ابتسم “رضوان” عندما جلس جانبها ومد يديه يحتضن وجهها بين كفيه. _ قوليلي يا حبيبتي ليه قولتي لأ على العريس من قبل ما تعرفي مميزاته. بصوت منخفض ردت دون أن تنظر في عينين والدها: _ مش محتاجة اعرف عنه حاجة لاني عارفه، أنت ناسي يا بابا إن مدام “زينه” زوجة دكتور “محمد” اخته، غير إن الدكتور “محمد” ابن عمه… هَـز “رضوان” رأسه ثم تنهد وقال:
_ ما أنا عشان كل اللي بتقوليه ده عايزك تفكري كويس وتصلي استخارة، الشاب يا بنتي مافيهوش حاجة تخلينا نرفضه من بره بره ، الكل بيمدح في اخلاقه، انا بسمع عنه من زمان خصوصًا بعد حـ,ـادثة أخوه الكبير. رفعت رأسها وكادت تتحدث وتخبر والدها أن الأمر منتهي ولا تُريد أن يتقدم لها بالمنزل لكن والدها نهض قائلًا بحنو: _ هسيبك تفكري وبكره قوليلي قرارك ولو عايزه وقت زيادة تمام، الراجل كده كده شاري وعايز يدخل البيت والموافقة مستنيها من عندنا.
غَادر والدها غرفتها لتضع وجهها بين كفيها لا تستوعب ما سقط فوق رأسها فجأة، “سفيان” ذلك الذي صَار يأتي إلى الصيدلية مؤخرًا وظنت أنه يأتي من أجل “تغريد”!!… غير أن “سفيان” و “حاتم” أولاد عم.. ما هذا المأزق؟؟؟ وضعت يدها على قلبها لعلَّ دقاته تهدء قليلًا ويخف الألم الذي جثم عليه. _ مستحيل أوافق عليه مهما كان. وكما فعل والدها فعلت والدتها، وها هي والدتها تُغادر غرفتها حانقة من مبررها الغير مقنع… أنها لا تراه مناسبًا لها.
في الصباح… قبل أن يذهب “محمود” -شقيقها- إلى عمله دق باب غرفتها ثم دلف بعدما أتاه صوتها. _ صباح الخير يا “سلسبيل”. طَوت “سلسبيل” سجادة الصلاة ووضعتها على الفراش، ليقترب منها “محمود”. _ مرضتش امبارح ادخلك، قولت اسيبك تفكري مع نفسك شويه.. قوليلي بقي إيه سبب الرفض العجيب.. ده أنتِ حتى مستنتيش تسمعي عنه حاجة. إبتلعت “سلسبيل” لُعابها ثم هربت بعينيها بعيدًا عنه وقالت نفس الحديث الذي قالته لـ والدها: _ يا “محمود” هو مفيهوش عيب ولا سمعت عنه حاجة وحشه كفاية إنه اخوه مدام “زينة”.
لطم “محمود” كفيه ببعضهم وتساءَل: _ طيب ما دام شايفه إنه مفيهوش حاجة تترفض، ليه قولتي لأ. _ يا سيدي أنا حره ، دي حياتي وأعمل اللي عايزه اعمله. لم تنتبه “سلسبيل” على ما نطقته إلا عندما اِرتفع صوت “محمود” بحده. _ “سلسبيل”، خدي بالك من كلامك متنسيش إني اخوكي الكبير. تنهدت بضيق من تسرعها بالكلام. _ أسفه يا “محمود” متزعلش مني، أنا مش عارفه أنا مخنوقه ليه. اِقترب منها “محمود” وضمها بحُب إليه.
_ خدي وقتك في التفكير، بس فكري بعقلك يا “سلسبيل” لأن “سفيان الراشد” عريس ميترفضش ده غير إنك مش هتلاقي فرصه زي دي.. أنتِ ناسيه إننا عايشين في قرية والعائلات المرتاحة فيها معدودين. إبتعدت عن حضـ,ـنه، فأخيها يفكر كما فكرت هي من قبل عندما شغلت عقلها بــ “حاتم” حتى وقع قلبها في حُبه. _ أنت من قريب كنت بتقول إنك مبتحبش عيلة
“الراشد” وشايف إن فلوسهم أساسها الأثار. زَوىٰ “محمود” ما بين عينيه يدعي الجهل لما قاله.
_ أنا قولت كده خلاص اعتبريني مقولتش. ضحك عقب ما تفوه به ثم مَدّ كف يده ومسح على خدها بلُطف. _ عايزين نفرح يا “سلسبيل”. وما قاله شقيقها أعادته زوجته… أنهم يريدون الفرح و
“سفيان الراشد” عريس مناسب ولن تأتيها هذه الفرصة مرة أخرى، فعائلة “الراشد” أكبر عائله بقريتهم وبالمدينة. عندما غَادرت “هناء” زوجة شقيقها زفرت “سلسبيل” أنفاسها بقوة قائلة: _ مفاضلش غير “مهاب” يقول رأيه،، اكيد ماما زمانها اتصلت بيه وبلغته.
•••• _ بتقولي مين اللي اتقدم ليكِ، “سفيان الراشد”!!
قالتها “هبة” بصدمه وبصِراخ أفزع زوجها الجالس بالصالة وذلك الصغير النائم على فخذيها. _ تصدقي حظك حلو يا بت يا “سلسبيل”. وسُرعان ما كان يتحول حديث “هبة” للدهشة مرة أخرى. _ يعني هو كان بيجي الصيدليه عشانك أنتِ مش عشان “تغريد”. ثم واصلت “هبة” كلامها بصوت خرج كالصراخ. _ ايوة بقى، ده إحنا طلعنا جامدين وطلعنا من فرح عيلة “الراشد” بعريس. هذه المرة اِرتفع صوت “أسامة” زوج “هبة”. _ صوتك يا هانم. أسرعت بوضع يدها على شفتيها بعدما حذرها زوجها.
_تعرفي يا “هبة” انا ندمانة إني كلمتك، روحي شوفي جوزك.. قاطعتها قبل أن تنهي المكالمة. _ استنى بس يا “سلسبيل”، يا بت بنكشك. زفرة طريقة خرجت من بين شفتيّ” سلسبيل” ثم رفعت كف يدها لتمسح وجهها. _ أنا دماغي مش حِمل هزاز يا “هبة”، قوليلي اعمل إيه، في البيت مصممين إن” سفيان” يدخل البيت ويتقدم شايفين رفضي المرادي غباء وحجج فارغة. شعرت “هبة” بالشفقة على صديقتها. _ أنتِ ليه مكبره الحكاية يا “سلسبيل”، ما توافقي تقعدي مع “سفيان” مش يمكن يعجبك.
اِمتقعت ملامح “سلسبيل” من كلام “هبة”، فهي تعرف كل شئ وتتحدث مثل أهلها. _ أنا غلطانه يا “هبة” فعلاً إني كلمتك. _ استنى خلاص والله حاسه بيكي بس اقولك إيه؟ ضيعي عريس من ايدك ابن ناس عشان خاطر حبك لشخص مش قادرين نحدد مشاعره من ناحيتك. تنهيدة عميقه خرجت من “سلسبيل” ثم أخذت تحرك إصبعها بحركة دائرية على الوسادة التي تضعها على فخذيها. _ أنا مقدرش أقبل بــ “سفيان”، مهما كان ده ابن عمه يا
“هبة”… واهو عندك كمان “تغريد” بتحبه.
بتعقل تحدثت “هبة” وهو تمرر يدها على خُصلات شعر صغيرها. _ “تغريد” عايشه في وهم زيك.. هي ربنا هيبعتلها إن شاء الله النصيب الحلو وأنتِ ربنا بعتلك واحد ابن ناس والكل بيتكلم عن رجولته… فكري يا “سلسبيل” وانسى “حاتم” لأنك موقفه حياتك عليه سنتين وهو آخره مجرد نظرات ومؤخرًا شوية ملاطفة بالكلام معظم الرجاله بيعملوها. اليوم كانت “هبة” مثل البقية تتحدث بتعقل وترى “سفيان” عريس لا يرفضه أحد.. ،وهي عليها أن تقضي ليلتها حائرة.
••••
في اليوم التالي…. اِندهشت “سلسبيل” عندما وجدت “زينة” تتصل بها. _ مالك يا “سلسبيل”، “محمد” بيقولي إنك غايبة من الصيدلية يومين. بصوت خافت ردت “سلسبيل”. _ تعبانة شوية يا مدام “زينة”. عبست ملامح “زينة” ونظرت نحو صِغارها الملتهيون في ألعابهم. _ مدام!!! خجلت “سلسبيل”؛ فواصلت “زينة” كلامها. _ انسي مدام دي لانك خلاص قريب هتكوني فرد من العيلة، وعلى فكرة “سفيان” أخويا طول عمري بقول محظوظه اللي هتتجوزه وصدقيني مش عشان اخويا بكره هتعرفي ده بنفسك.
وكأن الجميع متفق عليها في دفعها نحو قَبول زيجة ستكبلها قيود الخـ,ـيانة ، فماذا سيحدث إذا ظل قلبها مع “حاتم”؛ فلو قبلت زواجها من “سفيان” سيكون دائمًا أمامها. قررت عند عودة والدها من صلاة العشاء ستُخبره برفضها القاطع لأي فرد من عائلة “الراشد” وستتوقف عن الذهاب إلى الصيدلية. فاقت من أفكارها على صوت والدتها المرحب بــ “هبة” صديقتها التي عند دخولها أغلقت الباب ورائها وأطلقت زفيرًا طويلًا حتى تستطيع إلتقاط أنفاسها. _ أقبلي “سفيان” يا “سلسبيل”، حضرت الظابط “حاتم” هيخطب قريب بنت قهراوية.
ظهرت الصدمة على ملامح “سلسبيل” وجف حلقها لتتساءَل بصوت متحشرج. _ عرفتي إزاي؟ اِقتربت “هبة” منها وجلست جوارها على الفراش. _ أنتِ عارفة إن هالة بنت خالتي فاتحة محل لبيع العبايات الخليجي وليها زباين كتير ومن زباينها ستات عيلة “الراشد”، النهاردة كانت الحاجة “فاتن” عندها. توقفت “هبة” عن الكلام وإلتوت شفتيها بتهكم ثم أردفت. _ رايحة تشتري عباية فخمة عشان المحروس حضرت الظابط لما يروح يتقدم لبنت مساعد وزير الداخلية وخريجة الجامعه الأمريكيه، من الاخر نسب يدخلك قسم الشرطة والكل يضـ,ـربلك تعظيم سلام.
سيطرت الصدمة على ملامح “سلسبيل” وتذكرت أمر الصورة التي رأتها. _ شكل صورة الايدين صورتهم هما .. والاغاني اللي بينزلها ليها هي. شحب وجه “سلسبيل” وخرج صوتها بتعلثم. _ “حاتم” هيخطب!! وَ إِرتَوَىٰ الفُؤَاد الفصل الخامس يختار المرء أحيانًا طريقه وهو متخبطًا، لا يدري هل قراره هو الصواب أم حفر لنفسه بئر مظلم ليسقط فيه. لقد تمت الخِطبة منذ أسبوعين و صَار “سفيان الراشد” خطيبها. وهـا هي اليوم تجلس جواره بسيّارته متجهين إلى القاهرة من أجل حضور خِطبة “حاتم” على “ماريهان” تلك الجميلة التي لم تهدء “هبة” صديقتها إلا عندما أتت لها بصورتها من أحد مواقع التواصل الإجتماعي.
“ماريهان” الفتاة التي حظت بــ قلب الرَجُل الذي ظلت لعامين تتمنىٰ أن تلفت نظره وتتخيل بغباء أن إبتسامته ونظرته إليها ربما بداية إعجاب سيتطور لــ حُب لكن كل شئ اتضحت صورته. _ مالك سرحانه في إيه؟ تساءَل “سفيان” بعدما رمقها بنظرة خاطفة سريعة ثم عاد يركز أنظاره على الطريق. بتوتر ردت بعدما جلت حنجرتها. _ قلقانه شويه، اصل دي اول مرة احضر معاك مناسبة عائلية ويعني لسا إحنا مخطوبين. اِبتسم “سفيان” ونظر إليها بنظرة سريعة.
_ إن شاء الله مش هتكون أول ولا آخر مناسبة لأنك خلاص بقيتي من العيلة يا “سلسبيل”. ألجمها حديثه الذي يؤكد لها إصراره على إستكمال خِطبتهم بل ويرى فيها الزوجة التي ستكون فرد من أفراد عائلته وستشاركه مناسباتهم. _ عارفه مبسوط اوي إن عم “رضوان” وافق تحضري معايا الخطوبه. وأردف وهو مبتسمًا، فاجتذبت إبتسامته عيناها. _ وأنا بطلب منه إنه يسمحلك تحضري معايا الخطوبة كنت حاسس زي التلميذ اللي مش عارف يقول للمدرس ليه مكتبش الواجب وإنه هيكتبه بس يسبله فرصة.
ضحكت على تشبيهه اللطيف وأخفضت عيناها نحو باقة الأزهار التي جلبها لها اليوم قبل أن تستقل معه السيّارة. _ ضحكتك حلوه يا “سلسبيل”، اضحكي على طول.