبيض، و حذاء كلاسيكي أسود،اندفع لخارج الغرفه راكضًا و هو يغلق أزرار قميصه ، و يرتدي حزامه الأسود الجلدي.. ” چهزتيها يا خضرا”.. قالها قبل أن يخطو لداخل الغرفة المفتوحة، حركت رأسها له بالايجاب، فحبس أنفاسه قبل أن يدلف للداخل،
أقبل عليهما بخطواته الواسعة ، كان القلق واضحًا على مرآي تعابير وجهه الغضوب، عينيه لم تنظر تجاه تلك الراقدة و لو بنظرة خاطفة رغم أنه أصبح واقفًا بجوار فراشها.. كان يثني أكمام قميصه لمرفقيه، خلع ساعته و أعطها ل “خضرا” فعلمت حينها أنه لن يدع أحد غيره يحملها.. أبتلعت غصه مريرة بحلقها، و أخذت منه الساعة وضعتها على طاولة صغيرة جوارها، و همست بتقطع من بين شهقاتها..
” أني مههملهاش.. هچي معاها يا عبد الچبار”..
تكلف “عبد الجبار” الابتسامة و هو يرفع رأسه و ينظر لها مغمغمًا..
“طول عمرك أصيلة يا ست الناس”.. “جاهزين يا عبد الجبار بيه؟”..
كان هذا صوت الطبيب صدح من خارج الغرفة.. لم يأتيه رد من “عبد الجبار” الذي كان يتطلع لزوجته بنظرة تفاهمتها هي جيدًا .. ينتظر موافقتها ليحمل” سلسبيل” بنفسه.. “هم يا خوي خلينا نطمن عليها”..
قالتها و هي تعدل من وضع” سلسبيل ” ليتمكن من حملها، و أخيراً استدار تجاهها، و هبط بعينيه حتي وقع نظره عليها، حينها تمزق قلبه لأشلاء عندما رأي مدي تطور حالتها للأعياء الشديد..
أخذ نفس عميق قبل أن يميل عليها ويحتويها بين ذراعيه، و يحملها بمنتهي الخفة كريشة يتخطفها الهواء، ارتخي جسدها البارد على عضلات صدره التي تنبعث منها دفئ صارد من نيران تتأجج داخل قلبه،رغم جمود و صلابة قسمات وجهه.. سار بها بخطي واثقه لخارج الغرفة، و من ثم لخارج المنزل بأكمله بجواره تسير “خضرا” متعمدة رفع رأسها بشموخ أمام نظرات “بخيتة” الساخطة.. فالمرأه بطبيعتها أكثر من الرجل استمساكاً بالقيم الأخلاقية،
كالغصن الرطب تميل إلى كل جانب مع الرياح، ولكنها لا تنكسر في العاصفة..
………………………………………صلِ على الحبيب 💐…. مرت ساعات طويلة بالمستشفى بين الكثير من الفحوصات الدقيقة، الأشاعات، التحاليل، فريق طبي كامل متكامل مشرف على حالتها بأمر من “عبد الجبار” الواقف أمام غرفتها مستند بظهره على الحائط عينيه تطلع للباب المغلق ينتظر على مضض خروج أي شخص يطمئن قلبه عليها و لو قليلاً، بينما “خضرا” تجلس على مقعد أمامه تتابع ما يحدث بقلب مرتعد، و نظرات مذعورة، تضرب على صدرها تاره، و على ركبتيها تاره، و تبكي تاره أخرى مرددة..
“يارب سلم.. يارب أقلبها مقلب سلامة”..
كان الجميع يعمل على قدم وساق، و قد صدح صوت الإنذار معلنًا عن حالة طوارئ حرجة، و تدافع طاقم أخر من الأطباء نحو غرفتها بحالة من التوتر و الأرتباك .. لهنا ولم يعد قادرًا على التحكم بأعصابة أكثر من ذلك، و انفجر صائحًا و هو يقبض على إحدي الأطباء أمسكه من تلابيبه..
“حد يرد على يقولي أيه اللي بيُحصل!!!”.. أجابه الطبيب على الفور بخوفٍ ظاهر.. “للأسف الحالة حرجة جدًا عضلة القلب متضخمة، و النبض ضعيف جدًا و لازم تدخل العناية حالاً”..
“يا مري..يا مري. يا مري”..صرخت بها “خضرا” و هي تطلم خديها، بينما وقف “عبد الجبار” بملامح جامدة، لم يبدي أي رد فعل سوي الصمت، الصمت التام، لينفتح باب غرفتها و خرجت “سلسبيل ” الممددة على سرير يدفعوه الأطباء بهرولة راكضين من أمام عينيه المتحجرة التي تتابعها بهدوء مريب، لتزداد صرخات “خضرا” أكثر جعلته يخطفها داخل حضنه دون أن ينطق بحرف واحد، يستمع لنواحها تردد بقلب يعتصر على تلك الصغيرة..
“اسم الله عليكِ ياللي الوچع كادك..مالك تشيل عينك تكب دموع ياريتني حكيم ومعايا دوا الموچوع”..
تطلعت لزوجها بقلب ملتاع على حالته، انهمرت العبرات من عينيها، و هي تشد أزره قائلة..
“هطيب بإذن المولي .. سلسبيل هتبقي زينة يا عبد الچبار و هتعقد عليها و تچيب منِها بدل الواد عشرة يا خوي”.. نظر لها كالتائهه فرفعت يدها و مسحت على جبينه بكفها مسحة حنان حين همس لها بخفوت بصوت يملؤه الألم..
“سلسبيل.. سلسبيل يا خضرا”.. الفصل ال10..
جبر السلسبيل..
✍️نسمة مالك✍️.. مر الوقت بثقل و بطء شديد،كان استعاد “عبد الجبار” رباطة جأشه سريعًا،عاد وجهه لصرامته، و قسماته
الهادئة بعدما تحكم في إخفاء مشاعره ببراعه يُحسد عليها،
رغم أنه يحيا ليلة من أصعب الليالي التي مرت عليه في حياته بأكملها، يتمزق قلبه وجعًا على تلك الصغيرة التي تصارع الموت داخل غرفة العناية المركزة ، منذ أول مرة رأها بها و التقت عينيه بعينيها حينها طار اللُب من عقله، انتفض قلبه انتفاضة جديدة عليه كليًا لأول مره يشعر بها، كأنها ألقت تعويذة سحرية عليه فخشي من تأثيرها الشديد الذي غمره أن يجعله يظلم “خضرا” صديقة دربه، رفيقة أيامه، صاحبة عمره، فقرر عدم الزواج منها، فما يربطه بزوجته أقوى من الحب،و لن يجازف بخسارتها حتي لو كلفه الأمر أن يفقد قلبه الذي عشق رغمًا عنه تلك ال “سلسبيل” ..
“الحمد لله حالتها بقت مستقرة يا عبد الجبار بيه”..
قالها الطبيب الذي خرج للتو من غرفة العناية، تنفس “عبد الجبار” الصعداء، بينما تهللت أسارير “خضرا” مرددة بفرحة حقيقة..
“ونبي صُح يا دكتور.. يعني أقدر أفوت عنِدها”.. “لا للأسف الزيارة دلوقتي ممنوعة،و كمان هي لسه مفاقتش”.. عقد” عبد الجبار ” ما بين حاجبيه، و تحدث بتساؤل قائلاً..
“لساتها غميانة لحد دلوجت!!”.. “لا هي تحت تأثير العلاج اللي خدته.. أنا هكون صريح مع حضرتك.. مدام سلسبيل هتحتاج جراحة عاجلة في قلب”..
” يا جلبي عليكي يا خيتي “.. قالتها” خضرا” و هي تنفجر في نوبة بكاء أخرى.. ساد الصمت للحظات، قطعه الطبيب ثانيةً بعدما حثه “عبد الجبار “بنظرته على استكمال حديثه..
” تضخُّم قلبها نتيجة مشكلة في أحد صمامات القلب،و كده هتحتاج لجراحة ترميم الصمام المعيب أو استبداله”.. حاولت “خضرا” السيطرة على شهقاتها و هي تقول..
“خطرة العملية دي يا دكتور؟”..
أجابها الطبيب قائلاً .. “هي هتبقي في نسبة خطورة طبعًا.. بالذات لو الصمام مستجبش للترميم أو قلبها مقبلش صمام بديل و عجزَت الأدوية عن التحكُّم في أعراض تعبها.. كده هتبقي محتاجة زراعة قلب.. ادعولها أن قلبها يستجيب للعلاج، و أول ما نهيئها نفسيًا و جسديًا للعملية هنعملها على طول بإذن الله.. بس هتبقي مكلفة شوية يا عبد الجبار بيه”.. رمقه” عبد الجبار ” بنظره غاضبه مغمغمًا.. “الفلوس حاضرة بعون الله يا دكتور ..الصالح ليها أعمله المهم هي تبقي زينة”..
تنحنح الطبيب، و سار من أمامهما و هو يقول بحرج..
” طيب عن أذنكم، و لو في أي جديد هبلغ حضرتك بيه”.. بينما”خضرا” الحنون التي لم تكف عن البكاء، و الدعاء ل “سلسبيل” من صميم قلبها، جلست بجواره على المقاعد المخصصة للانتظار، أمسك هو بيدها بين كفيه، يربت عليها برفق و يتحدث بنبرة راجية قائلاً..
“كفايكِ بكي عاد يا خضرا.. صلِ على الحبيب في جلبك، و ادعيلها تقوم بالسلامة “.. اجهشت “خضرا” ببكاء مرير، و تمسكت بيده بقوة مرددة..
“البنتة صعبانة عليا قوي يا عبد الچبار.. جلبي بيقطع يا خوي كل ما أفتكر حديتها وياي قبل ما نيچي على المستشفى”..
أطلقت آهه حارقة، و تابعت بنواح كان كالقلم المسنون يطعنه في عمق قلبه..
” ساعة تكلمني وساعة تميل، و ساعة تقولي قلبي عليا تقيل.. ساعة تكلمني وساعة تقع،و ساعة تقولي أني اتمليت وچع”.. يا الله !!!! كادت دموعه أن تخونه و تتجمع بعينيه شديدة الأحمرار،لكنه كعادته دفن شعورة بين طيات قلبه الملتاع، رفع ذراعه و ضمها لصدره بعناق قوي، كان هو أحوج منها لهذا العناق..
ظل محتضنها لوقت طويل حتي توقفت عن البكاء، ثقلت رأسها على صدره، و أنتظمت أنفاسها فعلم أنها قد غلبها النعاس، مال بوجهه قليلاً، و لثم جبهتها بعمق و هو يقول..
“خضرا.. جومي يا غالية خليني أرچعك الدار”.. “و نهملها لحالها!!!”..همست بها “خضرا” و هي تبتعد عنه، وتعتدل بجلستها مكملة..
“دي ملهاش حد واصل دلوجيت غيرنا.. لا عنِدها أب زي بقيت الخلق يراعيها و لا قريب يسأل عنِها”..
“قعدتنا أهنة ملهاش عازاه يا أم فاطمة”..أردف بها بتعقل، و هو ينتصب واققًا أمامها مكملاً..
“الدكتور قال الزيارة ممنوعة عنِها دلوجيت، و لو چد چديد هيحددني على المحمول، و كمان البنتة الصغار لحالهم في الدار.. طلِ عليهم و أني هشوف مصالح الشركة و أعاود أخدك ونيچلها طوالي”.. قال الأخيرة و هو يجذبها من معصها برفق حتي واقفت بجواره، وضع ذراعه على كتفيها، و سار بها بخطوات متثاقلة، عينيه معلقة على باب الغرفة المتواجدة بها معشوقة روحه، ذهب من المستشفى تاركًا قلبه بحوزتها..
………………………….. لا حول ولا قوة الا بالله 💐……. كانت “بخيتة” تجلس بأريحية تشاهد التلفاز، بيدها طبق مملوء بأنواع مختلفة من الطعام تتناول منه بشهية، و تضحك بملئ فمها غير عابئة لأي شيء، ضحكاتها وصلت لسمع “خضرا” التي وصلت للتو بأعين منتفخة من شدة البكاء،حركت رأسها بيأس من قساوة قلبها، و سارت ببطء من أمامها متجهه نحو غرفة صغارها و هي تقول بصوت حزين.. “سالنور عليكِ يا أمه”.. رمقتها “بخيتة” بنظره ساخرة، و تابعت تناول طعامها بتلذذ مدمدمة..
“امممم.. مالك حزينة أكده ليه.. هي المحروقة لساتها عايشة و لا أيه ؟”..
“خضرا” بعتاب.. “وه.. ليه بس أكده يا أمه.. الشر برة و بعيد عنِها.. ربنا يقومها بالسلامة.. دي لساتها شابة صغيرة”.. ” ووالدي كان زينة الشباب.. و مات في غمضة عين من دعي بنت المركوب عليه.. طب ساكت محطش منطق”..
نطقت بها” بخيتة ” بغضب عارم، و صمتت لبرهةً و تابعت بحقد دفين..
“أني مستنية اليوم اللي يچيني خبرها فيه.. وقتها هعمل ليلة كبيرة كلها مغني ووكل ياما”.. تطلعت لها “خضرا ” بنظرات منذهلة، و أردفت بتساؤل قائلة..
” و لما أنتي بتكرهيها أكده، و بتتمني لها الموت رايده تچوزيها لوالدك ليه!!!!”..
ابتسمت لها “بخيتة” ابتسامة مصطنعة و هي تضع طبق الطعام على الطاولة أمامها، لعقت أصابعها بصوت مقزز، نظرت لها مدمدمة بجحود..
“جولت أضرب جنزورتين بحچر واحد.. اكسر شوكتك اللي قوية لحد ما فكرتي حالك ست الدار، و تبقي سلسبيل معون تچيب الواد ل” عبد الچبار”، و قصاد عيني أخلص منِها حق ولدي”..
هبت واقفه و اقتربت من “خضرا” التي تستمع لها بملامح جامدة بدت جديدة عليها، أثارت الريبة في نفس “بخيتة” التي تابعت حديثها المثير للاعصاب قائلة..
“متكيدش الحُرمة إلا حُرمة زيها.. و سلسبيل صغيرة و نغشة خطفت جلب عبد الچبار منكِ من وقت ما و قعت عينه عليها.. و أنتي جلبك هتقيد في النار يا بت نفسية”..