منوعات

رواية جبر السلسبيل بقلم نسمة مالك

ضحكت ضحكة شريرة مكملة..
” رايده أشوفكم أنتو لاتنين بتقطعوا بعض من الغيرة على رچلكم.. لحد ما ولدي يزهق منِكم و يجلعكم من أهنه بلا راچعة”..

حديثها كان صادم ل” خضرا” التي ذُهلت من كم السواد الذي يغلف قلبها، تطلعت لها قليلاً بأعين جاحظة تحاول استيعاب كلماتها السامة التي ألقتها على سمعها، و من ثم أخذت نفس عميق زفرته على مهلٍ و هي تقول بأسف..
” أنتي جلبك ده حچر.. رايده تخربي دار ولدك بيدك.. واحدة غيرك شافت بعينها دعوة سلسبيل اللي ظلمتيها أنتي وولدك ربنا استچابها، و انقصف عمر ولدك قصاد عينك.. ده مش كافي لاچل ما يكون عظة ليكي!!!.. جلبك منشقش بعد موت ولدك!!!!.. ظهرك منكسرش من بعده!!! ” ..

“أني مرّه صعدية شديدة يا بت نفيسة.. مافيش حاچة تقدر تكسرني واصل”.. أردف بها” بخيتة ” بجبروت أشعل غضب”خضرا” و ايقظت الأنثى الشرسة بداخلها جعلت ملامحها تبدو مخيفة خاصةً حين نظرت لعين” بخيتة” بتحدي و هي تقول..
” لتكوني فاكرة إن طيبة جلبي دي ضعف مني.. لع إني كُمان مّرة صعدية شديدة.. بس شديدة في الحق.. و اللي أنتي ريداه مهيحصُلش يا بخيتة”..

حملقت بها” بخيتة ” بصدمة من طريقتها الجديدة معاها، لتتابع” خضرا” بابتسامة هادئة..
“أني خابرة زين أن عبد الچبار جلبه مال للبنتة، و مانع نفسه عنِها لاچل خاطري.. و عشان أكده أيه جولك أني هچوز عبد الچبار ل سلسبيل بنفسي.. و هبجي أني و هي سند و عزوة لولدك.. و إن شاء المولى و خلفت منه الواد هيبجي ابني قبل منِها.. ابني اللي مخلفتهوش.. كفاية عندي أنه ولد عبد الچبار”..

أشارت على المنزل من حولها بيدها مكملة بصوت عالِ دب الذعر بأوصال “بخيتة”..
” و ربنا يقدرني و اچعل الدار ده عمران بحس راچلي و ضحكته و فرحة جلبه طول ما في نفس”.. صمتت لوهلة و تابعت بأنف مرفوعة بشموخ..
” چهزي حالك يا أم العريس.. كتب كتاب ولدك هيتم بكرة أول ما يوصل قناوي”.. ………………………………سبحان الله العظيم 💐…… انقضت ساعات النهار، و خيم الليل بستائره..
أنهى” عبد الجبار ” عمله على أكمل وجه رغم قلقه و أرتعاد قلبه الشديد، كان يحدث الطبيب المشرف على حالة “سلسبيل ” طيلة الوقت، يتابع تطور حالتها أول بأول..

و أخيرًا أخبره الطبيب أنها بدأت تستعيد وعيها، ترك كل شيء، و هرول نحو منزله لكنه لم يدلف للداخل، لا يريد رؤية والدته و سماع حديثها الذي يثير غضبه حد الجنون الآن، يكفيه ما هو فيه، ظل جالس بسيارته ينتظر زوجته “خضرا” لتذهب معه.. لتخرج “خضرا” حاملة بيدها حقيبة جهزتها بنفسها بها ثياب و طعام و كل شيء يمكن أن تحتاج إليه هي و “سلسبيل”، فقد أصرت على المبيت معاها ، فقام زوجها بدفع مبلغ ليس بقليل حتي يتمكن من حجز غرفة خاصة لها بالمستشفى ..

أسرع “عبد الجبار” بمغادرة السيارة، و هرول نحوها يحمل عنها الحقيبة و يضعها داخل السيارة مغمغمًا..
“أيه الشيلة التقيلة دي كليتها يا بت الناس!!!.. قولتلك لو احتاچوا حاچة أني هچبهلكم لحد عندِكم”.. “متشليش هم يا خوي.. الحمد لله ربنا قدرني و چهزت كل حاچة.. هم قوام خلينا نطمن على البنتة”
قالتها و هي تجلس على المقعد المجاور له، لينطلق “عبد الجبار” بسيارته أمام أنظار” بخيتة ” التي تتابعهم من شرفة المنزل بملامح تستشيط غضبًا و غيظًا..

دقائق معدودة، و كانت” خضرا” تسير برفقة زوجها بخطوات شبه راكضه داخل الممر المؤدي لغرفة”سلسبيل”..
” طمنا يا دكتور الله لا يسيئك.. كيفها خيتي دلوجيت”..
قالتها “خضرا” فور رؤيتها للطبيب.. أجابها الطبيب بابتسامة قائلاً..
“اطمنو الحمد لله هي بدأه تفوق و عماله تنادي على اسم حضرتك أنتي و عبد الجبار بيه”.. تزلزل كيان ذلك العاشق و قد وصل ندائها لقلبه المُتيم، رغم جمود ملامح وجهه إلا أن أنفاسه كانت مهتاجة تعبر عن النيران التى تتأجج بأعماقه..

“خليهم يهملوني أشوفها يا عبد الچبار أحب على يدك”..
قالتها” خضرا ” بنبرة متوسلة و هي تضرب على صدرها بكف يدها بحركة استعطافية.. نظر “عبد الجبار” للطبيب مغمغمًا..
“هطل عليها و تخرج طوالي يا دكتور”.. اومأ له الطبيب و هو يشير على غرفة بجوار العناية..
“مافيش مشكلة بس خلي الممرضة تعقمها الأول، و بلاش تخليها تتكلم كتير علشان متتعبش”.. هرولت “خضرا” نحو غرفة التعقيم، ارتدت الثياب الخاصة لدخول غرفة العناية، و سارت بخطي مرتجفه لداخل غرفة”سلسبيل ” حتي وقعت عينيها عليها ممددة على الفراش لا حول لها و لا قوة، و الكثير من الأسلاك الطبية موصله بجسدها الصغير..

كبحت عبراتها بصعوبة، و قد اعتصر قلبها من هيئتها حين خُيل لها أنها تري إحدي ابنتيها مكانها، رسمت ابتسامة حانية على ملامحها البشوشة، و اقتربت منها وقفت بجوارها مباشرةً، مدت يدها تمسح على وجهها مسحة حنان مدمدمة..
“سلسبيل.. كيفك دلوجيت يا خيتي”.. رمشت “سلسبيل” بأهدابها الكثيفة، تجاهد لفتح عينيها، و بهمس متقطع مُتعب قالت..
“أبلة خضرا”.. “يا نن عيني يا بتي.. سلامة جلبك يا ضناي”..
قالتها و هي تميل على جبهتها و تطبع قبله عميقة بشفتيها المرتعشة..

تطلعت لها “سلسبيل” بامتنان، و همست بخفوت..
“عايزه أطلب منك طلب”.. ” اؤمريني أمر يا ست البنتة”..قالتها “خضرا” بلهفة و هي تنظر لها باهتمام.. ابتلعت “سلسبيل ” لعابها بصعوبة، و همست بغصة مريرة..
“لو مت أدفنوني جنب أمي في المنصورة”.. لم تستطيع “خضرا” السيطرة على عبراتها التي انهمرت بغزارة على وجنتيها، و تحدثت بغضب مصطنع قائلة..
” متقوليش أكده مرة تانية.. أزعل منِك و أني زعلي واعر.. أنتي هطيبي يا خيتي و هتبقي زينة العرايس”..

صمتت لبرهةً و نظرت لها نظرة راجية مكملة..
” جومي يا خيتي.. أني محتچالك چاري.. متهملنيش لحالي ويه بخيتة.. جومي حطي يدك بيدي و نقف في وشها ندافع عن رچلنا”.. “رچلنا!!! “..همست بها” سلسبيل ” بتعجب، لتحرك”خضرا”
رأسها لها بالايجاب مرددة بابتسامة و عبراتها تهبط على وجنتيها ببطء..
“أيوه يا سلسبيل.. عبد الچبار هيتچوزك و أني موافقة”.. يَا مَنْ حُبُّك سَكَن الرَّوْحَ وَ الْفُؤَاد
أُحِبُّك ذَلِك الْخَائِنُ فِي غَفْلَةٍ مِنِّي
فتغلغل هواكي بَيْن ثَنَايَا قَلْبِي
حاربته فهزمني و اجبرني عَلَى الِاسْتِسْلَامِ
فَجِئْتُك مُجْبَرًا رَافِعًا الرَّايَةَ البَيْضاءَ
فَهَل سَيَكُون لِقَلْبِي الملتاع مُرْسًى عَلَى شاطىء هواكي .

الفصل ال11..
جبر السلسبيل..
✍️نسمة مالك✍️.. كن على يقين تام أن كل شيء قرار إلّا الحب يكن غصبًا عنا،
لن يطرق باب قلبك، بل يدفعه و يدلف لأعمق نقاطه بلا أستأذن، يخطف أنفاسك، نبضاتك، همساتك، ضحكاتك، النوم من عيناك، لو لم يفعل بك كل هذا فأعلم أنه لم يكن حُب حقيقي، أو لنكن أكثر صراحة العشق هو الذي يستطيع وحده فقط أن يفعل كل هذا و أكتر بكثير، يمكنه أن يجعلك كالمجذوب ينسيك أسمك و تظل تردد بهذيان دون توقف أسم من عشقت ..

و هذا ما حدث مع “سلسبيل” حين أخبرتها “خضرا” بموافقتها على زواجها من “عبد الجبار”، تطلعت لها بملامح منذهلة رغم الفرحة التي غمرت قلبها حتي ظهرت بعينيها الحزينة لكنها نجحت في إخفاءها..
“إزاي بس موافقة أن جوزك يتجوزني عليكِ يا أبلة خضرا”..
همست بها “سلسبيل” بضعف، و صوت يملؤه الآسي..

رسمت “خضرا” الجدية على ملامحها الحنونة، و تنهدت و هي تقول بتعقل..
” اسمعي حديتي اللي هقولهولك ده زين يا خيتي..بخيتة ما هيهدلهاش بال واصل إلا لما تشوف قدام عينيها ولد عبد الچبار اللي أني مش هقدر اچبهوله، فهتفضل تزن على ودنه يتچوز عليا علشان الواد، و الزن على الودان يا خيتي أمر من السحر، و يا عالم اللي هيتچوزها عليا دي هتعاملني أني و البنتة كيف”.. ابتسمت لها بحب صادق مكملة..
” لكن أنتي يا سلسبيل ربنا زرع حبك في جلبي كيف ما تكوني خيتي و لا بتي من لحمي و دمي”..

هبطت دموع” سلسبيل ” تأثرًا بحديثها الذي لمس قلبها، و همست لها بتقطع قائلة..
” و أنا كمان بحبك أوي والله يا أبلة خضرا.. حنيتك عليا وطيبة قلبك اللي عمري ما شوفت زيها بتخليني أوقات ببقي عايزة اناديلك أقولك يا أمه”..

” خضرا ” ببكاء.. ” يا ضنايا يا بتي.. يعلم ربنا و أني كمان عداكِ زي واحدة من بناتي عشان أكده أسمعي اللي بقولك عليه يا سلسبيل.. أني ريدالك الصالح يا بتي بالذات أن أبوكي طبعه واعر قوي و مهيهملكيش قاعدة من غير چواز أكده هيچوزك لول راچل طلب يدك، زي ما قال لأبو فاطمة عشية في المحمول، و چاي ياخدك بكرة وياه و يعاود على الصعيد “.. ظهر الذعر الشديد على وجهه” سلسبيل ” و همست بأنفاس متهدجة..” متخلهوش ياخدني يا أبلة خضرا أبوس رجلك”..

” أهدي يا حبيبتي، و متشليش هم واصل.. بس اسمعي اللي جولتلك عليه و وافقي على چوازك من عبد الچبار
وقتها قناوي مش هيبجي ليه سلطة عليكي، و هتبجي أنتي وياي نقف في وش بخيتة اللي رايدة خراب الدار”.. كانت “سلسبيل” تلتقط أنفاسها على مهلٍ، أطبقت جفنيها بقوة و همست بصوت أختنق بالبكاء ..
” أنا مجربة الوجع لحد ما شق قلبي، و مستحيل أكون السبب في وجع قلبك أنتي بالذات علشان كده كنت عايزه ادور على أهل أمي يمكن يسمحولي أعيش معاهم”..

صمتت لبرهةً تلتقط أنفاسها، نظرت لها بأعين مملوءة بالعبرات و تابعت بتعب..
” بس شكلي كده مش هلحق أشوفهم”.. “خضرا” بغضب مصطنع..
“قولتلك متقوليش أكده مرة تانية.. أنتي هطيبي وتبجي أحسن من لول يا خيتي بمشيئة الرحمن”.. حركت” سلسبيل ” يدها المعلقة بها الأسلاك الطبية، و تطلعت لها تحثها على أمساكها، فاسرعت “خضرا” بضم قبضتها بين كفيها تستمع لهمسها المجهد باهتمام..
“ابلة خضرا لو أنا مت و أنا على زمة عبد الجبار أبويا مش هيقدر ياخدني يدفني في الصعيد صح؟”..

” خضرا ” ببكاء.. ” اباي عليكِ و على السيرة العفشة دهيه..كفاياكِ حديت ماسخ عاد”.. بللت “سلسبيل” شفتيها المرتعشة بلسانها و همست بصعوبة من شهقاتها..
“أنا محتاجة لحضنك، و لحماية عبد الجبار علشان كده أنا موافقة يكتب عليا يا أبلة خضرا”.. ” ألف بركة يا خيتي”.. أردفت بها” خضرا ” و من ثم أطلقت سيل من الزغاريط وصلت لسمع زوجها الواقف أمام غرفة العناية جعلت وتيرة قلقه تهدأ قليلاً و قد ظن أن فرحة زوجته هذه بسبب حالة “سلسبيل” التي تحسنت، انبلجت شبه ابتسامة فوق قسماته الجادة مدمدمًا..
” جلبك كيف اللبن الحليب يا خصرا”

بينما” سلسبيل ” ضغطت بضعف على كفها حتي تتوقف و تستمع لما تقوله لها ..
“أوعدك أن لو ربنا كتبلي عمر و عشت مش هكون درة ليكي أبداً”.. أغمضت عينيها و قد شعرت بألم يغزو قلبها و روحها حين قالت ببطء و عبراتها تنهمر على و جنتيها بغزارة..
” و لا حتى هكون زوجة ل عبد الجبار”.. ” كفاية كده عليها أرجوكِ، و سبيها ترتاح”.. نطق بها الطبيب و هو يهرول نحو” سلسبيل “، و بدأ يفحصها بعناية فائقة..

ربتت “خضرا” على يدها بحنان، و مالت عليها قبلت جبهتها بعمق، و سارت نحو الخارج بخطوات هادئة، وقفت خلف الباب المغلق دقائق قبل أن تفتحه، تحاول السيطرة على دموعها بسبب تلك الغصة التي تعتصر قلبها، فما تشعر به ليس أبدًا بهين أخذت نفس عميق، و مدت يدها فتحت الباب الفاصل بينها و بين زوجها لتجده يقف ينتظرها بطوله المهيب و ملامحه الوسيمة رغم صارمتها، أبتسم لها ابتسامته التي تأسرها مغمغمًا..
“اتوحشت لصوت فرحتك يا غالية”..

تأملته بأعين هائمة، و اقتربت منه حتى أصبحت أمامه مباشرةً، و نظرت لعينيه بفيض من الحب مرددة..
“فرحتي دي بفرحك أنت يا عبد الچبار”.. تلاشت ابتسامته تدريجيًا، و عقد حاجبية حتي بدت ملامحه عابسة بشدة، رفعت هي يدها و ضعتها على صدره، فوق موضع قلبه تمامًا، و تابعت بابتسامة دافئة..
“مبروك يا خوي أني طلبت لك يد سلسبيل و هي وافجت”.. شعرت بخفقان نبضات قلبه تزداد و تتدافع أسفل راحة يدها رغم صلابة ملامحه التي لم تبدي اي رد فعل عليها سوي الجمود،

ساد الصمت للحظات بينهما، كانت نظرتهما تتحدث بدلاً عنهما، و دون سابق إنظار كان قبض على كف يدها برفق، و سحبها خلفه للغرفة الذي قام بحجزها لها.. كانت تبتعد عدة خطوات عن غرفة “سلسبيل”، دفع الباب و دلف بها للداخل غالقه خلفه بعنف، استدار لها فجأة و مال برأسه على وجهها حتي تلامست انفهما مردفًا بتساؤل و عينيه تشمل و جهها بنظرات منبهرة من قوتها التي يراها لمرته الأولى..
“ليه.. ليه عملتِ أكده يا خضرا”..

“عملت الصُح.. اللي لازم يتعمل”..
قالتها و هي تحتضن و جهه بين كفيها مكملة..
“أنت من حقك يكون لك ولد من صلبك، و سلسبيل كمان محتاچة راچل يحميها”.. ابتسمت باتساع لعلها تخفي عبراتها التي تجمعت بحدقيتها..
“أني و جلبي فدى نظرة الفرحة اللي شيفاها في عيونك دلوجيت يا نبض الجلب”.. ” أنتِ أكده بتجتليني يا خضرا”..
أردف بها بأنفاس مهتاجة، و هو يستند بجبهته على جبهتها، و يحاوط خصرها بذراعيه مقربها منه حد الالتصاق..

” بعيد الشر عنِك يا خوي”.. همست بها بخفوت، و تابعت بخجل قائلة..” ربنا يچعلك شمسي اللي بتشرق تنور حياتي، و لا يحرمنيش منِك و لا من رضاك عليا واصل”..

“مخبراش أنتِ بالنسبالي أيه يا أم فاطمة”..
قالها و هو يسير بيده ببطء على طول ظهرها، تزلزل كيانها كله دفعة واحدة من فعلته هذه، خاصةً حين توقف بيده على وجنتها اليمني، و نظر لعينيها مكملاً..
” مهما رحت ومهما چيت، ومهما فى براح أرض الله، و فى الكون لفيت… عمري ما راح القي سعادتي إلا وياكِ.. أنتِ المسند يا خضرا اللى عليه بتسند و بريح ضهري..
و اللى فى وقت الحزن بيمحي قهري”.. لثم شفتيها بقبلات صغيرة متتالية هامسًا من بينهم..
“أنتِ مَرتي، أرضي، وطني، عرضي، و أغلى الخلق كلياتهم على جلبي”..

” خضرا ” بإصرار أثار غضبه.. ” يبقي لو غالية عنِدك كيف ما بتقول توافق على چوازك من سلسبيل”.. الفصل ال12..
جبر السلسبيل..
✍️نسمة مالك✍️.. سطعت شمس نهار يومًا جديد ملييء بالأحداث، رغم ساعات الليل الطويلة التي مرت على أبطالنا،خاصةً “عبدالجبار” الذي لم تري عينيه النوم على الإطلاق، عقله لم يتوقف لو لحظة واحدة عن التفكير فيما فعلته زوجته الغالية “خضرا” أحب الناس و أقربهم إلى قلبه، يسأل نفسه كيف استطاعت أن تقبل زواجه من غيرها بل و تطلب يد “سلسبيل” له بنفسها !!!

كيف لها أن تضحي في حقها به، و تقبل بأن امرأة أخرى تشاركها فيه !!!! أطلق زفرة نزقة من صدره عندما وجد إجابة جميع أسئلته تتلخص بكلمة واحدة أنها تعشقه !!!! .. عشق تخطي كل الحدود جعلها تضحي من أجله و تتقبل وضع من الصعب بل من المستحيل أن تتقبله امرأة غيرها، لا ينكر أن فعلتها هذه ذادت حبها في قلبه أضعاف مضاعفة،و أيضًا تضاعف شعوره بالذنب لكنه مازال هناك جانب ما بقلبه الملتاع الذي لا يملك أي سلطة عليه، أزدهرت به براعم عشق قوي لتلك ال “سلسبيل”،

لا يعلم لما هي الذي خصها الله عن دون النساء أن تخطف قلبه بنظرتها الحزينة، لم يتخيل بيومٍ من الأيام أن يميل قلبه لأنثى أخرى غير زوجته، كان هذا الأمر بالنسبة له من المستحيلات حتي وقعت عينيه على تلك الصغيرة التي قلبت كل شيء رأسًا على عقب، أصبح الآن أمام قلبين ينزفان من شدة ألمهما، و هو وحده مُلزم بإيقاف هذا النزيف، فهل سيكون عادل بينهما و يعطي لكل منهما حقها في قلبه رغم هذا الشعور العجيب الذي يغمره،

هو بكل ما يملك من قوة يشعر أنه مسؤل من زوجته “خضرا”، بينما “سلسبيل” يشعر أنه مسؤل عنها.. هبط الدرج بخطواته الواثقة، يدور بعينيه عن والدته “بخيتة” لقد عاد بوقت متأخر ليلة أمس كانت هي نائمة حينها، وجدها تجلس كعادتها كل صباح بحديقة المنزل بملامحها العابسة التي لا تتخلي عنها أبدًا.. سار نحوها ممسك بيده عصا خشبيه جديدة أحضرها لها خصيصًا بدلاً عن تلك التي هشمها وقت غضبه، لمحته “بخيتة” بطرف عينيها، فرمقته بنظرة غاضبة، و أشاحت بوجهها للجهه الأخرى و هي تقول..
“تَو ما افتكرت إن ليك أم زعلتها و كسرت عكازها يا عبد الچبار!!!”..

“مقدرش على زعلك يا أمه.. دا أني عايش برضاكِ عليا يا ست الناس”.. قالها و هو يميل على يدها و يقبلها مكملاً ..
“حقك على راسي يا أم عبد الچبار، و لو على العكاز ..چبتلك واحد چديد أحسن منِه “.. “بخيتة ” و هي تأخد منه العصا، و تتأملها بانتصار، فهي تعلم جيدًا أنه بار بها، و يسعي جاهدًا لينال رضاها عنه رغم كل ما تفعله..
“أنت اللي عكازي، و سندي، ضهري يا ولدي، و مع أكده عمري ما هرضي عنِك إلا لما تسمع حديتي و تتچوز و تچيب الواد.. وقتها هبجي راضية عنِك صُح”..

“هتچوز سلسبيل يا أمه”.. أردف بها و هو يجلس على المقعد المقابل لها بأريحية مكملاً بهدوء آثار غضبها..
“أني مستنظر قناوي هو على وصول، و شيعت حسان يچيب المأذون “.. ” بخيتة ” بغضب.. ” لع يا عبد الچبار.. بلاش مِنها البت دهيه.. كرهتها و كرهت شوفِتها..ارميها لأبوها و غورها من اهنه، و أني هدلي على البلد أچيبلك بنتة صغيرة خمستاشر سنة أكده تكون لسَتها بت بنوت”..

انتظر حتي أنهت حديثها، و نظر لها بعتاب مردفًا.. “طيب إسألي لول علي اللي مرمية في المستشفى حالتها خطرة محتاچة عملية واعرة في جلبها بسبب قسوتك و قسوة أبوها و أخوي الله يرحمه ويسامحه عليها.. دي مهما حُصل كان بناتكم عيش و ملح”.. شهقت” بخيتة ” بعنف، و ضربت على صدرها بكف يدها مدمدمة.. “بجت مريضة بجلبها.. على أكده لا هتبجي حمل چواز و لا خلفة يعني ملهاش عازه عنِدنا”.. ” عبد الچبار”.. بنفاذ صبر.. ” لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. الرحمة شوي يا أمه أحب على يدك”..

” بخيتة” بنبرة متوسلة.. ” أسمع حديتي يا ولدي.. أني ريدالك الصالح.. هچيبلك بدل العروسة عشرة و نقي منِهم اللي على كيفك”.. ” متتعبيش حالك على الفاضي يا أمه .. أني مهتچوزش غير اللي خضرا طلبت لي يدها”..قالها و هو يهب واقفًا، و تابع بابتسامة انبلجت على قسمات وجهه و هو ينطق حروف إسمها..
” سلسبيل “.. نظرت له” بخيتة ” بأعين مشتعلة بغضب عارم حتي اختفى عن عينيها داخل منزله، و حدثت نفسها بوعيد قائلة..
” يا ويلك مني يا خضرا يا بت المركوب يلي ساحرة لولدي”..

………………………………….صلِ على محمد 💐…. “سلسبيل”.. لاحظوا الأطباء تطور ملحوظ بحالتها منذ ليلة أمس، خاصةً بعد حوارها مع “خضرا” عن زواجها من “عبد الجبار”.. شيئًا ما جعل روحها تنتعش، ربما الأمان الذي غمرها و هي تتخيل نفسها زوجة رجل سيكون سند، و درع حامي لها، هذا ما كانت تبحث عنه دائمًا حتي أوشكت على اليأس بعدما ظنت أنها لن تعثر عليه أبدًا.. و أخيرًا و بعد طول أنتظار وجدت من تستطيع الهروب إليه من قظ العالم و سرابيته، من برودة يناير و أرتعادته..

تزم عينيها حتي تمر قوافل الشك و الارتياب المغبرة بذكريات مبعثرة، كالعجوز الصغيرة تتلهف رتق تجاعيد الرحله لديه، جاءت إليه بالنزع الأخير فأما أن يكون منقذها أو قاتلها.. أما “خضرا” أيقنت أنها أخذت القرار الصحيح بزواج زوجها من “سلسبيل” بعدما درست الوضع جيدًا من جميع الجوانب، عادات وتقاليد الصعيد بلدها تعطي الحق للرجل بالزواج على زوجته حتي لو أنجبت له جيش من الرجال، و لا تسمح لاي امرأة أن تعترض أو حتي تطلب الطلاق،يفضلون عودة ابنتهم لهم جثة هامدة، و لا تعود حاملة لقب مطلقة،

و إن حدث الطلاق في أصعب و أضيق الظروف لن يتركوها دون زواج إلا فترة عدتها فقط، و من ثم ستتزوج من رجل أخر بكل تأكيد سيكون متزوج قبلها، و ستصبح أيضًا زوجة ثانية، أو ربما الثالثة.. حينها لن يترك “عبد الجبار” ابنتيه معاها، سيأخذهما منها رغمًا عن أنفها هذا باعتبار لو تركهما لها من الأساس .. وضعت في موقف لا تُحسد عليه، لكنه جعلها تكتشف جانب جديد عليها كليًا في شخصيتها، لم تكن تعلم عنه شيئًا، أصبحت قوية عن ذي قبل،

أقسمت على أن تحافظ على بيتها، و زوجها و لن تدع مخلوق يخرب عليها صفو حياتها، لم و لن تعود لتلك الضعيفة التي كانت تفقد وعيها، و تبكي بانهيار إذا ألقت “بخيتة” على سمعها إحدي كلماتها الجارحة، ستنتقم لكرمتها، و كبريائها، و لن تترك أو تتنازل ثانيةً عن حقها و حق “سلسبيل” من اعتبرتها ابنتها رغم أنها لم تُكمل الثلاثين عام من عمرها بعد.. “الله أكبر.. عيني باردة عليكي يا ست العرايس”..
نطقت بها “خضرا” التي أنتهت للتو من تمشيط شعر “سلسبيل” بعدما ساعدتها على أخد حمامًا دافئ و هي بمكانها.. طريحة الفراش..

“ربنا ميحرمنيش منك أبدًا يا أبلة خضرا”..
همست بها “سلسبيل” بامتنان، و ابتسامة دافئة تزين ملامحها التي بدأت تشرق من جديد.. ” و لا يحرمني منِك يا خيتي، و يتم شفاكي علي خير قادر يا كريم “.. قالتها و هي تقرب من فمها كوب من العصير مكملة..
“عايزاكي تروقي و تقومي على حيلك قوام لأجل ما نعاود على الدار، و تبجي عنينا على بخيتة العفريتة” ..

صدح صوت ضحكة “سلسبيل” منذ وقتاً طويل لم تضحك من قلبها حتى كادت أن تنسي صوت ضحكتها، و همست مؤيدة حديثها..
” أيوه والله هي فعلاً عفريتة، و لايق عليها الاسم أكتر من بخيتة “.. ” بسم الله الحفيظ”.. أردفت بها” خضرا ” و هي تسحب ياقة ثيابها و تبصق داخلها أكثر من مرة مرددة..
“متچبيش سيرتها العفشة دي مرة تانية لنلقيها فوق راسنا اهنه كمان”.. “لا اطمني عمرها ما هتيجي تزورني هنا”..
قالتها” سلسبيل ” بثقة، و ابتسامة حزينة ظهرت على ملامحها الرقيقة..

مدت” خضرا” يدها و أمسكت ذقنها بين أصابعها جعلتها تنظر لها و تحدثت بتحذير قائلة..
” لع أوعاكِ تزعلي و لا تخافي من أي شيء واصل من اليوم و چاي”.. رفعت رأسها بشموخ، و تابعت بفخر..
” عايزاكي ترفعي رأسك و تشدي عودك، و تصلبي ضهرك.. أنتي الليلة هتبجي مرات عبد الچبار المنياوي، هتبجي في حمي راچل بمعني الكلمة..ياكل جلب اللي يفكر أنه يدوسلك على طرف”.. تراقص قلب” سلسبيل ” الموجوع فرحًا من حديثها الذي أعطاها قوة جعلها تتشبث بالحياة بعدما كانت تبغضها و تتمنى الموت لعلها تجد الراحة التي حُرمت منها..

……………………………..سبحان الله العظيم.. ” بارك الله لكما وبارك عليكما و جمع بينكما في الخير” ..
قالها المأذون عقب إنتهاءه من عقد قران “عبد الجبار” على “سلسبيل” أمام نظرات “بخيتة” التي تتوهج كالنيران من شدة غضبها.. يا الله !!! تعالت نبضات قلبه ،و تلاحقت أنفاسه بسعادة بالغة نجح في إخفاءها ببراعه، فأخيرًا أصبحت تلك الصغيرة زوجته ، تحمل اسمه، فقد وافق “قناوي” على الفور دون لحظة تردد عندما جدد”عبد الجبار ” طلبه للزواج من ابنته..

حتى أنه زوجها له دون أن يسأل عنها أو عن رأيها مطلقًا معتمد على أنه وكيلها ف “سلسبيل” لم تصل لسن الرشد بعد، لا يعلم أنها محتجزة بالعناية المركزة في قسم جراحة القلب بسبب ما فعله هو بها في المركز الأول، “مبروك يا عبد الچبار ب!! “..
توقف عن إكمال حديثه، و تأوه بصوتٍ عالِ حين فاجئه “عبد الجبار” بلكمة قوية افقدته توازنه، و سقط أرضًا بعنف..
” مهانش عليك من ساعة ما رچلك خطت اهنه تطمن على بتك ، و تسأل عنِها مش باين لها بالدار لا حس و لا نفس ليه عاد”..

أنهى جملته، و مال عليه سحبه من تلابيبه، أوقفه أمامه مكملاً و هو يلكمة لكمه أقوى، لكنه لم يتركه يسقط هذه المرة..
“مالها بت الفرطو ااااه!”.. “اوعاك تغلط فيها بعد أكده “..
هدر بها بصوتٍ أجش و هو يكيل له اللكمات مكملاً بغصة تعتصر قلبه..
“كفاياك اللي عملته في جلبها.. من اليوم و طالع مبجتش بتك.. و لا ليك علاقة بيها.. بقت سلسبيل عبد الچبار المنياوي.. مَراتي،و اللي يبص نوحيها بعين اقلع له التنين”..

“اللي تؤمرني بيه يا چناب البيه.. مبقاش ليا صالح بيها من انهارده”..
أردف بها “قناوي” بصوت مرتجف متقطع حين رأي
عيناه تتسعان بغضب و تبرز عروقه بخطورة، مشاعره المشحونة تعصف بداخله و تغير بصدره، تطلع له بنظرة لا ريب أصابته بالذعر و الخوف من قسماته العابسة بشدة، ليصيح بحدة و هو يقبض فجأة على عنقه بقبضته الفولاذية..
“و يكون في معلومك لو چرالها حاچة هقتلك بيدي، و أرمي چيتتك للكلاب”.. الفصل ال13..
جبر السلسبيل..
✍️نسمة مالك✍️..

من السهل أخذ القرار و لكن حين نفعله يكون من الصعب تحمل عواقبه، حينها قد نتفاجيء من رد فعلنا الذي يكون غير متوقع على الإطلاق.. وافقت “خضرا” على زواج زوجها من “سلسبيل” و أظهرت ترحابها بهذه الزيجة، و لكن هل ستظل مصطنعة الهدوء هكذا بعدما تري بعينيها امرأة أخري تشاركها في زوجها الذي تهيم به عشقًا؟!. هذا ما يدور بخاطر “عبد الجبار” الواقف أمام غرفة العناية المتواجد بداخلها زوجاته، يحاول تمالك نفسه حتى يتمكن من إخفاء لهفة قلبه على تلك الصغيرة قدر المستطاع،لا يريد أن يمسّ شعور “خضرا” بالسوء أو إثارة غيرتها عليه..

رسم قناع جليدي على ملامحه الصارمة فهو بارع في التحكم بجميع انفعالاته، أخرج هاتفه من جيب معطفه طلب رقمها، و وضع الهاتف على أذنه ينتظر سماع صوتها الحنون.. داخل الغرفة كانت “خضرا” تجلس على مقعد بجوار “سلسبيل” النائمة تتأمل جمالها الرقيق، و البريء بأنٍ واحد،جسدها الممشوق بمنحنيات فتاكة رغم نحافتها، نعومة بشرتها الحلبية، خصلات شعرها البنية الملساء المنسدلة على وجهها المستدير بهيئة تخطف الأنفاس،عينيها الواسعة التي تشبه غابات الزيتون، أنفها الصغير المنمق، شفتيها المكتنزة المزمومة..

تُقر و تعترف أنها تمتلك جمال مبهر سيكون سبب قوي لنجاحها في الوصل إلى قلب زوجها بكل سهولة، و ربما التربع على عرش قلبه، فالعين تميل لكل ما هو جميل، فإن المولي عز و جل جميل يحب الجمال، فماذا عنا نحن البشر ضعاف النفوس..

لاحظت أيضًا إشراق ملامحها ، و تحسن حالتها الصحية منذ حديثهما عن زواجها من “عبد الجبار”،أطبقت جفنيها بقوة كمحاولة منها لكبح عبراتها حين شعرت بنيران تتآجج بقلبها و هي تتخيل نظرة زوجها لها!!!
أسرعت برفع كف يدها وضعته على فمها تكتم به آهه متألمة كادت أن تصرخ بها من تخيُل نظرتهما فقط، فماذا ستفعل أن تطور الأمر بينهما و أصبحت “سلسبيل” زوجته قولاً و فعلاً!!!!.. انتشالها من دوامة أفكارها صوت رنين هاتفها الذي أيقظ تلك النائمة، رسمت “خضرا” ابتسامة على ملامحها تخفي بها حزنها، و ضغطت زر الفتح ..
“أيوه يا أبو فاطمة.. طمني عليك يا خوي”..

“عبد الجبار” بصوته الرزين.. “أني برة.. واقف قدام العناية”.. “هخرچلك طوالي”.. قالتها و أغلقت الهاتف، و انتصبت واقفة ، و سارت بخطوات مهرولة نحو الخارج و هي تقول..
“هعاود للدار أچهز الوكل، و ارچعلك ، متخفيش مش هعوق عليكِ يا خيتي”.. ليوقفها صوت “سلسبيل” الهامس تقول بلهفة..
“هو عبد الجبار هيرجع معاكي البيت يا أبلة خضرا”.. تسمرت” خضرا” محلها لبرهةً قبل أن تستدير لها، و قد تملكت الغيرة منها حين شعرت بلهفتها عليه، أبتسمت لها ابتسامة مصطنعة لأول مرة مدمدمة..
“كأنك ملهوفة لشوفته و نسيتي وعدك ليا إياك!! “..
عقدت ذراعيها أمام صدرها مكملة..
“و بجي عبد الچبار حاف أكده!!!”..

حديثها كان بمثابة دلو من الماء البارد سقط فوق رأس “سلسبيل ” التي تنحنحت بحرج و تحدثت بابتسامة باهتة قائلة..
“أنا مش ناسية وقفتك جنبي و وعدي ليكي ولا عمري هنسي يا أبلة خضرا اطمني.. أنا كنت عايزه أشكر أستاذ عبد الجبار على وقفته معايا مش أكتر “..

عقدت حاجبيها، و تابعت بمزاح..
“هتغيري عليه من أولها كده!!!”..
تنهدت بحزن حين داهمتها معاملة “عبد الجبار” معاها، كان لا يكترث لوجودها، لا ينظر لها لو نظرة عابرة، و تابعت بغصة يملؤها الآسي..
“ليكي حق تغيري عليه.. بس مش مني.. أنا بقيت بواقي ست زيي ما بيقولوا و مافيش رجل يرضى يبصلي حتي”..

رمقتها” خضرا” بتهكم على وصفها لنفسها الذي ليس له أي أساس من الصحة،
ساد الصمت بينهما قليلاً هدأت خلاله نوبة غضبها، و لكن لم تهدأ غيرتها التي استحوذت على قلبها أبدًا جعلتها تتحدث بحدة دون أرادتها..
” أني رايحة، و يمكن مقدرش اچيكِ الليلة.. هاچيكِ في الصبحية ويه عبد الچبار و أبجي أشكريه وقتها، عشان انهاردة عنِده شغل ياما،قالي أخرچله قوام لأچل ما يروحني و يعاود على وكل عيشه”..

تطلعت لها “سلسبيل” بنظرات منذهلة من طريقتها الحادة معاها التي جعلت العبرات تغزو عينيها، بينما أنهت “خضرا” حديثها و غادرت الغرفة في الحال و هي تنهر نفسها على طريقتها معاها، و كذبها عليها فيما تفوهت به،قالت حديث على لسان زوجها لم يقوله من شدة غيرتها عليه التي تفاجأت بها هي شخصيًا.. خرجت من الغرفة بملامح عابسة بشدة، أول ما وقعت أعين” عبد الجبار” عليها أيقن أن غيرتها عليه التي يخشاها تمكنت منها لا محالة، اقتربت منه بخطوات غاضبة، و عينيها تشمله بنظره مترقبة، تحاول قراءة تعابير وجهه الصلبة..
“سلسبيل بقت مَراتك؟!”..

لاحظ شحوب بشرتها تدريجيًا، عينيها غامت بغضب معصف يُهدد بالانهيار دفعه لإحتوائها بطريقته الخبيرة بمعاملة النساء..
“اتوحشتك يا خضرا”.. قالها بنبرته التي تثلج قلبها ، و هو يقترب منها و يقبض على كف يدها فجأة و أصابعه تتخلل أصابعها و تشتبك بهم بقوة. في أقل من لحظة تبخر كل غضبها، و عادت الدماء تورد بشرتها من جديد، و حتي نظرتها الغاضبه له تحولت لأخرى مُتيمة..
” اتوحشتني صُح يا عبد الچبار”.. رفع ذراعه و حاوطها به و ضم رأسها لصدره، مال عليها قاصدًا جبينها وطبع عليه قبله مطولة مغمغمًا ..
“نعاود دارنا و أني أوريكِ اتوحشتك قد أيه يا غالية”..

شهقت بخفوت، و قد اشتعلت وجنتيها بحمرة الخجل بعدما تفهمت مخزي حديثه، رفرف قلبها بشدة حين سحبها معه و سار بخطوات واسعة نحو الخارج دون أن يرى “سلسبيل” بعينه و لو نظرة خاطفة تخفف من ارتعاد قلبه عليها، غادر المكان جسد بلا روح تاركًا قلبه بحوزتها.. ………………… صلِ على محمد 💐….. “سلسبيل”..

كم كانت تأمل أن تراه قبل أن يغادر برفقة “خضرا”،أصبح هو الشخص الوحيد الذي تشعر في وجوده بالأمان، تريد أن تخبره كم هي ممتنة لوقوفه معاها، لقبوله الزواج منها،و أنه أول رجل تدعوا له من صميم قلبها بعدما كانت تدعوا على جميع الرجال بسبب ما حدث لها على يد زوجها السابق، ووالدها الذي لم يكلف نفسه ليسأل حتى عن حالها.. يؤلمها شعور الوحدة كالسكين البارد يمزق قلبها دون رحمة، خائفة من أن تلقى حتفها و هي بمفردها دون جليس و لا أنيس، ظلت عينيها على باب الغرفه تنتظر قدومه على أحر من الجمر..

“هو عبد الجبار بيه لسه بره و لا مشي لو سمحتي”..
همست بها للممرضة التي تقوم بأعطائها الدواء.. “لا مش برة.. دا مشي هو و مدام خضرا من ساعة ما خرجت من عند حضرتك”..
هكذا أجابتها بمنتهي البساطة، جملتها هذه حطمت كل أمالها جعلت دموعها تنهمر على وجنتيها بغزارة دون بكاء.. انتفضت الممرضة بفزع حين رأتها تبكي، و تحدثت بلهفة مستفسرة..
“بتعيطي ليه.. حاسة بحاجة بتوجعك؟!! “.. لم تجد سوي الصمت حليفها، بينما” سلسبيل ” تنظر للفراغ بشرود، و أعين لم تتوقف عن ذرف العبرات، و قد بدأ الجهاز الموصل بقلبها بإصدار بعض الأصوات..

أسرعت الفتاة نحو زرار الطوارئ ضغطت عليه، ليهرول نحوهما عدد لا بأس به من الأطباء.. ……………………… لا حول ولا قوة الا بالله💐… دلفت” خضرا” داخل منزلها بخطي ثابتة، مصطنعة القوة أمام “بخيتة” الجالسة بردهة المنزل ، كان “عبد الجبار” مازال بالخارج يصف سيارته، فور رؤيتها ضحكت بشماته بائنة، و هرولت تجاهها حتي توقفت أمامها مباشرةً و تحدثت بفرحة غامرة..
“والله و عمالها و برد جلبي و أتچوز عليكي يا بت نفيسة”..

“برضايا “.. أردفت بها” خضرا” بابتسامة تخفي بها قهرتها الظاهرة على ملامحها، صدح صوت ضحكة “بخيتة” مرددة بسخرية..
” أيوه أيوه برضاكي.. ما أني خابرة زين.. حتي باين علي خلقتك”..

توقفت عن الضحك، و توحشت ملامحها فجأة مكملة بقسوتها المعتادة..
” إياكِ تكوني فاكرة أن حديتك اللي قولتهولي هز شعرة واحدة من راسي”..
حركت رأسها بالنفي، و تابعت بجحود..
“أنتي عملتي اللي أني ريداكِ تعمليه.. مكنش حد غيرك هيقنع ولدي يتچوز سلسبيل اللي كسرت بيدي شوكتها و لا هيقوم ليها قومة مرة تانية، و انتي كمان يا خضرا انهاردة مش بس كسرت شوكتك.. لع أني كسرت جلبك اللي نار الغيرة بتنهش فيه نهش، و دخانها طالع من عنيكِ”..

تطلعت لها” خضرا ” بصمت، لم تبدي أي رد فعل على ملامحها الجامدة، لتكمل” بخيتة ” بصرامة..
” لازم تبجي عارفة إن لسه متخلقتش المّره اللي تمشي حديتها على بخيتة”.. ” واقفين أكده ليه عاد!!! “..
قالها “عبد الجبار ” الذي دلف للتو، فتحت” بخيتة ” فمها لتجيبه، لكنها قفزت بخضة حين صدح سيل من زغاريد “خضرا” عاليًا مرارًا و تكرارًا دون توقف حتى كادت أنفاسها أن تنقطع، فألم قلبها قد فاق تحملها لكنها لم تتمكن من الصراخ..
” مبروك ياخوي.. ألف بركة چوازك يا عبد الچبار”..

نطقت بها بأنفاس متهدجة و هي تربت على كتفيه بكلتا يديها، مكملة..
“ندر عليا اليوم اللي ترچع فيه سلسبيل على الدار و نطمن عليها لعملك ليلة كبيرة كلها مغني و وكل من عمايل يدي”.. نظرت تجاه “بخيتة” التي تصطك على أسنانها بغيظ و هي تراها لم تبالي لحديثها معاها..
“و هرقصلك كمان انت و عروستنا يا سيد الناس”.. “الله يباركلي فيكِ يا غالية”..
قالها” عبدالجبار ” و هو يضمها لصدره بقوة غير عابئ لنظرات” بخيتة ” الحارقة، فهو يشعر بألم زوجته رغم أنها نجحت في اخفاءه،

انبلجت ابتسامة خبيثة على ملامح “بخيتة” و نظرت ل “خضرا” مدمدمة..
” اممم.. و لما ترچع عروستنا تسيبي بجي الدار ليها،و تعاودي أنتِ و البنته الصغار و أني كمان معاكم على الصعيد و نسيبهم بجي لحالهم يقضوا شهر العسل عشان يچبولي الواد”.. شعرت “خضرا” أنها تلقت ضربه قاتلة على رأسها جعلت الدنيا تومض من حولها، انسحبت الدماء من عروقها، و وقفت كالصنم تحملق في” بخيتة ” التي تضحك بسعادة بالغة بعدما وصلت لغايتها..

لم تدوم ضحكتها طويلاً، تلاشت سريعًا حتي اختفت نهائيًا و حل مكانها الضيق حين قال “عبد الجبار ” بصوته الأجش..
“خضرا مهتسيبش دارها و لا تهملني لحالي واصل”.. حديثه هذا رد الروح إليها ثانيةً، تطلعت له بأعين تلتمع بالدموع، فأهداها ابتسامته الجذابة مكملاً..
“ده دارك و احنا كلِنا ضيوف عندِك”.. نطر لوالدته التي كادت أن تنفجر من شدة غيظها، و تابع بجملة جعلت قلب “خضرا” يتراقص بين ضلوعها من فرحته حين قال..
” و لو في حد هيعاود الصعيد يا أمه هتبجي سلسبيل مش خضرا”..

قالها ليثبت لها مدي تمسكه بها ،لا و لن يغامر بخسارتها مهما كلف منه الأمر، يري أنها تستحق منه هذا و أكثر، حتي لو ضحي بقلبه الذي عشق تلك الصغيرة رغمًا عنه.. “ربنا ميحرمنيش منِك واصل و يديمك فوق راسي العمر كله “..
قالتها و هي تقف على أطراف أصابعها و تقبل كتفه مرات متتالية.. ضربت “بخيتة” بعصاها في الأرض، و سارت من أمامهما بخطوات غاضبة، و هي تُسب و تلعن، و تدعوا على “خضرا” بغل و حقد دفين يغلف قلبها القاسي..

انتظر حتي تأكد من ذهاب والدته، و أصبح بمفرده معاها..
“تعالي أشبع منكِ شوي قبل ما بناتك يرچعوا من المدرسة “..
همس بها و هو يسحبها خلفه نحو الدرج، ضحكت بغنج حين مال عليها و حملها بين يديه، و صعد بها الدرج بخطوات شبه راكضه، ………………………. لا إله إلا الله💐.. مر اليوم من أجمل الأيام بحياة “خضرا ” التي لم تترك زوجها لحظة واحدة يدلف لخارج غرفتهما حتى وصل بها الأمر أن تحضر له طعام الغداء و العشاء و هو بمكانه على الفراش..

تطعمه بيدها و قد ظهرت له تجاوب و ترحاب في علاقتهما الحميمة أذهله شخصيًا بعدما كانت تخجل من مداعبته لها.. ما تفعله معه الآن لم تفعله حتي أول زواجهما، و كأنها أصبحت عروس من جديد لأجل أرضاءه، أو ربما حتي لا تترك له الفرصة للتفكير في غريمتها.. بعد قضاء ليلة ملحمية ، انفصلت عن العالم أجمع و غرقت في نومًا عميق بين ذراعيه التي تحتويها بحماية.. لم تستمع حتى لصوت رنين هاتفه المستمر..

كان “عبد الجبار” شارد الذهن بزوجته التي تمكث بالمستشفى بمفردها،يمنع نفسه بشق الأنفس حتى لا يذهب إليها الآن، سقط قلبه أرضًا حين لمح رقم الطبيب المشرف على حالتها..
“خير يا دكتور.. سلسبيل حُصل لها حاچة!”.. أتاه صوت الطبيب يتحدث بإحراج قائلاً..
“أنا آسف أني بكلم حضرتك في وقت متأخر.. بس مدام سلسبيل مش مبطلة عياط نهائي.. و احنا ادينها مهدئ، و منوم كذا مرة و كل ما بتفوق بترجع تعيط أكتر، و مش هينفع نديها أي مهدئات تاني انهاردة.. فقولت أبلغ حضرتك لو تحب نخلي دكتور نفسي يكشف عليها يمكن يقدر يخليها تحكيله عن اللي مزعلها و !!! “..

” لع.. متخليهاش تحكي مع حد واصل لحد ما اچي فاهمني زين يا دكتور.. أني دقايق وأبقى عندِك”..
هكذا قطع” عبد الجبار ” حديثه، و غادر الفراش مسرعًا من جوار زوجته ..
“أمرك يا عبد الجبار بيه.. أنا في انتظارك”.. أغلق” عبد الجبار ” هاتفه، و ألقاه على أقرب طاولة بإهمال، و فتح الخزانة أخذ منها بعض الثياب، و قميص بلون الرمادي و سروال من اللون الأسود ، هرول نحو حمام الغرفة اختفى داخله بضع دقائق معدودة،و من ثم خرج و هو يغلق أزرار قميصه..

لف الحزام الجلدي حول خصره، و ارتدي حذاء أسود اللون، مشط شعره الكثيف بعناية فائقه، و نثر عطره المميز بسخاء، و خطف أغراضه المكونة من جزدانه الجلدي، هواتفه، مفاتيح سيارته،و سار لخارج الغرفة بخطوات واسعة..

“غيرت عليك منِها يا عبد الجبار”..
أردف بها “خضرا” بصوت متحشرج بالبكاء، استيقظت حين وصل لأنفها رائحة عطره، جعلته يتوقف عن السير، و نظر نحوها وجدها تسحب الغطاء على جسدها العاري، و تعتدل بتكاسل جالسة تنظر له بخجل مكملة..
“غيرت غصب عني ياخوي.. مكنتش خابرة أن چوازك عليا هيبجي واچعه واعر أوي أكده و يخليني أكدب على البنته المريضة اللي كانت رايده تشوفك و أقولها أنك عنِدك شغل ياما و أني خابرة أن انهاردة يوم اچازتك”..

شعر بخنجر حاد يقطع نياط قلبه على حين غرة عندما أدرك سبب بكاء صغيرته، سيطر على انفعالاته المتضاربه بمهارة، و سار نحوها و مال على رأسها قبلها بعمق مرددًا..
” أنتِ تغيري عليا بكيفك يا غالية”.. رق قلبها ل” سلسبيل ” بعدما غمرها هو بفيض من كرمه و شغفه، و تفهمه لمشاعرها، فابتسمت له بحب مردفة ببكاء..
“روحلها .. روحلها اچبر خاطرها المكسور زي ما چبرتني يا خوي”..
…………………………. سبحان الله العظيم 💐… ” سلسبيل “..

كانت بحالة يرثي لها، تبكي و تأن بضعف من تلك الوخزات المؤلمة التي تغزو صدرها و قلبها معًا، فما أصعب الشعور بالوحدة في وجود الزوج، و اليُتم في وجود الأب.. تسارعت دقات قلبها، و علقت أنفاسها بصدرها حين تسللت إلى أنفها عبق رائحتة، لوهلة ظنت أنها تتوهم وجوده لشدة أحتياجها له، لينفتح باب الغرفة، و دلف هو منه بهيئته التي تفقدها صوابها، تطلعت له بأعين تشتعل تتلهف لقربه، رائحته، لمسته، لكنها تظهر عكس ما بداخلها، تصطنع الجمود، رغم الضجيج الصارخ بأعماقها الذي يستجديه أن يشد رحاله ما بين جبينها و شفتيها، لا يترك منزلًا مشتاقًا إلا ونزل فيه..

يعتصر ترددها و يخطفها من نفسها فيه، يوشم على خصرها بأنامله، يذيب خجلها بدفئ أحضانه، فهي كالطفلة الباكية طامعة بضمة تخفيها، تطالب نبضه لجنون نبضها يُجاريه، يغرقها عشقًا لا هدوء يُنهيه..

أشاحت وجهها للجهة الأخرى لتخفي فرحتها حين رأت لهفة عينيه الحادتين عليها لأول مرة ، قطع المسافة بينه وبينها بخطوتان، شهقت بخفوت حين استند على الفراش حولها بكلتا يديه، و مال بجزعه عليها أختلطت أنفاسهما، تأمل ملامحها بافتنان مغمغمًا..
“بجيتي مَراتي.. مَراتي يا سلسبيل”..
أجهشت بالبكاء و كأنها تشكو له بدموعها ما عانته طيلة عمرها، رفع إحدي يديه و وضع أبهامه على شفتيها و هو يقول..
“هششش.. كفاياكِ بكي.. خابر أني عوقت عليكِ.. حقك عليا” ..

“اتأخرت عليا أوي يا عبد الجبار.. أوي”..
همست بها بتقطع من بين شهقاتها الحادة، و هي تمتثل رغمًا عنها للسحر الذي يبثه لها بنظراته.. “أيه قولك أحكيلك حدوتة الچبر؟”..
قالها و هو يزيل عبراتها المنهمرة على وجنتيها بأنامله بمنتهي الرفق، نظرت له بعينيها نظرتها التي تُذيب قلبه المُتيم بها عشقًا،فتابع همسه الهادئ بجوار أُذنها بأنفاسه الساخنة التي تلفح نعومة بشرتها تجعل نبضات قلبها تخفق بين ضلوعها بجنون..
” چبر جلب السلسبيل”..

قالها و هو يميل عليها أكثر مطوقًا خصرها بذراعيه، و ضمها لصدره بعناق محموم حتى أخفاها تمامًا بين ضلوعه، تعلقت هي بعنقه كالغريق الذي تعلق بأخر أمل يجعله يتشبث في الحياة، تجذبه عليها بضعف متنهده بأسمه بهمسها الذي أطار اللُب من عقله، فضمها له و هو يعتدل بها جالسًا، و بمنتهي الحرص أجلسها على قدميه..
“يا بوي كأنك مولودة في جلبي”..
همس بها و هو يغمرها بقبلات متفرقة تخطف أنفاسها على كتفها، صعودًا بعنقها.. الفصل ال14..
جبر السلسبيل..
✍️نسمة مالك✍️..

“سلسبيل”..
بالنسبة لها لم يعد للحديث أي أهمية الآن، يكفي الصمت المُطعم بالتنهيد بعدما تحقق أعظم أحلامها و حصلت على عناق الرجل الوحيد الذي جعل قلبها ينبض لأول مرة بالحياة، اتخذته شجرة يقطينها الطيبة، إذا البرد وارتعاشة الظلمة اجتاحتها احتميت بأوراقه الدافئة.. تسرق لحظات من الزمن بين ذراعيه التي تحتويها بلهفة و إشتياق، عناق روحاني بعد قلق، خوف، مأساة أنثى جمدتها أعوام القسوة، أعادها صوته طفلة و أذابت هي رجولته بضعفها الظاهر له وحده،

يغمرها بعناق محموم لم يكن له مثيل من قبل، تاركًا على جسدها أمان يديه، يدلل خجلها،يهديها ابتسامته كلما شعر بخوفها، لم يتحدث معاها و ظل صامتًا عندما رأي طقس حدقتيها الغائم الذي بكلمة حنان منه سينهمر المطر.. إلى أن تحدثت هي بعدم تصديق، بصوت مبحوح، مرتجف..
“عبد الجبار.. أنت هنا معايا!!” ..
دست نفسها داخل صدره أكثر دافنه وجهها بصدره، و تابعت ببوادر بكاء..
“أنا في حضنك فعلاً و لا أنا بحلم زي كل يوم!!!”..

“في حضني يا سلسبيل ، و چوه جلبي كمان يا زينة البنات”..
قالها “عبد الجبار” و هو يحتويها داخل جسده بحماية حين تكوّمة على نفسها بأحضانه أخذه وضع الجنين، و قد أعادها صوته لواقعها المرير، و صفعها القدر صفعة موجعة و هي تتذكر وعدها ل “خضرا “.. حاولت السيطرة على مشاعرها التي تبعثرت بفعل قربه منها الذي يعصف بكل ذرة تعقل بها، و بدأت تبتعد عنه ببطء،خافضة رأسها بخزي من نفسها على أستسلامها الكامل له،

“لا لا مينفعش.. أبعد عني.. انا وعدتها”..
همست بها و هي تحرك رأسها بالنفي، و بدأت تدفعه بعيداً عنها بضعف، لكنه أحكم سيطرته عليها و أعادها مكانها بجوار قلبه المُتيم بها مردفًا بهدوء كأنه يحدث صغيرته..
“هي مين اللي وعدتيها، ووعدتيها بأيه.. قوليلي متخافيش مني واصل”.. ” أبلة خضرا.. وعدتها أني مش هكون لك زوجة يا عبد الجبار”..إجابته بصعوبة من بين شهقاتها العالية، و قد انفجرت في نوبة بكاء حادة..

رفعت رأسها و نظرت لعينيه بعينيها الحزينة الباكيه مكملة بأسف..
” جوازنا هيكون على ورق بس لحد ما اعمل العملية، و لو ربنا أراد و قومت منها يبقي”..
ابتلعت غصة مريرة بحلقها، و تتبعت بصوت يملؤه الألم..

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى