كانت أضواء الشموع الحمراء العطرة ، تتراقص ظلالها علي جدار غرفة النوم الرومانسية و المفروشة كلها بالأبيض و الوردي عندما دخل “عثمان البحيري” حاملا زوجته بين ذراعيه المفتولتين ، و برقة و ضعها فوق الفراش الناعم العريض تصنعت “چيچي” الخجل أمامه و هي تسدل أهدابها المطلية بالمسكارا الداكنة ، و ترفع خصلات شعرها المتهدلة عن عينها و لكنها سرعان ما تخطت حاجز الحياء المصطنع هذا ، و رفعت بصرها إليه في بطء ، لتجده يطالعها بنظرات فاترة من خلال عينيه الناعستين دائما بصورة جذابة
-في إيه يا عثمان ؟ .. تساءلت “چيچي” بإستغراب : -بتبصلي كده ليه ؟ إبتسم “عثمان” بخفة ، ثم قال و هو يدنو منها : -مافيش حاجة يا حبيبتي .. أنا بس بتآمل جمالك ، إنتي أصلك جميلة أوي يا چيچي ، خصوصا إنهاردة .. كنتي زي القمر. أدارت وجهها عنه واضعة كفها علي فمها و هي تقهقه برقة ، ثم عادت تنظر إليه من جديد ، و قالت : -إنت كمان كنت حلو أوي .. كنت يا حبيبي ، أصلا فرحنا يعتبر فرح الموسم ، و هيفضل حديث الناس كلها لسنين قدام.
وافقها بضحكة قصيرة ، و قال بغموض : -من ناحية هيبقي حديث الناس كلها لسنين قدام فأطمني .. أنا واثق من ده يا حبيبتي. و بدا و كأنه يقاوم ضحكة أخري ، فأحست “چيچي” بثمة شيء غير طبيعي يحدث معه ، فسألته بقلق : -مالك يا عثمان ؟ أنت كويس .. و واصلت بشك : -لا تكون واخد حاجة كده و لا كده ! أجابها ضاحكا بقوة : -يا حبيبتي ماتقلقيش أنا تمام ، كل الحكاية إني مبسوط شوية.
و صعد بنظره إلي شعرها المصبوغ حديثا -تعرفي أن الشعر الأصفر لايق عليكي أوي .. قالها و هو يداعب شعرها بأنامله ثم إقترب منها أكثر إلي حد الإلتصاق ، و طبع تحية مطولة تحت رقبتها ، أطلقت “چيچي” إثرها تنهيدة حارة متقطعة ، و تمتمت : -طيب .. مش نغير هدومنا الأول ؟ و لكنه لم يتراجع قيد أنملة ، بل واصل عمله مقربا وجهه إلي وجهها ، فإلتقت شفتاه بشفتاها ، و ببطء أدار نفسه حتي أصبح يعتليها ، أمسك وجهها بين يديه و رفعه لأعلي كي يصبح سهلا لفمه لعق رقبتها
كان صوت تنفسها عاليا إلي حد الأحراج ، لكنها لم تخجل لم تهتم ، فقط كانت مستمتعة بمداعبته اللطيفة لها ، و كان قلبها يدق بشدة و يدوي دقه بصخب في آذنيها
إلا أن هذا الصخب لم يمنعها من سماع ضحكات “عثمان” اللئيمة الخافتة ، فتحت عينيها علي وسعهما و قد دهشت لسماعه يضحك في وضع كهذا ! بينما نهض عنعا بالتزامن مع تصاعد موجات ضحكاته الغريبة -إيه رأيك نشوف فيلم مع بعض ؟ .. سألها بلهجة مرحة ، لترفع نفسها ، و تسند ظهرها إلي الوسادة مرددة بغرابة :
-نشوف فيلم ؟ دلوقتي ؟ أومأ ببراءة : -آه .. و لا مش عايزة ؟ -لـل لأ .. خلاص ، زي ما أنت عايز ، نشوف فيلم. إلتوي ثغره بإبتسامة خبيثة شاهدتها عليه قبل أن ينهض من أمامها ، فإزداد شعورها بالريبة و التوجس ، لكنها حاولت أن تسترخي مقنعة نفسها بأن هذه هي طبيعته أصلا
ماكر ، خبيث ، داهية ، مراوغ ، لا أحد يتوقع تصرافاته .. عاد إليها سريعا و هو يحمل بين يديه حاسوبه المحمول ، جلس بجوارها ، و راح يلامس محرك السهم حتي وصل إلي ملف معين و فتحه ..
بدأت الشاشة المتوسطة بعرض فيلما تسجيليا ، في البداية شعرت “چيچي” بالفتور و الملل ، إلي أن رأت نفسها في أول ظهور كبطلة لهذا الفيلم ، و ما لبثت أن شاهدت حبيبها السابق يشاركها البطولة في عدة لقطات حميمية راحت تمر أمام عينيها اللقطة تلو الأخري .. اعتداءتها الدهشة في مإيذاء و هي تزيح بصرها المتجمد عن الشاشة لتنظر إليه .. سألته بلسان ثقيل : -أنت .. أنت إزاي ، إزاي صورت الحاجات دي ؟
ظهرت أسنانه الناصعة من خلف شفته حين إبتسم بشيطانية قائلا : -أنا في كل مكان يا بيبي ، في أي حتة تخصني من قريب أو من بعيد ليا عين. ثم فاجأها و قبض علي شعرها بشدة و هو يقول بانزعاج شديد : -و يا جبروتك يا شيخة ، رايحة تقابلي حبيب القلب قبل فرحك بإسبوع ! كنتي فاكرة أنك تقدري تستغفليني ؟ فاكراني مغفل و لا بريالة يا بت ؟ ده أنا عثمان البحيري ، محدش يقدر يلعب عليا من ورا ضهري ، محدش يقدر يأكلني الأوانطة سامعة ؟
صرخت إشتداد قبضته علي شعرها ، فرجته ببكاء : -خلاص يا عثمان سيبني ، سيبني هنتفاهم علي اللي أنت عايزه ، لو عايز تطلقني طلقتي. قهقه عاليا ، ثم قال بسخرية : -نعم يا روحي ؟ أطلقك ! ما أنا فعلا هطلقك .. بس مش بالسهولة دي ، ده أنا دافع فيكي كتير أوي ، يرضيكي أخسر ؟ ردت و هي تحاول التنصل منه : -أنا مش عايزة منك حاجة ، هتنزلك عن كل حاجة ، هبريك يا عثمان بس سيبني !
و تآوهت بوهن ، ليزم شفتيه في آسف مصطنع ، و يقول : -يا بيبي إنتي كده كده هتبريني غصب عنك ، مش هي دي المشكلة خالص بالنسبة لي. صرخت بنفاذ صبر : ” أومال عايز إيه ؟ -هقولك يا قلبي. قالها و قام من جانبها في هدوء شديد ، بينما تنفست الصعداء عندما أطلق سراحها و حرر خصلات شعرها من عقال قبضته الفولاذية ، دلكت فروة رأسها بأصابعها
ليحضر هو و يجاورها ثانيةً ، ثم يقول بإسلوبه البارد المشهور به :
-خدي يا بيبي .. إمضي علي الورق ده. نظرت “چيچي” إلي مجموعة الأوراق بين يديه ، و سألته بصوت متحشرج : -ايه الورق ده ؟ -ده يا حبيبتي تنازل عن حصتك في الشركة اللي اسهها لينا ابويا و ابوكي كهدية بمناسبة جوازنا ، و معاهم كمان ورق تنازل عن كل حقوقك في الجوازة دي رغم إني صرفت علي الفرح الملوكي بتاعنا ده ملايين .. بس مش مشكلة ، ربنا يعوض عليا ، خيرها في غيرها.
-إيه اللي بتقوله ده ؟ .. هتفت بإستنكار ، و أكملت : -مستحيل أعمل إللي بتقول عليه ده ، إنت إتجننت ؟ أنا هتنازلك عن حقوقي بس ، لكن حصتي في الشركة مش طبعا ، مش هسمحلك تقرب منها. عثمان بضحك ساخر : -مش بمزاجك يا قطة ، غصب عنك هتتفذي كل إللي أنا عايزه. ردت بتهكم : -طب لو مانفذتش كل إللي أنت عايزه يعني .. هتعمل إيه ؟ أجابها ببساطة :
-ولا حاجة .. هاخد بس الفيلم الجميل ده و هنشره في كل حتة ، و بدل ما تفضل موهبتك الفذة دي مدفونة كده ، هطلعها أنا للناس ينبهروا بيها ، و أوعدك .. بكره الصبح ، هتكوني أشهر من سكارليت چوهانسون. و عاد للضحك من جديد ، لترمقه بنظرات محتقنة و تقول : -إنت فاكر إنك بكده بتلوي دراعي ؟ بابي مش هيسيبك يا عثمان. إبتسم و أفحمها بشتيمة قذرة جحظت لها عيناها من الدهشة ، ثم عاد لسلوكه الأرعن ، و قال بحدة و هو يلقي بالأوراق في وجهها :
-يلا ياختي إمضي ، مابحبش أعيد كلامي مرتين. نظرت إليه بحقد شديد ، و إنصاعت لأمره مرغمة
أخذت الأوراق من يده ، و ناولها قلم بدوره .. و بعد دقيقة واحدة ، كانت قد إنتهت ، فإسترد أوراقه منها ، و بادلها نظرة البغض المنبعثة من عينيها بإبتسامة مستفزة .. ثم إنتصب بقامته الفارعة أمامها ، و قال بنعومة : -دلوقتي بس يا بيبي اقدر أقولك إنتي طالق ، طالق ، طالـــق !