روايات

رواية بقلم رحمه السيد

بينما على الطرف الأخـر .. إلتفت حمزة بصدره العاري لـ ” شذى ” التي وضعت يدها على صدره تعيد سؤالها بدلال كان وكأنه عصاها السحرية مع كل الرجال :
-انت لسة ما لبستش لية يا حبيبي ؟
نفـض يدها عنه مسرعًا بحدة، وإلتقطت هي وهـج عيناه السوداء الذي اشتعـل بلهيبٍ أحمر غريب وهو ينهرها :
-شذى .. سبق وقولتلك ماتقربيش مني بالطريقة دي قبل كدة، إنت مابتفهميش ولا إية ؟
هـزت رأسها نافية لتقترب منه ببطئ حتى إلتصقت بصدره العاري تهمس له :
-لأ بفهم ..بس سبق وقولتلك بردو إني بحبك وأنت مش عايز تفهم !

وتقريبًا هو رجـل .. يُنعش قلبه تلك الحروف بالحب من شفتاها هي .. ” حنينه ” تلك الصغيـرة التي أسقطته بين براثن عشقها الأسـر !!!
يتمناها هي .. يتخيلها هي .. يريدها هي وبشدة .. !
إنتبه لأصابع تلك التي بدأت تلامس صدره بطريقة حميمية، فأمسك يدها بقوة مؤلمة يخبرها بحدة :
-اسمعي .. إنتِ عارفة كويس أني مابحبكيش، وماوعدتكيش بأي حاجة !! فبلاش الشغل ده مش هياكل معايا .. إنتِ هنا بمزاجك .. مش جاية على وعودي بالجواز يعني !
تأوهـت هي من قبضته القويـة، لتومئ بألم :
-طيب ..

ايدي يا حمزة
تركها كلفظةٍ يمقتها أستهلكت غضبـه المرتكز داخله كنقطة يزداد عمقهـا مبتلعة كل دقـة مُشتاقة تصدر منه …
ليقول وهو يتجه للمرحاض بجمود :
-اطلعي برة وأنا هخلص وألبس واجي
اسرعت تمسك به ترتمي بين احضانه، لتهمس وهي مقتربة بوجهها منه :
-أنا عايزاك .. خليني معاك .. مراتك ولو ليلة واحدة حتى !
نظر لها باستحقار ليستدير ويدلف للمرحاض،
اغلق باب المرحاض خلفه، ليقف تحت المياه بملابسه .. يتحسس خصلاته وهو شـارد في صوت تلك أسرة الفؤاد
” وحشتني ” !!
كانت مجـرد حروف ..

كلمة عابرة وفطرية لمن هو كمثل ” خالها ” او شخص اعتادت وجوده في حياتهـا …
ولكن كان لها تأثيرًا اخر على كومة مشاعـر تضاربت من تلك الحروف الواهية !!
على تلك الدقـات التي تخضـع لكلمتها البسيطـة … في إطـار عشق حديدي .. !
ضـ*رب* الحائط امامه بقوته يهتف في غضب خلقه صراعه النفسي :
-امتى هقدر ابعد عنها بقا .. امتى هبطل احلم بيها وهي نايمة في حضني .. امتى هبطل اعشقها !!!!

دلفـت ” لارا ” بخطى بطيئة نحـو مكتب ” أسر ” .. ذاك المكان الذي أصبحت تخشـاه وتخشى ذاك ” اسر ” الذي يعاملها بحدة زائدة عن باقي الموظفين …
لم ولن تنسى أنه تقريبًا بحث عن كل حياتها، فأصبحت امامه ” شبه مُعراه ” من اي خبايا ..
ولكنه لم يصل لكل شيئ سوى المعلومات الطبيعية فقط !!
وهذا ما سنح لقلبها أن يرفرف بسلام ..
فتحت الباب ببطئ وهي تمسك بالقهوة بين يديهـا .. ليرفـع نظره تلقائيًا يحدج بها بنظرات مُخشبـة ومفاجأة كادت تجعلها تشهق ..

فتقدمت ببطئ شديد حتى سمعته يزمجر بخشونة جامدة :
-ماتخلصي إنتِ هتزحفي ولا إية !! مش كفاية كل ده تأخير .. القهوة دي مفروض أشربها قبل ما اوصل يا استاذة ؟!
وضعت القهوة .. ونظرت ارضًا تعض على شفتاها بحرج قبل أن تهمس :
-دي اول مرة اتأخر .. محصلش مصيبة يعني !!؟
فجأة نهـض ليُلقي بالقهوة على الارض فتحطمت مصدرة صوت الشظايا التي ماثـلت شعورها المرتعد في إنفجاره ..
لتهشق عاليًا :
-اية ده ! حرام عليك انا ظبطها بصعوبة
سمعته يصرخ فيها بغضب جم :
-جيبهالي متأخر ..

ومتأخرة عن شغلك وكمان بتبجحي !!!
ظل يقترب منها ببطئ وهي تعود للخلف بقلق .. نعم هي شجاعة … ولكن أمام نظراته الحادة تلك التي تسقط عليها كصوت رعد يعلن نهاية الحياة !!!
هي جبانة .. !
إلتصقت بالباب خلفها تغلق عينيها بتوتر، لتشعر بأنفاسه تلفح صفحة وجهها التي شحبت حرفيًا وهي تسمعه يقول :
-الظاهر إنك محتاجة تربية من اول وجديد عشان تعرفي الأصول
إبتلعت ريقها بازداء وصدى تلك الإهانة يتردد داخلها ..
لتهتف بغيظ شابه الحنق :
-لا انا متربية كويس .. ماسمحلكش تقولي كدة !

حاولت فتح الباب بيدها ولكنه كان الأسرع فـ التصق بها يكبل يدها الاثنان بيديه العريضة السمراء ..
نظر في عيناها مباشرةً .. وكانت تلك تقريبًا اول مرة تتعمق خيوط عيناه البنيـة عن قرب ..
فهمست بصوت مبحوح :
-لو سمحت سيبني اخرج
اقترب منها اكثر .. ونظراته مصوبة على شفتاهـا .. !
خلايـاها تُفـجر احسـاس حار من ذاك القرب الذي لم يسبق لها أن تعرضت له …
تحسس وجهها رويدًا رويدًا وبرفق ليهمس :
-مش هاكذب .. انا صريح جدًا، إنتِ عجباني !

للحظـة تردد بخلدها صوت الطبيب وهو يخبرها عن حالة والدتها المريضة
” ماخبيش عليكِ يا أنسة لارا، والدتك حالة قلبها صعبة اوي، ولازم لها عملية للقلب بس يمكن مكلفة شوية .. 100 ألف جنية، وللأسف لازم يتدفعوا قبل العملية !! ”
تذكـرت ايضًا توسلها له
” ارجوك .. هجيب والله الفلوس، بس العملية تتعمل .. انا مليش غير ماما والله ”
ولكن تحطمت امالها في ثوانٍ
” انا اسف .. لو كنت انا المسؤل لوحدي مكنتش اتأخر عن مساعدتك، لكن دي قوانين المستشفى ومقدرش اخالفها، وده مش مبلغ صغير .. دول 100 ألف جنية !!

”
إنتبهت ليـداه التي كادت تستبيح لمسات لجسدها .. فدفعته بقوة صارخة فيه :
-ابعد عني انت مجنون !!!!
رفـع حاجبه الايسر باستحقار يتهكم :
-يا سلام ! دلوقتي فوقتي .. إية كانوا مشربينك حاجة أصفرة لما كنتي في الواحات ولا إية !!
إتسعت حدقتا عينـاها بصدمـة .. فجوة الألم تزداد انتصارًا في الأتساع بين ثنايا روحها .. وهي تضعف اكثر !!!
من أين علم ؟! وكيف اصلًا !!
لم تدري .. ولم تشعر سوى أنها بقيت تحدق به مصدومة .. ليكمل هو :
-حظك أنك وقعتي معايا، فمتحاوليش تمثلي الاحترام ؟!

هـزت رأسها نافية بهيسترية، لتض*ربه على صدره وهي تردد باكية :
-لا .. ابعد عني ملكش دعوة ملعوون ابو الفقر !
ارادت الخروج ولكنه امسك بها يكبلها .. وإلتصق بها اكثر وهي تحاول الفرار من حرارة جسـده ..
ومن دون تردد كانت تصفعه بكل ما تملك من شظايا قوة لتسرع بالفرار من بين قبضته !!!!!!!!
فهمس هو يجز على أسنانـه حتى اصدرت صوتًا قويًا:
-على اساس محترمة اوي !!! بس وحياة امي لاعرفك إن الله حق .. !

كان ” مُهاب ” يحادث ” حمزة ” صديقه منذ الجامعـة ..
في الهاتـف وهو يتجه بسيارتـه لمنزل ” سيلين ” ليأخذها تـشاهد منزلهم المستقبلي كما تحايل عليه والده …
سمع صوت حمزة يقول :
-ماتظلمهاش معاك يا مُهاب، أنت ملكش فـ جو الستات ده اصلا خلاص ارفض
-للأسف شغلنا متوقف على الجوازة دي يا حمزة
-اللي يريحك يا مهاب .. بس رأي إنك على الاقل ماتظلمش البت
-هحاول يا حمزة، المهم أنت خلص الشغل اللي فـ امريكا ده وانجز كدة
-منا ناوي بأذن الله .. مصر وحشتني
-هأ مصر بردو ..

يلا سلام يا حمزاوي
ضحك بخشونة يرد :
-سلام يا مهاب
وصل مهاب امام باب منزل ” سيلين ” فترجل من سيارتـه متجهًا نحو الداخل .. ليجدهـا تهبط على درجات السلم بهدوء، هـدوء مُشوه بالرفض الذي يتلألأ بين مجاحر عيناها !!!
أشار لها دون كلمة نحو السيارة .. وغادروا سويًا في طريقهم للقاهرة …
لم تتحدث ولو للحظة .. وكأنها تخشى مجرى الحديث الذي سينتهـي بزمجـرة تُميت أمل جديد داخلها !
إلتفت لها يهمس بصوت ساخر :
-إية مانطقتيش يعني تتحسدي ؟!

لم تنظر له، وخرجـت حروفها مُبهمـة جامدة تمامًا كملامحها تلك التي كانت كالبحر الميت !!
” عادي .. زي ما تقول كدة حرمت ! ”
تنحنح بشيئ من الذنب وهو يعاود النظر امامه …
وبعد وقت طويل كانوا يصلوا لمنزلهم المستقبلي في القاهرة ..
هبطوا سويًا نحو الشقة .. وما إن دلفوا حتى سمعت مهاب يقول بجدية جامدة :
-اتفرجي إنتِ على الشقة عقبال ما اروح مشوار واجي
صرخت فيه مصدومة :
-نعم أنت هتسبني هنا !!!!
اومأ مؤكدًا يتابع متهكمًا :
-اه يا طفلتي العزيزة، قصدي يا زوجتي العزيزة !

لم يعطيها تلك الفرصة للأعتراض فكان يغلق الباب بعنف .. وبعدها سمعت صوت المفتاح فعلمت أنه اغلقه عليها !!
سقطت على الأرض تبكي بعنف .. زهور حياتها تذبل مع الوقت حتى باتت مجرد صحراء قاحلة … !
تذكـرت كلمات والدتها قبل أن تأتي معه
” سيلين يا حبيبتي .. إنتِ عارفة إن محدش يقدر يعارض عمك للأسف ولا يقف في وشه، وعارفه إن خالك لو لجئنا له مش هناخد الا الضغط الزايد .. حاولي تتأقلمي مع مهاب يا سولي، مهاب واضح من كلامه إنه من جواه مش وحش !

”
مر الوقت عليها وهي تنوح ظلمات قدرها !!
تناجـي الرحمة من الضغوطات النفسية التي تقتحم حياتها من الان .. !
وفجأة قطعت الانـوار .. وهي لديها – فوبيا من الظلام –
نهضت مسرعة تصرخ بصوت عالي وقد ازداد نحيب بكاؤوها :
-لاااا حد يلحقني والنبي انا بخاف
ظلت تطرق الباب بعنف مكملة بصوت عالي جدًا :
-حد يفتح لي والنبي يااااااارب
وفجأة إنفتح الباب ليدلف مهاب وهو يحاول ان يمسكها بهدوء :
-هششش فضحتينا اهدي
وما أن لامست يده حتى أسرعت تلتصق به حتى أصبحت بين أحضانه حرفيًا !!

كانت تبكي وهي تردد بهيسترية من بين إنهيارها :
-حرام عليك أنت بتعمل فيا كدة لية منك لله
ظلت تض*ربه بقبضتها على صدره وهي تكمل بضعف :
-انا بكرهك طلقني انا مش عايزاك .. ابعد عني
كاد يبتعد ببطئ ولكنها تشبثت به متمتمة ببكاء طفولي :
-لا والنبي ماتبعدش عني انا بخاف من الضلمة
ظهرت ابتسامة طفيفة على التغييرات السريعة لتلك الطفلة التي تدعى زوجته !!!!
كلاهما لم يلاحظا إنهم يحتضنا بعضهم بقوة وكأن عشقًا ما يربطهم دون إطراب لظروف مُجبرة إياهم … !

وعاد النور مرة اخرى نظر مهاب لتلك التي كانت مستكينة على صدره بين احضانه وهو يحيط خصرها دون شعور !!
فابتعدت هي فجأة لتنهض وهي تشير له بأنفها الاحمر من كثرة البكاء :
-لو سمحت رجعني بيتنا تاني !
حاول تهدأتها :
-سيلين إنت ..
ولكنها قاطعته بصلابة لا تليق بطفلة مثلها :
-ارجووك.. رجعني بس بيتي تاني ومش عايزة اشوفك .. مش عايزاك اصـلاً !!
شعـر بغيظ كان كالسيلان يتفجر بين عروقه، فلم يشعر بنفسه سوى وهو يقربها منه بالقوة حتى إلتصقت به ..

فهمس وهو ينظر لعيناها البنية امام شفتاها مباشرةً :
-مش انا اللي عيلة على اخر الزمن تقولي مش عايزاك !!
كادت تعترض ولكنه كتم اعتراضها بشفتـاه الغليظة !!
يُقبلها بنهـم لا ينتمي لـ كاره مُجبر على الزواج بزاوية او بأخرى رغم محاولاتها في التملص منه …
لا يدري سر رغبته في تقبيلها دومًا، ولكن وكأن بشفتاها سحرًا غريب !!؟ **********

كانت ” حنين ” تركب السيارة لجـوار ” شريف ” صديق حمزة الذي رأته عدة مرات مسبقًا بالصدفة !!
صامتة تمامًا تفكر في عواقب فعلتها بالركوب معه .. فقطع هو الصمت يسألها بمرح :
-إية يا حنين مالك واكلة سد الحنك كدة لية ؟
حاولت الابتسام وهي تخبره بلطافة :
-لا عادي، بس كنت عايزة اشكرك على مجيك للعميد مخصوص
هـز رأسه نافيًا، وراح يخبرها بلكنة خاصة لم تلحظها :
-لو اطول اعملك المستحيل هعمل يا حنين !
وهي كانت شبه منجذبة له .. لهيئته الرجولية ووسامته الملحوظة !!

كان يتعدى جمال حمزة .. ولكن بالنسبة للناس فـ حمزة يتعداه بمراحل ؟!
وتقريبًا كان هذا عائق بين شريف وبين ابن عمه ” حمزة ” رغم حبه الصادق له !!!!
وصلا امام منزل حنين .. ففتحت حنين الباب وكادت تنزل وهي تهتف :
-شكرًا على كل حاجة يا شريف !
هـز رأسه نافيًا :
-لا منا طالع معاكِ لوالدتك عاوزها في حاجة كدة
اومأت متعجبة وبالفعل صعدوا سويًا للأعلى .. طرقت حنين الباب ودلفت وهي تخبرها والدتها بصوت منخفض :
-شريف ابن عم حمزة جاي وعاوزك معرفش لية !

اومأت وهي تنظر لـ شريف مرحبة :
-اهلاً يا شريف اتفضل اتفضل
دلف بابتسامة هادئة مرتسمة على ثغره الابيض .. جلسوا جميعهم بهدوء مترقبين لذاك الامر …
حتى قال شريف بجدية :
-مدام كاميليا انا كنت عايز أطلب ايد الانسة حنين منك !
حدقت حنين فيه مصدومـة !!
كأن الامر مُمثل لها كالفاجعـة التي أسقطتها فجأة ..
تمامًا كوالدتها التي قالت بابتسامة مضطربة :
-أنت فاجئتنـا يا شريف .. بس اللي فيه الخير يقدمه ربنا .. أنا حأقول لـ حمزة ونشوف
وجدته يهتف مسرعًا كأن ثعبان لدغه :
-لا ..

حمزة لا !!
نظر كلاً منهما له دون تعبير جيد .. كرسمة مشاعر مختلطة ومشعثة !!!
بينما سارع هو مبررًا :
-قصدي يعني حمزة مشغول جدا، احنا هنقوله بس بعد موافقتك وموافقة صاحبة الشأن طبعا
صمت كاميليا حوالي دقيقتين لتخبره بعدها بتردد :
-أنا مش معترضة طبعا يا شريف، أنت انسان محترم وماشوفناش منك حاجة وحشة وكفاية إنك صاحب وقريب حمزة يعني !!

ثم نظرت لحنين وكأنها تسألها، وبحكم العادة في اي امر كادت حنين تتطق
” زي ما حمزة عايز ”
ولكن اصطدمت جملتها الداخلية بتذكرها لصدمتها في حمزة في الصباح عندما اخبرها
” انا مش فاضي للدلع ده !! ”
وكان انجذابها وانبهارها بشخصية شريف ووسامته كـ سهمًا اخر صُوب لصالحه ..
فقالت بنبرة حاسمة :
-زي ما تشوفي يا ماما .. انا موافقة ! الفصل الثالث بعد مرور أسبوع …

دلـف حمزة إلى غرفته بالفندق الذي يقيـم فيه، خلـع الچاكيـت ليرميه على الأريكة، وما إن رفـع ناظريه عن الأرض حتى وجـد ” شذى ” تضـع قدم فوق الاخرى وتجلس على الفـراش مبتسمـة بتلك الطريقـة التي يود محوها للأبد !!!
فتح أزرار قميصه العلوي وهو يسألها بحدة :
-إنتِ بتعملي إية هنا يا شذى ؟ كان المفروض تبقي فـ اوضتك دلوقتي !
نهـضت مقتربـة منه ببطئ شديد، حتى وقفت على أطـراف أصابعها لتعبث في ازرار قميصـه المفتوحـة وهي تهمـس بنبـرة تحمـل عرضًا واضحًا :
-مالك يا حمزة ؟ شكلك متضايق .. ممكن نسترخي مع بعض !

هـز رأسه نافيًا بصلابة وهو يبعدها عنه .. هو يدرك أين راحتـه .. أين سكونـه ورواقـه .. واسفًا هو يدرك ايضًا أنه لن يناله !!!
راحتـه معها .. في أحضانهـا .. في بث تراتيـل عشقهـا الغائبـة عن عالمه …
ولكنـها كانت كـ اشيـاء نبتعد عنها في النور، ونبكيهـا ليلاً بين الظـلام !!
اولاهـا ظهره وهو يخبرها بصوت أجـش حاد :

-يستحسن تمشي لإني مش طايقك هه
رغـم تلك الإهانـة التي لُصقت بها وسط كلامه، إلا أن الشعـور بالنشـوة في تلك اللحظـات كان كاللحفـة الأقـوى في السيطـرة فلم تدري سوى أنها تبتسم بخبث قبل أن تقول بقلة حيلة مصطنعة :
-صدقني يا حمزة أنا بحبك، مش قادرة انساك !!
-لأ إنتِ مضطرة تنسي لإن في مصر مش حتكوني السكرتيرة بتاعتي، واحنا نازلين مصر قريب اصلاً
شعـرت أنها تلقـت صفعـة قاسيـة أحكمـت كل خيطًا خبيثًا كاد يُلف حول جوارح تثور بالإبتعاد عن تلك المعشوقة !!
فانتفضت وهي تهتف في حنق :
-هو احنا لحقنا ؟

ده أنت من الفندق للشغل ومن الشغل للفندق !!
أشـار لها بأصبـعه ينبههـا لتلك الخطوط التي مرت عليهـا كضبابيـات شفافـة بينما هي حدودًا لمملكة توجـت ملكتها وانتهى الامر !!!
” أنا مش جاي ألعب يا شذى، أنا اساسا جاي عشان اشتغل ”
نهضـت خلفه تحاول تخطي المحظورات وهي تضع يدها على ظهره بنعومة :
-أنا كان قصدي إنك لازم تاخد ريست شوية مش اكتر !
إنتفض مسرعًا يبتعد عنهـا، مشيرًا للخارج وهو يأمرهـا :
-اطلعي برة يا شذى، ملكيش فيه حتى لو ولعت فـ نفسي !
مطـت شفتيهـا بقلة حيلة مغتاظة :

-اللي يريحك
ثم استدارت بالفعل تغادر بهدوء تام .. هدوء يليق بثعبان لا تشعر به إلا بعدما تُلدغ منه وبقوة !!!!
بينما أخـرج حمزة صورة ” حنين ” من جيب بنطالـه .. يتحسسها بشوق دفين وهو يهمس :
-راحتي معاكِ إنتِ .. راحتي فـ ولادي منك، راحتي فـ حبك إنتِ، راحتي أنا عمري ما هطولها !! أنا تعبت ..
في نفس اللحظات رن هاتفـه معلنًا إتصال من كاميليـا .. للمرة التي لا يعلم عددها .. وللحق تلك المرات الاولى التي لا يحادثهم ولو مرة خلال ذلك الاسبوع !!

نظر للهاتف مدة دقيقتان ثم أغلق الإتصال مرسلاً برسالة نصية يخبرها أنه مشغول .. هو يريد هدنـة نفسية .. هدنـة يهـدئ فيهـا حصـار لدقـات غرامية ذات شحنة ضعيفة .. ضعيفة جدًا !! **********

وقفـت لارا امام الطبيب تحدق فيـه مصدومـة ..
لمَ إنحسرت زاوية الألم لتلك الدرجة ؟!
لم تُطبق الظروف على فتات روحها المتبقية للعيش بسـلام !!
جاذبية قدرها تُعاكـس قدرتهـا على الصمود.. واسفًا هي ضعيفة .. ضعيفة كقطعة خشب ستطفو على الفور دون صمود إرتكاز ولو قليل !!!!
رنـت جملة الطبيب بأذنيهـا
” والدتك دخلت فـ غيبوبـة .. كل ما بنتأخر حالتها هتسوء اكتر، انا اسف إني بقولك كدة بس واجب اعرفك خطورة الوضـع ” !
أي واجـب هذا يقضي على بقايـا كيان إنسان .. إنسان هامد من ض*بات ذاك الزمـن !؟
أين أهلها ..

لا يرغوبنها منذ وفاة والدها !
وهي لا تعلم من هو يملك المال سواه !!!
هو ” اسـر ”
وربما ستضطر للأسر معه في دائـرة لن تنتهي من المتاهات …
وجدت قدماها تسحبانها نحو تلك الشركة، ومن دون أن تخبر ” السكرتارية ” كانت تدلف للداخل …
وجدته منهمك في عمله .. وهي تمامًا مثله منهمكـه في محاولة كتمان تلك الإرتعاشة الميتة !!!
رفـع ناظريه لها يسألها بجدية :
-إنتِ دخلتي كدة على طول ازاي ؟ وعايزة اية اصـلاً انا ماطلبتش حاجة !
ربما حالها الميؤس هو من نطق :

-عايزة فلوس … منك !!
كان يحدق فيها ببلاهه لثوانٍ !!
أي ثقة هذه تحاول رسمها وهي تكمل :
-وأنت هتديهالي
كادت تنفلت منه ضحكـة ساخـرة على ثقـة تتبختر بين حروفها الواهية ..
سألها بخشونة :
-إية الثقة دي !؟ وبعدين عايزاها لية !
وجـد جسدها يرتعش اكثر !!
بل دوامـة من التشنجات كادت تُصيبها وهي تحاول الصمود ..
نهض مسرعًا يقترب منها وهو يشير لها مهدئًا :
-هششش اهدي اهدي في إية !
قالت دون أن تنظر له بحروف متقطعة بعض الشيئ :
-ماما ..

ماما في المستشفى تعبانة وعايزة فلوس !!
امسكهـا برفق من كتفيهـا، ليزيح تلك الخلصة التي ظهرت من اسفل حجابهـا معلنة التمرد كصاحبتها تمامًا .. ليهمس بفتور :
-اهدي طيب
نظر لها لدقيقتـان قبل ان يسألها بصوت لمع به صدى خبثًا لم يجد عليها :
-وأنا هاخد إية لما اديكِ الفلوس ؟
وكأنها بدأت تستفيق رويدًا من تلك الأغماءة القصيرة على جملته التي كانت كصفعـة أيقظتها من غفوة البراءة !!
إنتفضت مبتعدة عنه وهي تزمجر فيه :
-لو فاكر إنك هتاخد مني حاجة عشان قولتلي إني عجباك وأنا عايزة فلوس تبقى غلطان !

ابتسـم بسخريـة طفيفة في قاع الخبث، ليردف بهدوء :
-اهدي كدة بس .. كله بالحلال إن شاء الله متقلقيش !
عقـدت ما بين حاجبيها ببلاهه :
-قصدك إية !؟
اقترب اكثر منها حتى أصبح على بُعد خطوة واحدة منها، وكان صوتـه طربًا لأمل جديد … ولكن معذرةً .. ألم أسود .. حالك تحت مسمى الامل !!
” قصدي هتجوزك .. هتجوزك رسمي ! ”
رآن الصمت بينهما قاتـل ..
هو يحادث نفسـه .. فترة قليلة فقط وسيتركهـا .. هو لن ولم يكون الخاسـر .. لن يعلم أي شخص ..

ستكـون فترة قصيرة ولذة كبيرة !
خلف أسـوار الأسـرار المزروعة …
ولم يصدق وهو يسمعها تهمس بضعف :
-موافقة .. هتديني الفلوس ولا هتكتب الكتاب الاول !؟
هـز رأسـه نافيًا يمسـك بيدها المرتعشة بوهن ويقول :
-هنروح نشوف مامتك الاول وندفـع الفلوس وبعد كدة نكتب الكتاب
سحبهـا معه برفق .. هو يثق تمام الثقة أنها لن تصدع وعد قطعتـه .. وإن كانت مجرد راقصـة !!
نظرتـه في البشر لا تخيب ابدًا…
لم يكادوا يتخطوا الباب حتى وجدها تسقط مغشية عليها بين ذراعيـه ..

صُدم وهو يلتقطها مسرعًا قبل أن تصل للأرضية فتصبح بين أحضانه ..
ليربت على وجنتاها بشرود هامسًا بصوت خفيض جدًا :
-يا ترى مخبية إية !؟

كان مُـهاب يتحـدث في الهاتف قبل أن يصل لمنزل ” سيلين ” مع والده الذي سمعه يقول بجدية :
-يا مهاب البنت تعبانة .. عمها قالي فـ وسط الكلام ومن الذوق إن جوزها يتطمن عليها بردو !! ولا إية
-اه ماهو عشان ام الذوق هفضل رايح جاي من القاهـرة للواحات ومن الواحات للقاهرة، ياخي ملعون ابوها جوازة !
-يابني ادم رايح جاي اية، أنت بقالك اسبوع مابتسألش عن البنت ولا تعرف عنها حاجة !!؟؟؟
-خلاص يا بابا أنا وصلت .. يلا سلام أنت
-ربنا يهديك يا مهاب، سلام
أغلق الهاتف يتأفف بضيق ..

الان فقط بدأ يشعـر بتلك السلاسـل التي تُلف حول محور حياته ..
وبالطبـع تحمل تصريح باسم ” الزواج ” !!
طرق الباب بهدوء لتفتح له والدة ” سيلين ” تهتف بباشة :
-اهلا يا مهاب .. اتفضل يابني
حاول رسـم ابتسامـة شاحبـة على ثغره ليدلف بخطى هادئة، سألها بهدوء :
-اخبار حضرتك ؟
ابتسمت في حنو تجيبه :
-الحمدلله يا مهاب
تنحنح بتردد قبل أن يسألها مرة اخرى :
-هي سيلين فوق يا طنط لو سمحتي ؟ عرفت إنها تعبانة
اومأت متنهدة بضيق :
-اه ..

هي نايمة في السرير سخنة، اطلع لها عقبال ما اعملها الشوربه واجي
اومأ موافقًا لينطلق نحو الاعلى، فتح الباب ببطئ لتشـرف عينـاه الباحثة عن مأوى الإعجـاب كما هي دومًا ..
تتسطح على الفراش وتغطي جسدهـا بأكمله عدا وجههـا الذابل .. اقترب منها ببطئ حتى جلس على الفراش لجوارها، ظـل ينظـر لملامحهـا البريئة التي لونها القدر بلون اعطاهـا حلكة لا تليق برسمة قسماتها تلك !!!
مد يده يهزها برفق هامسًا :
-سيلين !؟ سيلين ..
بدأت تتململ ببطئ لتزيح بتلقائية الغطاء عنها مصدرة همهمة ناعمة :
-انا حرانة اوي !

كشفت الغطـاء عن ذاك ما يشبه قميص النوم يُعري ساقيها البيضاوين .. بل ومعظم جسدها !!!
ابتلـع ريقه بازدراء وهو يتفحصها يكاد يتآكلها بعينـاه .. من يراه لا يُصدق أنه شاب في اواخر العشرينـات من عمره لم تكشف امامه امرأة يومًا بتلك الطريقة .. !
ولا يصدق أنها طفلة لم تكمل عهدها الثاني !

انت في الصفحة 2 من 11 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى