لم يرفض “سفيان” عرضها بل تناول عُلبة العصير وأخذ يرتشف منها دون أن يسأل أسئلته المعتادة عن نظافة الأشياء. _ طعمه جميل شكلي كده هبقى زبون دائم عند صاحب المعصرة. بخجل ردت “سلسبيل” وهي تستدير بجسدها وتتجه نحو مكانها وراء طاولة البيع. _ دا احلى واحد تشرب من عنده عصير قصب. اِتسعت إبتسامة “سفيان” واستمر بالنظر إليها لتضيق حدقتيّ “محمد” بفضول سُرعان ما غادر بؤبؤي عينيه واحتلهم المكر.
•••• وَ إِرتَوَىٰ الفُؤَاد الفصل الرابع. _ بقلم سهام صادق.
غَمرت السعادة ملامح “سلسبيل” التي كانت للتو تُغادر الصيدلية بعدما اِنتهى دوام عملها بالفترة الصباحية. وقفت مكانها وعلى محياها اِرتسمت إبتسامة خفيفة بعد أن تأكدت من هوية صاحب تلك السيّارة التي لمحت قدومها من بعيد. بالفعل وجدته هو من يترجل من سيارته وقد اِستعجبت قدومه اليوم؛ فهي صَارت تعلم مواعيد إجازته. اِبتسم “حاتم” عندما اِنتبه على وقوفها ثم حياها برأسه ومضىٰ نحو مدخل البناية التي تتكون من عدة طوابق وملك للعائلة.
…..
_ يا أهل الدار، يا أهل الدار أنا جعانه، أنا شامة ريحة محاشي ترد الروح.
قالتها “سلسبيل” عندما دلفت المنزل؛ فضحك والدها الجالس أمام التلفاز ويشاهد أحد النشرات الإخبارية. _ فضحتينا من على الباب. تقدمت “سلسبيل” من والدها وغمزت بعينها قائلة: _ هي “روحية” راضية علينا ولا إيه؟ صفعتها والدتها على رأسها بعدما إلتقطت أذنيها حديثها. _ “روحية” راضية عليكم على طول، اعملوا بس ليا زي ما أنا بعمل ليكم. _ شوفي آهو جبتي لينا الكلام. اِمتعضت ملامح “روحية” بعدما اِستمعت إلى رد زوجها لتقترب منه قائلة: _ هو ده اللي ربنا قدرك عليه يا “رضوان”، ده انا واقفه في المطبخ بعمل ليك المحشي اللي أنت قولت نفسك فيه.
قلبت “سلسبيل” عينيها بينهما وسُرعان ما كانت تبتعد عنهما وهي ترفع ذراعيها بإستسلام. _ أنا بقول انسحب قبل ما يتقال ليا أنتِ السبب. على الفور رد والدها بعدما هرولت من أمامهم. _ محدش بيقلبها عليا غيرك وياريت بتقفي معايا. صدح صوت ضحكات “سلسبيل” على ما فعلته، فوالدتها صَارت لا تمرر أي كلمة لوالدها.
•••• في منزل “سليمان الراشد” والد “حاتم”…. كان صوت السيدة “فاتن” يرتفع برفض قاطع لِما يخبرها به ولدها. _ عايز تتجوزلي واحده من بتوع مصر، لأ والف لا… مالهم بنات عيلتنا ومعارفنا… “إسراء” بنت عمك يعيبها إيه.. مال وجمال وعلام ولا “أحلام” بنت خالك دكتوره أد الدنيا.
تنهد “حاتم” بمقت ثم نهض من فوق المقعد الجالس عليه ونظر نحو والده الذي يتخذ دور الصامت دائمًا أمام والدته. _ قولت مليون مرة مش هتجوز من العيلة ولا من القرية نفسها، و “ماريهان” اللي مش عجباكي ابوها مساعد وزير الداخلية وابن عمها الرائد “ماجد” زميلي… ده غير باقي العيلة كلها رُتب عالية. لوت السيدة “فاتن” شفتيها وكررت رفضها بتعنت. _ خلي الرُتب والدبابير ليها، أنا مش عايزه واحده مصراوية. بنظرة يائسه ألقىٰ “سليمان” نظرة على زوجته التي لا يغادر التجهم ملامح وجهها ثم نهض حتى يترك لهم المكان.
_ لو بنت ناس كويسين فعلاً يا بني خد لينا ميعاد وسيب أمك، على سواد الليل هتلاقيها وافقت ولانت. ابتسم “حاتم” لوالده الذي لولا ضعف شخصيته أمام والدته لكان تمنى أن يشبهه. أشاحت السيدة “فاتن” عينيها وأخذت تتمتم بضيق بأنها لن تذهب معهم.
ولأنه كان يعرف طِباع والدته، كان متأكد أن ما يُريده سيحدث. _ ست البيت القمر، أطيب وأجمل ست في العيله. _ ابعد يا واد وبطل تضحك عليا. قالتها “فاتن” بعدما جلس جوارها وانتزعت ذراعها من قبضة يده ليُقبل خدها مداعبًا لها بالكلام.
_ بقى حضرت الظابط يتقلوا واد، مقبولة منك يا ست الكل.
•••• في منزل “جمال الراشد”…. كان الأمر مختلفًا حيث جلست السيدة “صباح” صاحبة الوجة البشوش تنتظر سماع ما يتوق له قلبها. _ يا بني قول الخبر اللي نفسي فيه وريح قلبي. اِبتسم “سفيان” ثم إلتقط كفوف والدته وقبلهم. _ هريح قلبك خلاص يا أم “سفيان”. بلهفة تساءَلت: _ عجبتك واحده وعايزني اخطبهالك؟ ضحك “سفيان” على لهفة والدته لتعبس ملامحها بعدما أصابها الإحباط ثم دفعته بقبضة يدها على صدره بخفة.
_ الوحيد في اخواتك اللي مش مريح قلبي. _ بقى كده يا أم “سفيان”. خرجت تنهيدة “صباح” برضىٰ عن فلذة كبدها. _ لأ يا بني ربنا يرضى عنك، بس لو تريح قلبي. اِتسعت إبتسامة “سفيان” ليخرج الكلام منه دفعة واحدة مما جعل إبتسامة والدته تتسع. _ أنا فعلاً لقيت بنت الحلال اللي الكل أجمع على أخلاقها وأدبها وأهلها ناس طيبين. الفرحة اِخترقت قلب السيدة “صباح” وظهرت بنبرة صوتها. _ مين يا بني قولي واحدة نعرفها؟، بنت ناس نعرفهم؟.
َإلتمعت عينيّ السيدة “صباح” وانتظرت أن ينفلت الكلام من بين شفتيه. _ “سلسبيل” يا أمي.
…. جلست “سلسبيل” على فراشها تتثاءب بنُعاس ثم إلتقطت هاتفها لتتصفحه. _ البت “هبة” مرنتش عليا ولا ردت على رسالتي، شكلها مشغوله ولا عيانه ولا إيه! ثم أردفت وهي تمرر أصابعها على شاشه الهاتف بعدما دخلت أحد مواقع التواصل الإجتماعي الذي يهتم فيه الأشخاص بعرض صورهم. _ بكره اتصل بيها وأعرف مختفيه ليه. وسُرعان ما كان يُغادر النُعاس ملامحها عندما إلتقطت عينيها صورة ليدين متعانقتين ويرفق الصورة مقطع من أغنية تصف الحالة والصورة. قربت شاشة الهاتف منها حتى ترى صورة اليدين بوضوح لتتساءَل بحيره.
_ معقول دي ايده ولا مجرد صورة. ظَلت طيلة الليل تقلب في الهاتف وقد اِختفى الحماس الذي كان يُطمئن قلبها.
•••• زفرت “سلسبيل” أنفاسها بقوة واِستكملت سيرها بالطريق المؤدي إلى مكان عملها وقالت بوجوم. _ حساها ايده يا “هبة”، صحيح الصورة مش واضحة اوي.. بس قلبي بيقولي إنها ايده. تنهدت “هبة” بحيره وهي تلتقط العبوة حتى تجهز لــ صغيرها رضعته. _ تفتكري هيخطب قريب؟ أسبلت “سلسبيل” جفنيها وجَلىٰ الحزن ملامحها. _ أنا مش عارفه ليه عملت في نفسي كده، اقول فيكي إيه يا شيخة.
مطت شفتيها بعبوس بعدما اِرتفع صوت “سلسبيل” فجأة. _ وأنا مالي يا ختي، أنتِ روحتي اشتغلتي عندهم في الصيدليه وشوفتيه وعجبك… شعرت “سلسبيل” بأنها بحاجة لإستكمال سيرها في صمت، فقالت قبل أن تنهي المكالمة. _ أنا مخنوقه يا “هبة”، اقفلي خلاص عشان مكالمتك زودت همي. ذهبت إلى الصيدليه وفي رأسها عِدة أسئلة بلا إجابة لكن ما صَارت متيقنة منه، “حاتم” لا يشبهها وعليها أن تتعافىٰ من وهم حُبه. شرودها اليوم أثناء عملها كان مُلفت للجميع..
_ مالك يا “سلسبيل”؟. تساءَل الدكتور “محمد”؛ فردت عليه بــ نبرة شاردة وهي تنظر نحو عُلبة الدواء التي بيدها. _ مفيش يا دكتور. ليرمقها بنظرة طويلة ثم اِبتسم وحرك رأسه وعاد للجلوس وراء طاولة مكتبه.
•••• نظرت “سلسبيل” نحو والدتها بتعحب عند دلوفها غرفتها وعلى وجهها اِبتسامة واسعة فرحة. _ تعالي كلمي بابا و “محمود” اخوكي يا “سلسبيل”. زادت دهشتها من طلب والدها لها وأيضًا شقيقها وفور أن خرجت لهم تساءَلت بقلق. _ انتوا عايزني في حاجة؟
تلاشىٰ القلق من على ملامحها عندما اِبتسم شقيقها ونهض من جِوار والده قائلًا: _ مش قولتلك من قريب شكلك اخرك معانا الصيف ده. إحتضنها شقيقها وواصل كلامه بحُب. _ المرادي العريس مفهوش عيب. _ عريس!! هتفت بها “سلسبيل” وهي تنقل عيناها بين والدها المبتسم وشقيقها. _ عريس شافك في فرح عيلة “الراشد” يا بنت بطني. قالتها والدتها من ورائها لتلتف “سلسبيل” ناحيتها بذهول. _ أنا مش فاهمه حاجة. _ هو إيه اللي مش فاهمه حاجة يا “سلسبيل” بنقول عريس شافك في فرح عيلة “الراشد”، ما أنتِ كنتي طالعه زي القمر.
هتف بها “محمود” شقيقها والسعادة تضج بعينيه.
تدخل والدها أخيرًا بالحديث وقد اتضحت الصورة وهوية العريس الذي ظنت لوهلة أنه “حاتم الراشد”. _”سفيان الراشد” طلب ايدك يا بنتي.
•••• اِندفعت “سلسبيل” نحو غرفتها بعدما أخبرتهم برفضها للعريس وقد اِرتفع صوت شقيقها من ورائها بإستنكار. _ إيه هو اللي لأ، بنتك عايزة تعقل يا ماما… عقلي بنتك عشان الظاهر دماغها فيها حاجه. اِبتلع “محمود” بقية كلامه بعدما خرج صوت والده بتحذير. _ اختك ست البنات، وهي حره في قرارها… أنا هدخلها اشوفها.
جلست “سلسيل” على فراشها وهي تشعر بالإختناق ولا تصدق ما سمعته، “سفيان الراشد” تقدم لخِطبتها وهي التي كانت تنتظر أن يكون “حاتم” ابن عمه. رفرفت بأهدابها عدة مرات حتى لا تبكي لتستمع إلى صوت والدها قبل أن يلج لـ غرفتها. _ إيه يا حبيبتي ممكن أدخل؟ حاولت “سلسبيل” إخفاء مشاعرها عن والدها وأخفضت رأسها قائلة: _ طبعًا، اتفضل يا بابا.