روايات

رواية بقلم منى الكاشوري كاملة

أبت كرامة ناصر أن تقبل إعانة من والده فرفض بحزم:
_ رجع فلوسك في جيبك يابا.. أنا عارف البير وغطاه.. أختي نوال جوازها قرب وهي أولى مني.. أنا خلاص استقليت بحياتي وبقيت مسؤل لوحدي وكل حاجة هتيجي لما ربنا يريد.. كفاية بس ترضى عني!
نكزه أبيه بقسوة كاذبة: وانت عشان فتحت بيت هتكبر على ابوك ي واد انت وترد ايده؟

استنكر ناصر: معاش اللي يرد ايدك يابا بس……
قاطعه الأخر: مافيش بس.. في حاضر يابا.. مهما كبرت واتجوزت وخلفت مش هتكبر عليا.. لما اساعدك أوعى ترفض.. ربنا يديني العمر ويرزقني وما اخليش حد فيكم ناقصه حاجة وانا عايش.. وصحيح القرشين دول مش كتير، بس اهي نواية تسند الزير زي مابيقوله!

واستأنف حديثه وناصر يرمقه بتأثر وغصة دموع تخنق صوته: مراتك مالقيتش كرسي تقعدني عليه يا ابني.. كانت مكسوفة وهي بتجيبلي كرسي من أوضة نومها.. خد المبلغ ده وادفع مقدم أنتريه تقعد عليه ضيوفها وتستر بيتها.. لو انا مش غريب.. في جارة ولا صاحبة ممكن تدق بابها.. اسمع كلامي واعمل اللي قولته.. وزي ما وعدتك الجمعيات اللي معمولة على أسمك هتاخدها كلها.. وربك كريم وهيفضل ساترها.. وان كان على امك ماتقلقش مسيرها تهدى وترضى عنكم.. انت عارفها لسان ع الفاضي!

لم يجد ناصر أبلغ من عناق دافيء صامت.. كان خير رسول لمشاعره الممتنة تجاه والده الذي كان أسخى بعناقه وهو يربت على ظهره مغمغما: يلا قوم خلص شغلك بسرعة وارجع لمراتك وروحوا اشتروا الأنتريه وخليها تختاره وفرحها.. وماتحملش هم.. كل يومٍ هو في شأن.. وبكرة الحال يتغير للأحسن بأمر اللي خلقك!

سبحان من بدل حاله من كآبة وحزن قبل أن يأتيه والده.. وبعد أن غادره..وگأنه منحه طاقة غير محدودة من التفائل وأنعش قلبه الذابل وأقبل على الحياة.. وشعر بشوق شديد لزوجته تلك اللحظة وكم يتوق لرؤية فرحتها وهما يبتاعوا غرفة أنتريه لشقتهما.. لن يبخل عليها.. سيختار لها شيء غالي حتى وإن طالت أقساطه.. وبالفعل انجز سريعا عمله وذهب تسبقه اللهفة لبيته.. وجنة!

تأخر الوقت وهو لم يأتي، فتراخت جفناها وأُسدلت لتسقط بغفوة على مقعدها دون إدراك لما حولها.. ولم. يمضي كثيرًا من الوقت إلا وأتى ناصر، ففوجيء بنومتها الغير مريحة وعنقها يتدلى بميل بسيط، ووجها شاحب..وعيناها تحوطها دائرة من هالات سوداء.. فاقترب منها محاولًا تعديل وضعها، فانتفضت للمسته وقالت بنعاس وجفنيها مازالا مطبقان : أنت جيت يا ناصر؟!
ابتسم وهو يتأملها: لأ، لسه مجيتش!
فردت بوعي غائب: طب اما تيجي صحيني احطلك عشا..!
ضحك بخفوت ثم تلاشت رويدا ابتسامته ليحتل وجهه نظرة غائمة حزينة وهو يطالعها بشفقة لا تخلو من شوق لها وهو يسترجع كيف مرت بينهما الشهور الماضية..

تقريبا لم يجالسها يومًا كامل، أو يخرج معها نزهة، أو يتثامر أو يُسمعها كلماتِ غزله الحانية كما كان يفعل.. حتى لقائهما گزوجين، صار له گروتين بارد، خالي من مشاعره الدافئة.. أهملها تمامًا..وتذكر كيف غفى أمامها وهي تقص له شكواها من وحدتها.. لكن رغمًا عنه غرق في سبات عميق، ولم يجد الفرصة ليسألها ماذا كانت تقول..أما هي، فلم تعيد عليه شكوتها مرة أخرى زاهدة في نيل اهتمامه، مكتفية بصمتٍ عاتب يسكن مقلتيها الذي ذهب صفائها، فعمله يبدأ من الصباح الباكر ويأتي ساعتين بمنتصف النهار يتناول غداءه معها ثم يمدد جسده ويغفو لينال بعضًا من الراحة .. ويذهب عُقبها لعملٍ أخر..

حتى ينتهي من التزاماته ومصاريف ولادتها.. ماذا يفعل وأصبح مسؤل عن عائلة ولديه أعباء كثيرة! سمعها تَئن وقسماتها تتجعد بألم! يبدو أن شيئًا ما يؤلمها.. نهض وحملها برفق، ثم أرقدها على فراشها.. ولثم جبينها.. وذهب ليغتسل ويصلي، وأعد لهما طبقين من الفاكهة.. هو يعلم أنها لا تأكل في الليل سواها.!

_ جنة! قومي ياحبيبتي!
تململت على صوته ومازالت تحت سطوة النوم دون أن تستجيب، فنكز وجنتها برقة لتفيق، رمشت عيناها لتستوعب حضوره هاتفة: إنت جيت إمتى؟
ابتسم بمشاكسة: منا بقولك لسه ماجيتش”
ابتسمت لدعابته ولم تنتبه لصحنين. الفاكهة وهي تنهض سريعًا تترنح: هقوم اعملك عشا حالا..!
جذبها لتجلس مرة أخرى وجلس أمامها : ماتعمليش حاجة انا عملت الطبقين دول ليا انا وانتي، يلا ناكل سوا..!

عند جملته استعادت وعيها كاملًا وهي تنقل بصرها بينه وبين الصحنين، محدقة عيناها بذهول لاهتمامه المفاجيء وشفتها منفرجة ببلاهة مضحكة وشهية! فضحك لهيئتها ثم لثم شفتيها برقة وتمتم: أعدلي وشك يابت، بصتك محسساني اني كنت مسافر ورجعت.. مالك مذبهلة كده ليه ياجنتي” جنتي؟!
أعادت كلمته داخلها غير مصدقة، وغشت مقلتيها العبرات تتآوه فرحا وشوقًا للفظ دلالها الذي امتنع عنه طوال الفترة الماضية.. حتى ظنت انه لن يدللها ثانيًا..! وأنها سقطت من ذاكرته وسط أعبائه.. لكن هاهو يعود لنفس عهده القديم.. يغمرها بحنانه واهتمامه.. فنظرت لقطع الفاكهة التي أعدها لها.. وقالت:

_ ممكن اطلب منك حاجة!
كان صامتًا يراقب دهشتها ثم سحابة دموعها بضيق، وقد فطن كيف أهملها، فشعر بالنقمة على ذاته، وما ان تفوهت برجائها حتى أومأ لها برأسه دون حديث.. فقالت: _ أكلني بإيدك يا ناصر!
رمقها متعجبًا فواصلت: عايزة احس انك رجعتلي تاني.. عايزة. ادوق طعم حنانك اللي وحشني لحد ما ارتوي.. انت صحيح ماكنتش مسافر.. بس ماكنتش معايا.. أنت بعدت أوي يا ناصر.. بعدت لدرجة اني عايزة اصدق إنك فعلا معايا دلوقت..!

تمزقت أوتار قلبه لعذابها الصامت وهو غارق بدوامته غير واعي لحالها، فتلقفها بين ذراعيه محيطًا جسدها بقوة تآوهت لها ألمًا.. وقد تفاقم تأنيب ضميره أكثر! كيف نسى ان يرعاها وسط أشغاله.. وعمله الذي لا تنتهي، معتقدًا انه يفعل الصواب لأجلها ويلبي حاجتها وهذا يكفي.. لكن كان خاطيء.. المرأة لا تكتفي من الدلال.. لا تشبع من الحنان.. لا ترتوي إلا بالحب..هي زهرة تذبُل إن طال عطشُها.. وزهرته جفت أوراقها دون أن يدري!
ترك لعبراته العنان مخبئًا وجهه جانب عنقها.. أما هي فغدت تلك اللحظة گأنها طفلة لا تُحسن التعبير بالكلمات، فاختزلت كل مشاعرها وشكواها له .. بعناق دافيء..!

_الفصل الأخير
———
تمطعت بفراشها وحاولت النهوض فوجدته يحتجزها فوق صدره، فاستكانت وقبلته وراحت تسترجع تفاصيل ليلتهما الماضية وكأنها هي من تلت زفافهما.. وليس تلك الليلة البعيدة الكئيبة.. حين أدار كلًا منهما ظهره للأخر.. بينما الآن تشعر أنه عاد حبيبها وزوجها الحنون الذي يتملك خصرها بذراعيه گ أنه يخشى فررها، داعبت أنفه بمشاكسة فتجعد وجه وهو يحركه بعيدا عن مرمى إصبعها الذي لاحق أنفه ثانيًا وهي تكتم ضحكتها..ثم غمغمت بنعومة: ناصر.. يلا قوم ياحبيبي عشان شغلك هتتأخر كده!
ندت عنه همهمة خافتة، فعادت تنكز صدره: يابني بطل كسل واصحي عشان معاد شغلك!

ثم حادت بنظرها تتبين توقيتهما فوجدته تخطى معاد استيقاظه، فانتفضت توقظه بخوف:
_ ناصر… ناصر قوم بسرعة الوقت اتأخر ومش هتلحق شغلك وهترجع تزعق وتقولي انتي السبب..! تملل مغمغمًا: مش رايح! رفعت رأسها قليلا عن صدره وهي تطالعه قائلة:
_ نعم؟! ازاي؟ هو ينفع ماتروحش؟ رمش بعيناه قليلا حتى استقر على رؤية محياها، فجذب رأسها لتستكين فوق صدره ثانيًا وراح يداعب شعرها: هقضي اليوم بطوله معاكي ياجنتي!

لم تصدق وظنته غير واعي فنكزته نكزة أقوى ليفيق: فوق يا ناصر شكلك لسه نايم.. والله لو عاتبتني وقلت ماصحتنيش ه……… أسكتها بأنامله على شفتيها ومنحها نظرة مفعمة بمشاعره الهائمة: مش عايز اصحى يا جنة.. هفضل في جنتك لحد ما اشبع.. هحاول اعوضك عن بعدي وإهمالي ليكي الفترة اللي فاتت، امبارح اتأخرت في شغلي، بس أخدت أجازة يومين بحالهم.. هنخرج نتفسح في أي مكان ونتمشى ومش هسيبك لحظة..وهسمع كل حاجة نفسك تحكيها زي زمان، بس سامحيني على تقصيري في حقك.. والله غصب عني.. لكن انتي عارفة إنك روحي وقلبي من جوه!

طافت عيناها على وجهه بحنان، وضمته بقوة مردفة: عارفة ومسمحاك ياحبيبي..انسى العتاب..وخلينا نبتدي من جديد! كفاية عليا انك رجعت تحس بيا تاني! داعب بشرة وجنتها برفق: هنسى وهصلح اللي فات وعندي ليكي مفاجأة هتعجبك أوي..
تسائلت بفضول: إيه هي؟
_ مش هقول دلوقت، بعدين..يلا بقى قومي نفطر بدري وبعدين نخرج، مش عايز دقيقة تضيع في البيت! ولو عايزة. تروحي مكان معين قولي!

فاضت عيناها بسعادة طاغية:
مش مهم نروح فين.. المهم انك معايا يا ناصر.. ربنا مايحرمني منك ابدا.. ”
ضمها أكثر وقد لاحظ استعادة وجهها لنضارته وبهاءه وأقسم داخله ألا يطفيء بريقها يومًا..هي حبيبته وزوجته وأم اطفاله.. فما قيمة الأيام إن أمضيناها بجفاء وبُعد عن من نحب؟..مهما كان انشغاله، سيقتنص لها دائما ولو دقائق يقضيها معها.. وينعم بدفء صحبتها..! يلا اختاري أنتريه على ذوقك.. المحل ده اسعاره حلوة وصاحبه مهاود عن غيره!

تنظر له بدهشة ولا تعرف لما أتى بها إلى هنا وكيف تنتقي شيء وهي تعرف حالته وأعباءه؟
تنحت به جانبًا وقالت بخفوت: ناصر أنتريه إيه اللي اختاره.. هو احنا معانا فلوس..! ابتسم وهو يشدد علي يدها: ماهي دي المفاجأة اللي قولتلك عليها.. هنجيب حاجة تقسيط عشان لما يجي ضيوفنا يلاقوا بيتنا مستور.. أبويا امبارح عطاني مبلغ ينفع مقدم كويس.. وقالي اشتري واحد.. ورغم اني رفض بس هو صمم ووصاني اجيبك ونشتريه..! تهلل وجهها وهي تجيبه: بجد ياناصر؟ ربنا يخليك لينا ياعمي، أصله زارني امبارح و……

قاطعها: عارف هو عدى عليا وقالي..وانا اوعدك الشهر الجاي اجيب نقاش يظبطلنا المطرح بدهان متواضع احسن من لون الحيطان الكئيب ده.. انا متأكد انها هتفرج وتبقى عال بس ادعيلي!

انت في الصفحة 10 من 12 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى