منوعات

شظايا الكلمات

ضحكت « ورده» بتهكم وأغمضت عينيها لثوانٍ معدودة ثم فتحتهم بهدوء واقتربت منه أكثر حتى تداخلت أنفاسهم الحارة وطبعت قبلة متملكة جانب ثِغره المُغري لها وهمست أمام شفتيه بتأكيد وثقة:
_ بغير!! أنا لما بغير بحرق، بولع وممكن   فخاف من غيرتي لأنها لو طالت جِنس حواء جنبك هتولع فيك وفيها آمين!؟!! ابتلع « براء» ريقه بخوف وتوجس واهتزت تفاحة آدم خاصته وهمس بلا وعي من نظراتها:
_آمين!!

****************
مضت ثلاثة أيامٍ بلا رؤيته، كعادته يختفي كما يشاء ويعود يجدها بانتظاره، رغبة ملحة تنتابها بـ زيارة والديها، لم تعد خائفة من رؤية « فاضل» أو والدتها ولكن هناك ما هو أكثر من الخوف بداخلها، ارتدت ثوبًا أسود ووضعت نقابها وتركت رسالة ورقية لشقيقتها تخبرها بذهابها لأمرٍ هام بالعمل ومن المحتمل تأخيرها، أغلقت باب المنزل خلفها وألقت نظرة خائبة على منزله، له الحق بذلك هو حتى لم يأتي ليعلم سبب غضبها عليه وحدتها معه، كل ما يصدر عنه يؤكد لها بأنه من المستحيل أن تحصل على حبه، ظلت طوال الطريق شاردة بحياتها التي لو كانت رواية لملَّ القارئ منها

ومن كَم الحزن المختزن بها، هبطت من السيارة بضعف بعد مدة طويلة، بعد الأحيان تحسد الموتى على ذهابهم لربما لعالم أفضل بعيداً عن أنياب البشر الحادة، وصلت لقبر والدتها وجلست أمامه بهدوء وابتسمت بحزن وهمست:
_ وحشتيني… كل حاجه كنتي بتقوليهالي وأنا صغيره كانت صح، العالم بشع زي ما كنتي فاهمه وبنتك لسه بتتخبط فيه، كان لازم تسيبيني أبكي كل ليله لواحدي من غير حضنك، بنتك بقت مشوهه من جوا وفاضيه، أنا اسفه عشان وعدتك إني مش هعيط والله أسفه

حديثها الغير مترابط وتعلثمها ودموعها الغزيرة كفيلة لوصف شوقها لوالدتها الغائبة، وضعت يديها بالرمال وهتفت بحرقة وألم:
_ في وجع جوايا مبيوقفش في نزيف مش عاوز يخلص غير لما يقضي عليا، تعبت من المحاولة، كل يوم بقوم على محاوله جديدة ارجع فيها ولو جزء بسيط مني بس بفشل، كل يوم وجعي وحرقة قلبي بتزيد، كل يوم وليله مخدتي الدموع مش بتفارقها، أنا ضايعه من غيرك، وحشتوني، لو كنتي هنا مكنتش فضلت طول عمري لواحدي، لو كنتي هنا مكنتش اتهنت وانضربت وجوزي   ولا كان حاجات كتير حصلت، انتو لي مش هنا ولي قلبي مش عاوز يوقف وجع، ليييي قوليلي…..

بحالة يرثى لها حملت حقيبتها ونهضت بضعف للخارج، أمسكت بالباب تستمد من قوته وألقت نظرة أخيرة على قبرهما وهتفت بمرارة وندم:
_ أتمنى وجع قلبي يختفي يا أمي…

بخيبة أمل وألم خرجت من المقابر تجر ضعفها وقلة حيلتها ودموعها تغلف صفحات وجهها، زكرياتها مع والدتها تدور بعقلها كدوامة قاسية تعاتبها على ضعف إيمانها، لم تنتبه للطريق من حولها ولا صوت العابرين فقط كل ما تسمعه هو صوت اصطدامها بالسيارة وصوت صفيرٍ مؤلم يضرب بعقلها وتجمهر الكثير من البشر حولها، هناك ألمًا مريب يطعن جسدها وتشعر بسائل لزج يتدفق من كل خلاياها التي لازالت حية؟!!! ابتسمت بوهنٍ وتعب لرؤية والدتها تحتضنها بشغف وأغمضت عينيها بسلامٍ سامحة للضباب الرقيق بابتلاعِها…..

الفصل الحادي عشر…
شظايا الكلمات… قالت بـ حزنِها ذات مرة: أخاف الخوف وكَم هي بشعة رهبة الخوف منه… هل جردكَ عقلك ذات مرة من التصرف واتباع المطلوب منه والسير بلا وِجهة تُذكر ووضعك ببؤرة مخاوفك حتى تعتاد التعايش معها؟ أو ربما جعلك تتساءل هل لنا من هذا الحزن من فائدة؟ أو لما لا ينف الحُزن بطوائفه عنا ويهرع رُعبًا منا؟ تسلسل العقول لنسج حبكة مأساوية لعرض شريطٍ بائس من اللقطات المُعبأة باللعنات فقط…!!

من المؤسف التواري بـِ حِجة الخوف من مواجهة العالم لما بداخلنا من تشوهات نعجز عن إظهارها حتى لمن نحب حتى لا نلقى نظرة مُشفقة تُطرح بنا أرضًا، يتعين علينا إنها تلوث بعض الجروب بـ كَيها بقوة حتى يتوقف نزيفها والمها لنا لا أن نهرب بـ بعض الأمور المهدئة فقط…!!

قاربت الشمس على الإجتباء بـ السماء المُلبدة بالغيوم التي تهدد ببوادر عاصفة شديدة قادمة، جلس بِـ إرهاقٍ وتعب على المقعد المقابل لـ «رحمه» الباكية والفزعة، انقضى اليوم بحثًا عن « هبه» المُتغيبة منذ الصباح، قلبه ينبض بعنف وكأنه بحلبة مصارعة ولا فرصة لنجاته منها سوا بموته، لا يعلم اين اختفت ولا لما ولا لـ متى ولما اليوم بالتحديد، عقله لا ينفك عن طرح التساؤلات البشعة وهواجسه تصورها بأبشع الأمور سوءً أن يكون أصابها مكروه وهذا ما لا يتحمله، فرك جفنيه بـ تعب واعتدل بـ جلسته للأمام مُشابكًا كفيه معاً بتردد وتحدث:

_ أنا دورت في كل مكان ممكن تكون فيه ومينفعش اعمل بلاغ غير لما يمر 24 ساعه على غيابها وللأسف هي ملحقتش تكون صداقات هنا غير مع ورده وورده مع جوزها من فترة ومش بتسيبه وبتنفي أنها شافتها حاولي.. قاطعته «رحمه» بـ غضب وحدة وانتصب عودها بعنف هاتفة:
_ ايوا وجاي تقولي كل دا لي وأنا عرفاه!! مفروض كدا تطمني؟! لو مكنتش تقدر تدور عليها على الاقل سيبني متحبسنيش هنا

جعد «ثائــر» جبينه من هجومها القاسِ عليه وحدتها الغير مبررة بالحديث معه ونهض بـ اتجاهِها محاولاً امتصاص غضبها ولكنها نهرته بعيداً عنها وهتفت بـ حرقة ومرارة:
_ متقربش مني، هاتلي أختي، أختي مش بخير، مش بخير خالص ولا كويسه… هبه تعبانه وعمرها ما تقدر تسيبني وتمشي وأختى أنا متأكدة إنها حصلها حاجه… رجعلي هبه بالله.. بالله هز رأسه بنفي وترقرت الدموع بمقلتيه الشاحبتين واقترب منها وجذبها مربتًا فوق كتفيها بـ حنانٍ وتمتم بتأكيد:
_ هترجع والله هترجع وهتبقى بخير والليلة هتبات في حضنك ومعاكي

رفعت «رحمه» عينيها له بأمل ورجاء وهمست بوجع وكأنها تتوسله إعطائها ولو أملٍ بسيط:
_ توعدني؟!! … بادلها بـ بسمة زائفة لا تنم عن جم القلق السائر داخله وعن مدى توتره وتمتم بـ شرود:
_أوعدك يا رحمه *************

بِـ جناح العروسين لم تغفل لحظة من سعادتهم، كلاهما غارقان ببحورٍ من الفرحة واللذة معاً، ما كانا يحلمان بهذا الكم من الراحة والسلام الداخلي بـ عمرهِما ولكن ها هما معاً الآن وأعطيك بحت زوجته أمام الله كما العالم ولن تتردد لحظة عن الفتك بـ من يحاول نزع تلك المشاعر الهادئة منها…
تململت بنعومة فوق الفراش ما إن تذكرت عدد المرات التي أغدقها بحبه واعترافه الصادق لها لأي مدى وصل بعشقه لها لم تكن تتخيل أن هذا الوسيم الجذاب صاحب القلب الحنون بقوته وصلابته أن يقع بعشقها وهي الثمينة أضحوكة جامعتها وزملائها عند هذه النقطة وزمت شفتيها بـ ضيق وجعدت حاجبيها

ببغض لتلك المواقف ولكن هذا العاشق المنتظر بزوخ عسلها الصافي من خلف جفنيها اقترب خِلسة منها طابعًا قبلة رقيقة وحانية فوق شفتيها المزمومتين بإغرائهم الواضح والفتاك له.. ابتعد عنها فاصلاً قبلتهم ولكنها ما لبثت أن جذبته مجدداً وأحاطت عنقه بـ حب مُلصقة شفتيها بخاصته بـ قبلة متلهفة ومتشوقة له ولقربه الدائم منها، تقابلت شفاهِهم ببسمة سعيدة وضحكة صاخبة عندما تولى «راكــان» الدُفة ليتعمق بتلك اللحظة الفريدة البعيدة كل البعد عن خجلها وتوترها الدائم، فارق قبلتهم واسند ملامحه المُرهقة من أفعالها العفوية وهتف بصوتٍ خافت مملوء بالمشاعر:
_ أنا عمري في حياتي ما شوفت صباح زي النهاردة بكل مراحله

ابتسمت « أثـيـر» بخجل وعضت شفتيها بـ توتر وهمست أمام شفتيه بـ رقة:
_ ولا أنا كنت مطمنه زي النهاردة رفع « راكــان» أحد حاجبيه بـ مكر ودهاء وسار بإبهامه فوق شفتيها ليبعث بها صاعقة لحظية جعلتها تخفي وجهها بصدره هامسة:
_ راكــان بس تنهيدة طويلة خرجت من جوفها لتلفح خصلاتها النارية آثر نطقها لاسمه بتلك الطريقة جعلته يبغي تناولها كوجبة دسمة لإفطاره المتأخرة ولكن ليس عليه الإسراع بشيء سيترك لها المجال حتى تعتاد عليه، ضمها بقوة لصدره العاري ولف شرشف الفراش حول جسدهم جيداً وهتف بمرح:
_ والله أنتِ هتجيبي اجلي قريب برقتك ونعومتك دي

ضحكت « أثـيـر» بـ صخب ودلال وبادلته ضمته بـِ خفة وهتفت بـ مرح:
_ والله أنتَ هتجنني بحلاوتك وحنيتك اللي مغرقني فيهم دول ضحك « راكــان» بشدة حتى ادمعت عيناه على حديثها المقتبس من جملته وهتف بـ مكر:
_ يعني اعترفتي إني حلو ومتقدريش تقاوميني اهو اومال لي الرفض من الأول رفعت « أثـيـر» جسدها لتصبح على مقربة من وجهه وملامحه التي ادمنتها وهمست بدلال وثقة:
_ مش يمكن كنت بدلع عليك وعاوزه اشوف هتتحملني لامتى؟!

أحاطها « راكــان» بذراعيه مجدداً وطبع قبلة خفيفة فوق وجنتيها الشهيتين وهتف بـ مزاحٍ يتخلله الصدق:
_ أثـيـر هانم تدلع براحتها وتتدلل وإحنا تحت أمرها هو أنا عندي كام أثـيـر يعني؟ رفعت «أثـيـر» سبابتها لتتلمس شفتيه وأبحرت بعينيها بقارب قزحيتيه وهمست وأنفاسها تداعب وجهه:
_هي أثير واحده بس ومش هسمح يكون في تاء تأنيث غيرها هي ومامتك بس… لم يتحمل « راكــان» المزيد من جرأتها وانفتاحها العجيب معه وتلك الثقة العامرة بحديثها وبلحظة كان يجذبها اسفله وعيناه تدور بـ شغفٍ على سائر ملامحها المترسخة بفؤاده
*************

عندما يتواجد لقلبك من يخشى أمره ستهدأ ثورة هلعك من الموت، حينها ستطمئن كونك ستفارق الحياة وجوارك من يهتم لأمرك وضعت «ورده» أصناف الطعام المختلفة والصحية أمام «براء» المتربص لحركاتها الشاردة وتصرفاتها المتعثرة وجلست أمامه لمحاولة تناول طعامها هي الأخرى، أمسك «براء» كفيها بين أصابعه القوية وجذبها لـ تجلس جانبه وتحديداً اسفل ذراعه وهتف باهتمام:
_ سرحانه في إيه من وقت ما المكالمه الغريبة دي جاتلك أشاحت ببصرها عنه لتتفادى غابات عيناه العامرة بـ الرجاء وهتفت بمرح زائف:
_ فيك طبعاً يا روحي

ابتسم « براء» بسمة لم تصل لعيناه وأدار وجهها بأصابعه لتقابل عيناه وهتف بتأكيد وإصرار:
_ متحاوليش تكدبي عليا وأنتِ عارفه إني ملاحظ كدبك، مالك يا قلب براء

تنهدت «ورده» بقلق وتذكرت مكالمتها البسيطة مع «ثائر» التي اوضحت تغيب «هبه» منذ الصباح ومدى فزع شقيقتها الصغرى وخوف ذلك الرجل المفترض انه غريب عنهم!! تحفظ «هبه» عن ظهر قلب وموقنه من بشاعة وألم سببها للتغيب ولكن لما لم تحادثها؟! هذا ما يقلقها تحديداً وأن مكروه قد أصابها، فاقت من شرودها على أصابع براء التي تضغط فوق كتفيها فـ ابتسمت بـ توتر وتمتمت:
_ هبه مرجعتش البيت لحد دلوقت ومحدش عارف راحت فين وحتى موبايلها محدش بيرد عليه.. دا مش من عادتها واللي مخوفني إنها مكلمتنيش

ضمها « براء» لـ صدره وربت على ظهرها بـ حنانٍ وهتف بثقة:
_ أكيد حابه تكون لواحدها فترة عشان كدا مكلمتكيش، هبه مش عيله صغيرة عشان لقدر الله تعمل في نفسها حاجه يا حبيبتي وكمان هي بتخاف ربنا قبل كل شيء تشبثت بقوة بـ خصره وسمحت لدموعها الخائفة بالنزول لتُخمد نيران وجزع قلبها القلق وهتفت بنشيج:
_ لا قلبي بيوجعني، صدقني هبه مش كويسه، هي مبتعرفش تعدي الطريق وبتخاف من العربيات، بتخاف تكون لواحدها مبتحبش الوحدة ولا من طبعها الغياب ومبتحبش حد يقلق عليها، أنا خايفه يا براء

أصابه الزهول من كم ترابط علاقة زوجته بـ صديقتها التي صادف وجودها بـ العمل معهم بفترة قصيرة لم تُنهار العام حتى ولكن تشابك قلوب الفتاتان جعلته يبتسم برضا لهذه العلاقات المبنية على الحب والوفاء الخالص منافية لبشاعة وزيف العالم من حولهم، مد يديه ليزيل دموع زوجته بعشق وهمس بصدق:
_ لو حابه تروحي بيتها وتطمني إذا كانت رجعت متفكريش حتى روحي وأنا هكون بخير متقلقيش

فكت نفسها من بين أحضانه وبسمة لأول مرة تعتري محياها ولا تعلم تفسيرًا منطقي لها أهي سعادة أم رضا أم شكر لهذا الرجل الذي تفهم ما يجيش بصدرها وعلم ما يدور بخبايا عقلها من أفكار، تمسكت بيده ورفعتها لشفتيه وهمست بـ امتنان:
_ شكراً … أنا بحبك بادلها قبلتها بأخرى فوق جبهتها وهمس بتأكيد على أحرفه:
_ وأنا بـمـوت فـيكِ يا وردتــي ***************

انت في الصفحة 14 من 16 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى