منوعات

عزلاء أمام سطوة ماله

منذ فترة طويلة لم تعد “سمر” بحاجة لساعة التنبيه التي إعتادت أن تقوم بمهمة إيقاظها في كل صباح ، إذ إن صراخ “ملك” شقيقتها الصغيرة ذات العشرة أشهر كان بمثابة تنبيه ذا تآثير أقوي .. و ها هي تنتفض من غفوتها العميقة عندما بدأت الصغيرة بالبكاء ، قامت من سريرها و هي تفرك عينيها بقبضتها ، و هرولت إلي شقيقتها و هي تتخبط في كل قطعة أثاث تقابلها

إنحنت صوب سريرها الصغير لتسكتها بسرعة لئلا يعلو صراخها أكثر و تزعج الجيران ، كانت تعاني منذ شهران و حتي الآن آلام و تقلصات في معدتها لا تستطيع التعبير عنعا إلا بالصراخ و خاصة في الليل حملت “سمر” الطفلة ، و راحت تهدهدها و تؤرجحها و تغني لها بعذوبة ، و تدريجيا هدأت “ملك” و عادت إلي النوم بين ذراعيّ أختها الكبيرة
وضعتها “سمر” في فراشها ثانيةً ، و بحرص شديد بسطت فوق جسمها الصغير غطائها الناعم

مسحت علي شعرها البندقي الأملس بحنو ، ثم إستدارت خارجا متجهة إلي دورة المياه .. أدت روتينها اليومي ، غسلت وجهها و نظفت أسنانها ، ثم صنعت فنجانا من الشاي و عادت به إلي غرفتها
جلست علي الكرسي أمام الطاولة ، و راحت تقوم بحسابات
المصاريف المتوجبة عليها لهذا الإسبوع و خرجت بنتيجة صعبة جدا إذ أن عليها تخفيف مصاريفها إلي أدني درجة لتتمكن من دفع أجرة الشقة التي تآويها هي و شقيقها الشاب و شقيقتها الصغيرة ..

و لكن ماذا عن الطعام و الشراب ؟ ألن يآكلوا لأجل توفير المال ؟
إن “ملك” بمفردها يوميا تحتاج إلي ميزانية خاصة ، النقود كلها تكاد تكفي اللبن المجفف و الحفاضات و الآدوية الخاصة بها .. من أين ستسد باقي الحاجيات ؟ أحست “سمر” بقنوط و يأس شديد ، و فجأة تذكرت والديها .. فقط لو كانا هنا معها الآن ، لما كانت غارقة حتي أذنيها بمستنقع الهموم هذا

و لكن شاء القدر أن يموتا معا في حادث سيارة قبل ثمانية أسابيع و هما في طريقهما لعيادة طبيب الأطفال المشرف علي علاج “ملك” التي ولدت بداء الصفراء ، و لحسن حظ الصغيرة ، كانت هي الناجية الوحيدة من بين جميع ركاب الحافلة ، إذ لم يصيبها خدش واحد ! لم تسنح لـ “سمر” أو لشقيقها فرصة الحداد و الحزن علي والديهما ، فقد كانت “ملك” بحاجة للإهتمام في كل لحظة ..

أفاقت “سمر” من شرودها علي صوت أنين “ملك” الذي ينذر بنوبة صراخ حادة ، فأسرعت “سمر” إليها ، و أخذتها بين ذراعيها مرة أخري و ظلت تمشي و تجوب بها أرجاء الشقة كلها حتي نامت مجددا ..
سمعت طرقا علي باب الشقة ، فذهبت لتفتح أمام العتبة ، وقف صاحب البناية محتقن الوجه .. فتلعثمت “سمر” و قالت في حيرة و إرتباك : -عم صابر ! أهلا آاا .. قاطعها الأخير بغلظة :

-لا أهلا و لا سهلا يا ست سمر ، أنا جاي أقولك بالود و المعروف كده قدامك يومين مافيش غيرهم تلمي عزالك و تاخدي إخواتك و تدورولكوا علي سكن تاني. سمر بجزع : -ليه بس كده يا عم صابر ؟ إحنا مش مقصرين معاك انت بالذات و بندفعلك الإيجار أول بأول ! -يا ستي الله الغني عن الكام ملطوش اللي بيطلعولي منكوا ، و إن كان علي آجرة الشهر ده أنا مسامح فيها الله الغني بس تمشوا من هنا.

تقلص وجه “سمر” و هي تتسائل بإنكسار : -طب بس نمشي نروح فين ؟ ده بيتنا طول عمرنا ، ماطلعناش منه أبدا و مانعرفش مطرح تاني نروحله. -و الله مش مشكلتي يا أنسة ، دبروا حالكوا ، أنا السكان إبتدوا يطفشوا من البيت بسببكوا ، ديك النهار البشمهندس علاء اللي جمبكوا جه رمالي مفتاح الشقة و مشي ، الراجل ماكنش عارف ينام من صوت الأمورة اللي علي ايدك دي ، كل يوم بتصحيه من احلاها نومة.

سمر بقلة حيلة :
-طب بس هعملها ايه يا عم صابر ؟ ما أنت عارف إنها عيانة من يوم ما إتولدت و مش بإيدي إللي هي فيه. أجابها “صابر” بإسلوبه الفظ : -يا ستي ربنا يشفيها و يعافيها بس بعيد عن هنا ، شوفي أنا عملت بأصلي و جيت نبهتك بالإخلا ، في ساكن جديد هيجي يشوف الشقة بعد بكره ، يا ريت تكونوا سيبتوا المطرح قبل ما أجيبه عشان في يوميها لو الراجل جه و إنتوا لسا هنا هلم صبياني و هرميلكوا عفشكوا في الشارع.

-إنت إزاي بتكلمها كده يا راجل إنت ؟؟؟ هتف بها “فادي” لدي وصوله أمام باب الشقة ، و أردف بانزعاج : -و بعدين أنا مش نبهت عليك قبل كده ماتهوبش ناحية الشقة و أنا مش موجود ؟ إيه إللي جابك ؟ أول الشهر لسا بكره و كنت هاجيلك أنا و أديلك الإيجار زي كل مرة. صاح “صابر” للحال : -لا يا سيدي مش عايز منكوا حاجة و الله ما عايز ، أنا عايزكوا تحلوا عني بس و تشوفلكوا مطرح تاني بعيد عني أنا و السكان.

نطق “فادي” بعدائية مفرطة و هو يحاول ضبط نفسه قدر الإمكان حتي لا ياعتداءه : -و إنت مابتعرفش تتكلم بآدب يا راجل يا مهزأ إنت ؟ -الله يسامحك يا أستاذ فادي ، و أنا عشان راجل محترم مش هرد عليك .. ثم أعلن بصوت قاطع : -بس من بكره بقي هعلق ورقة علي باب البيت من تحت و هعرض الشقة للإيجار ، و أول زبون هيجي هسلمه المفتاح. أحمرّ وجه “فادي” بصورة خطرة ، و كاد يهجم عليه ، إلا أن “سمر” سارعت بإيقافه و هي تقول ممسكة بساعِده :

-خلاص يا فادي خلاص .. و حولت نظرها إلي “صابر” مكملة بجمود : -ماشي يا عم صابر ، إعمل إللي أنت عايزه ، إحنا هنلم حاجاتنا و هنسيبلك الشقة بكره. إبتسم “صابر” ببرود ، و أدار ظهره و ولي تاركا الأشقاء الثلاثة دون صوت .. نظرت “سمر” في إمعان و حنان إلي وجه شقيقتها البرئ ، فأغرورقت عيناها بالدموع ، ليلمحها شقيقها و يصيح بعصبية : -إنتي بتعيطي ليه دلوقتي ؟ ماتعيطيش ، تحبي أنزل أفرجلك عليه الشارع كله دلوقتي ؟

سمر و هي تمسح دموعها بظهر يدها بسرعة :
-لأ طبعا إنت إتجننت ؟ خلاص ، يلا إدخل جوا. و شدته معها إلي الداخل ، ثم سألته لتذهب به عن النقاش حول المشادة الفائتة : -قولي عملت إيه في الجامعة ؟ أجابها عابسا : -و لا حاجة .. قالولي مش هينفع تستلم الكتب إلا بعد دفع المصاريف. سمر بملامح حزينة و هي تربت علي كتف شقيقها :
-معلش .. ليها حل إن شاء الله ماتقلقش.

فادي بعصبية :
-ليها حل إزاي يعني ؟ هناعتداء الأرض تطلع فلوس ؟ إحنا بالشكل ده هنتشرد يا سمر و ملك هتموت مننا ، مافيش قدامنا حلول ، مافيش إلا هو حل واحد بس و إنتي ماعرفتيش تتصرفي. سمر بوهن :
-يعني كنت عايزني أعمل إيه ؟ أنا فضلت وراهم طول الشهور إللي فاتت و ماطلعتش بأي نتيجة ، مش هيرضوا يصرفولنا المكافأة يا فادي. -ليه يعني ؟ هو مش بابا كان زيه زي أي موظف في الشركة الهباب دي ؟ طب خليهم يعملوها كده و الله لأرفع عليهم قضية و أوديهم في ستين داهية.

إبتسمت بمرارة ، و قالت : -إحنا هنروح فين جمب الناس الكبار دول يا فادي ؟ مش هنعرف نعمل معاهم حاجة. -لأ بقي أنا هعرف ، و أديني نازل رايحلهم دلوقتي أهو و يا أنا يا هما. و إبتعد خطوتين ، لتلحق به “سمر” صائحة : -إستني يا فادي .. إستني ! و قبضت علي كفه ، و غمغمت بخفوت : -خلاص أنا هروح تاني. أدار عينيه قائلا بضيق : -هتروحي فين بس ؟ إنتي بترجعي زي ما بتروحي ، مابتعرفيش تتصرفي.

جادلته بتصميم : -هروح .. هروح و مش هرجع إلا بنتيجة !

انت في الصفحة 3 من 14 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى