يجلس بوجه متجهم ، يتناول طعامه بشرود، و حديث البارحة يعاد مراراً و تكراراً في ذهنه يجلده في كل مرة ، كان الصمت هو المتحكم الوحيد في تلك الجلسة ، إلا أن قطعه موسى قائلاً وهو يسلط أنظاره على ابنه :- إسلام أنا مرضيتش أعاتبك على اللي عملته قدام الجماعة فوق ، وانك احرجتني قدام أخويا ، وأن إزاي ابني عادي بيكسر كلمتي و ما بيهمهوش حد . هتف بغيظ مكبوت :- أنا آسف يا بابا أنا ما أقصدش أبداً أقلل منك ، بس اللي أنت بتطلبوا مني دة بصراحة فوق طاقتي ، وما أقدرش أنفذه .
أردف بروية :- بص يا ابني أنا عارف إنك مظلوم في الحكاية ، و ملكش دعوة بأي حاجة بس لما الأمر يمس عرض أخوك لحد هنا و كفاية ، يا ابني الناس ما هتصدق و هتقعد تلت و تعجن ، اللي هتعمله دة لمصلحة الكل . أردف بغيظ :- حضرتك وأنا ذنبي إيه أتقرطس بالشكل دة ؟! تنهد بضيق قائلاً بدفاع :- إسلام اياك فكرك يوديك لحاجة غلط في حقها . رفع حاجبه باستنكار قائلاً :- نعم ! دة اللي هو إزاي معلش ؟! واحدة جايبينها من شقة واحد غريب هيكون بيعملوا إيه يعني !
ثم ضحك بتهكم قائلاً :- لا شكلها مش ساهلة قدرت تقنعك إنها بريئة، لا هايل للفنانة . جز على أسنانه بغيظ قائلاً :- ياض متبقاش زي أيوب قفل كدة ، و تظن فيها الوحش . أردف بانفعال :- يعني أنا بتبلى عليها ! أومال تسمي اللي شوفناه دة إيه ؟ مسح على وجهه بعنف قائلاً :- تصدقوا بالله دماغكم دي كلها زفت ولا واحد راضي يريح التاني ، مريم مش راضية تتكلم لأن واضح أن الموضوع ما يخصهاش وطالما كدة يبقى استحالة تتكلم في اللي ما يخصهاش لو مشيت السكينة على رقبتها ودة مربط الفرس ..
ضحك مغلوباً على أمره قائلاً :- والله يا بابا مش عارف أقولك إيه ! دة إيه المبادئ العظيمة دي بس ! بقى الأستاذة الفاضلة مش عاوزة تتكلم علشان الموضوع ما يخصهاش ! أومال يخص مين يا حج ؟ بابا أنت طيب وعلى نياتك ، أنت ما تعرفش بنات اليومين دول و بيفكروا في إيه؟ أردف بغيظ :- ما يهمنيش أنا كل اللي يهمني مصلحة العيلة . أردف بعدم تصديق وهو يشير لنفسه :- ودة طبعاً على حسابي أنا !
نظر بعيداً يهرب من مرمى عينيه قائلاً بصرامة :- أفهم زي ما تفهم ، بس إياك تصغر من قيمتي قدامهم ، أنا أتفقت مع أبوها . نهض قائلاً بسخرية :- يبقى أعمل إللي عاوز تعمله ، أظن رفضي أو موافقتي مش هيفرق . أنهى كلماته و خرج كالمدفع ، يطوي درجات السلم من تحته ، و يسب بداخله جنس حواء ، ذلك النوع المخادع والماكر خلف قناع البراءة .. هتفت والدته التي كانت تلتزم الصمت منذ البداية :- ما براحة على الواد يا حج ، مش كدة بردو .
أردف بضيق :- أديكي شايفة دماغه الزفت ، أعمل معاه إيه يعني ؟! استرها يا رب و جيب العواقب سليمة. أردفت بضيق :- بس يا حج دي مش جوازته ، آه هي بنت أخوك و مقولناش حاجة بس كان ودي أجوزه واحدة يكون هو أول بختها مش مرات أخوه ، و بعدين إزاي عاوز تتستر على الفضيحة دي وابني يلبس الليلة لوحده ذنبه إيه؟
زفر بغيظ ، يشعر بالتخبط ، ولكن عليه المضي قدماً ، فنهض من مكانه قائلاً بهدوء :- أنا نازل تحت الوكالة ، و بعدين لما الأمور تهدى هنقعد و نتفق على كل حاجة ، و ربنا يستر ميكونش حد علم بالموضوع فنلمه بسرعة . وصلت بوقت قياسي للمشفى ، و دلفت مهرولة لغرفتها ، فتحت الباب فوجدت آلاء تجلس على مقعد بجوار رحيق التي بدنيا غير الدنيا. هتفت بقلق :- مالها يا آلاء الدكتور قال إيه ؟
هتفت بحزن :- قال إن عندها إنهيار عصبي ، و لسة ما فقتش . جلست على الجانب الآخر، و نظرت لوجهها الشاحب قائلة :- طيب الدكتور ماقلش من إيه ولا حتى إنتي تعرفي السبب اللي خلاها توصل للحالة دي ؟! هزت رأسها بنفي قائلة :- لا ما أعرفش أنا كنت مستنياها و فجأة لقيتها جاية عليا معيطة و يدوب بقولها في إيه وقعت من طولها علطول . مسدت على يدها برفق قائلة بتعاطف :- يا حبيبتي ! بس تقوم و نبقى نعرف مالها .
أومأت لها بخفوت ثم أردفت بحذر :- معلش يا مدام سندس بوظنالك اليوم النهاردة ، و تعبناكي معانا و النهاردة يوم مهم بالنسبالك . قطبت جبينها بضيق ، و أردفت بعتاب :- أخص عليكي يا آلاء دة كلام بردو ! أهم حاجة سلامة رحيق ، و بعدين أي حاجة تانية تتعوض ، و على العموم لسة فاضل تلات ساعات ..
خيم الصمت للحظات في الغرفة حتى قطعه صوت تأوه صادر من ثغرها ، و تدريجياً فتحت مقلتيها ببطئ لتعتاد على الضوء ، فانتبهت آلاء قائلة بلهفة :- رحيق إنتي فوقتي ؟ حمدا لله على سلامتك ، ألف بعد الشر عنك ، كدة توقعي قلبي ! هتفت بصوت خافت ، و لكنه مسموع :- الله يسلمك يا آلاء ، أنا فين ؟ أجابتها بهدوء :- ما أعرفش الجواب عندك انتي يا رحيق ، إيه اللي حصل خلاكي تقعي من طولك كدة ؟
ما إن تذكرت ما حدث ، ترقرق الدمع بعينيها سريعاً ، وعلت شهقاتها و ملئت المكان ، و انفجرت باكية بصوتها العالي . أصابتهم الدهشة والقلق حيال أمرها ذاك ، فجلست سندس بجوارها ، و احتضنتها قائلة بحنو و هدوء :- بس خلاص أهدي ، إنتي معانا و كويسة دلوقتي هشششش …بس خلاص أهدي .. أخذت تمسد على رأسها ، وتقرأ لها بعضاً من آيات الذكر الحكيم إلى أن غرقت في النعاس مجدداً . وضعتها على الوسادة برفق ، ثم دثرتها جيداً ، و نظرت لآلاء قائلة بقلق :- و بعدين ! أنا ابتديت أقلق كدة .
أردفت الأخرى بقلق مماثل :- فعلاً ، حالتها مش طبيعية ، دي آخر مرة كانت كدة يوم ما أتوفت خالتها ، و دة يعني أنها اتعرضت لمشكلة و مش أي مشكلة ، أنا هتصل على خالتي سميحة من تليفونها و أشوف. … التقطت الهاتف الخاص برحيق وقامت بالاتصال عليها و سرعان ما أتاها رد الأخرى الذي كان بمثابة صاعقة حلت عليها ، فتحولت إلى تمثال جامد . راقبتها سندس بتعجب و أردفت بحذر :- مالك إنتي التانية في إيه ؟
أردفت آلاء بة :- مصيبة يا مدام مصيبة …. بعد إسبوعين دلفا سوياً للشقة الخاصة بهم بعد إنتهاء حفل زفافهم البسيط الذي اقتصر على حضور العائلتين ، و بعضاً من الجيران في أجواء مشحونة و ابتسامات اضطروا أن يرسموها حتى لا يشك بهم أحد ، و لحفظ مكانتهم وسط جيرانهم بعد الجريمة الشنعية التي كانت على وشك ارتكابها . صعدت معه تاركة طفلها مع والدتها وهي تشعر بأنها تساق للموت ، وأن كل ما يحدث هو بالتأكيد كابوس مزعج ستستيقظ منه عاجلاً.
جز على أسنانه بعنف وهو يطالعها بغيظ ، وبالتحديد لأنها أنثى خائنة للعهد كمثل سابقتها ، كيف تفعل ذلك بعد رحيل زوجها ، وكيف تقبل أن تتزوج بغيره ؟!
أنهن كاذبات يدعون البراءة ، و هم يرتدونها أقنعة للإيقاع بضحاياهم ، و جذبهم نحوهن . رفع حاجبه بسخرية قائلاً وهو يراقب تعابير وجهها المتشنجة :- ايه دة أوعي تقولي إنك مغصوبة والكلام دة ووكي على إيدك علشان تعملي كدة !
كانت تفرك يديها بتوتر شديد ، وهي تشعر بأن قلبها على وشك أن يقفز للخارج من قفصها الصدري ، ولا تصدق ما تعيشه في تلك اللحظة ، فقد ظنت أن طريقها معه مستحيل حتى أنها استسلمت لذلك الواقع ، ولكن شاء القدر أن يجمعهما فما نظنه مستحيل علينا ممكناً وسهل الحدوث عند خالقه .
نظرت له وهي تهز رأسها بعدم فهم فضحك بتهكم قائلاً :- أيوة ….أيوة …كملي دور البريئة دة كملي .
ثم أضاف بسخرية لاذعة وهو يمد أصابعه بجرأة يتلمس وجنتيها اللتان اصطبغتا باللون الأحمر المتوهج كالشمس الحارقة في ساعات ذروتها :- وايه دة اسمه إيه ان شاء الله كسوف دة ولا إيه النظام ! هو بعد اللي عملتيه ليكي عين تتكسفي طب مش كنتي تقولي عاوزة راجل في حياتك ؟
جحظت عيناها بة من حديثه الذي قطع قلبها لأشلاء صغيرة فتناثرت كل قطعة في مكان غير الآخر بداخل أعماقها المظلمة ،بينما احتلت جهنم عينيه غضبا ، و تعالت نبرة صوته ، وهو يغرز أصابعه في ذراعها فأصدرت تأوهاً خافت ، وهي تتطلع له بذعر ، بينما أردف بغضب عاصف غير مكترث لحالتها وقد أعمى الغضب عينيه حديث الأخرى التي كان يخطط يوماً بالزواج منها ولكنها ماذا فعلت تركته عندما وجدت الأكثر ثراء منه فتركته فوراً :- انتوا إيه، نوعكم إيه بالظبط ؟! مفيش إخلاص خالص جوزك ميت ملهوش سنة ونص و عاوزة تكوني في حضن راجل غيره و…….
لم يكمل حديثه حينما عاجلته بصفعة مدوية في وسط أرجاء الشقة فهي لن تسمح له بأن يهين كرامتها أكثر من ذلك ، ورفعت أصبعها الذي يرتعش بخوف قائلة بتهديد مبطن بالرعب من نظراته النارية التي يرسلها لها وهي تحاول أن لا تدع دموعها تتساقط أمامه :- اخرس خالص أنا مش هسمحلك تتمادى واسكت إياك… ثم إياك تتكلم عني كلمة وحشة أنت سامع ؟ أخذ صدره يعلو ، ويهبط بعنف ، وتحولت عيناه إلى لهيب حارق وهو يقف في حالة ذهول مما فعلته للتو . أصفعته لتوها !