انتهى زفافهما المتواضع، وأخذها ناصر لشقة الزوجية التي ما أن شاهدتها حتي ايقنت خسارة اخرى.. وهي ترى كآبتها وفراغها من كل شيء سوى غرفة. نوم..! _اتفضلي ياحبيبتي.. نورتي بيتك! أخيرا ارتاحنا وحلينا المشكلة على خير..! هزت رأسها ملتزمة الصمت.. وذهبت لتستريح فالإعياء يتملكها بقوة، واصبحت غير قادرة على الوقوف على قدميها..! اما هو فلم يكن افضل منها حالًا..الضغط النفسي بالأيام السابقة ولهاثه وهو ينتقل من مكان لمكان حتى ينجز ما يقدر عليه قبل الزفاف.. قد نال منه الكثير.. وانتهت ليلتهما الأولى بعد الزفاف.. وكلًا منهما يعطي ظهره للأخر غارقًا بنومه وهمومه..!
ولكن قبل ان تغفو، التفتت تنظر له بعد ان تركها وغرق بنومه أولا دون أن يلمسها.. وتصورت كيف كان سيتصرف لو كانت عروسه التي لم ينالها من قبل.. هل كان سيتركها ويغفو هكذا؟ لم يحتضنها حتى ليخفف عنها غربتها بهذا المنزل الغريب عنها..! بكت بصمت ولم. تمضي لحظات إلا وهي ساقطة بنومتها وأخر العبرات تُكمل طريقها فوق وجنتها المنطفئة!
________________
تُرى كيف ستكون الحياة بينهما بعد ذلك؟
وهل سيظل أهلهما على قطيعتهم معهما؟الفصل الخامس
_________
لم تزور ابنتها سوى مرتان..يوم الصباحية حتى لا يتسائل أحدًا لما لم تبارك لابنتها العروس كما تقتضي العادات بثاني أيام العُرس.. وبأخر يوم بأسبوعها الأول.. وبعد فترة أخرى أعلنت للجميع حملها بالشهر الأول، رغم أنها تخطت الشهر الثاني ببضعة أيام.. فحين تحين ولادتها بالشهر التاسع سيظن الجميع انها ولادة مبكرة وانها ستنجب طفل ” ابن سبعة”.. وبالفعل أخبرت الجميع، فأطلقوا الزغاريد العالية كنوع من الزهو والفرحة والمباركة لابنتها جنة! _ مش هنزور أبلة جنة يامه؟
قطعت الصغيرة نجلاء شرود والدتها فهمست:
بعدين لما افضي هنزورها.. روحي ذاكري وانا هطلع على السطوح احط أكل للطيور وانزل!
…………… تعلم ان لديه حق.. لكن قلبها يشتاق لجنة.. وبالوقت ذاته لا تقدر على مخالفة أمر زوجها في الذهاب إليها.. خاصتًا مع أطلاقه يمين عليها ألا تذهب دون عمه.. هو يريد معاقبتها هي وزوجها ولن تلومه.. لكن إلى متى ستُحرم من رؤيتها.. إلى متى؟! “منك لله يا بنت فاتن.. فرقتيني عن ابني” صاح عليها: انتي مش هتبطلي ترمي كل حاجة على جنة؟ وابنك ماغلطش ابدا؟ ترضيها تحصل مع نوال بنتنا يا نادرة؟
هتفت بفجاجة: أنا بنتي متربية و….. اتسعت عيناها برعب وهي ترى كف زوجها وهو يهم بصفعها.. ثم تراخت بقبضة مضمومة كاظمًا غضبه، ثم لوح بسبابته محذرا: قسمًا عظمًا لولا الفضايح قدام العيال لكنت عدمتك العافية.. بنت اخويا متربية وقطع لسانك تجيبي سيرتها تاني.. ولو كررتيها مش همسك نفسي وهتخربي بيتك بأيدك.. عايزة تخاصمي ابنك براحتك وخدي وقتك لحد ما تهدي.. لكن تجيبي سيرة مراته بالعاطل مش هضمن رد فعلي معاكي بعد كده! اتقي شري وماتفرجيش علينا الناس بعد العمر ده كله!
وغادر بزوبعة غضبه وتركها منكمشة خوفًا تلاشي بعد رحيله، واستعادت عيناها نظرتها الكارهة:
_ ماشي يابنت فاتن.. ماشي!
____________________
مضى ثلاثة أشهر وأصبحت فعليا بأول شهرها الخامس، لكن أمام المحيطين بالشهر الثاني. ولأن بطنها بدأت في البروز، حاولت ان تحتجب اغلب الوقت حتى لا يلاحظ أحدا سرعة ظهور حملها.. وان ترتدي كل ملابسها الفضفاضة!
أما زوجها ناصر فغرق بدوامة عمله ليل نهار حتى يُسدد كل ديونه وأقساطه، خاصتُا أنه جلب لها بعض الأشياء الضرورية.. كتلفاز وثلاجة وغسالة..وهذا زاد أعبائه المادية، فكثف عمله وأصبحا لا يلتقيا إلا قليلا يوم إجازته التي يقضيها بالنوم لينال أكبر قسط من الراحة حتى يوصل ساعات عمله الطويلة بالأسبوع التالي!
معاناة شديدة تخوضها وهي تصعد لشقتها بالطابق السابع.. رغم أن ناصر منعها أن تذهب السوق وتبتاع أغرض، معتمدا على يوم أجازته وإحضار كل شيء.. لكن أرادت أن تريحه من هذا العبء وترفهه عن نفسها بالخروج قليلا.. ولم تعمل حسابًا لحالتها.. وهاهي يكتنفها دوار شديد ومازلت بالطابق الثالث
ارتخت قدميها وجلست علي الدرج بإعياء واضح.. فوجدتها الجارة الشابة على تلك الحالة أثناء صعودها فهتفت بجزع: إيه ده مالك قاعدة كده ليه حصلك حاجة؟
جنة بوهن: لا ابدا.. أصلي حامل ودوخت شوية، هرتاح واطلع بيتي.. اتفضلي انتي اقفلي بابك عادي!
هتفت الجارة: لا طبعا هتدخلي معايا اعملك عصير يقويكي واطمن انك كويسة! همت جنة برفض عرضها فقاطعتها الأخيرة بإصرار:
جوزي لسه مجاش وانا لوحدي.. تعالي نقعد سوا وفرصة نتعرف على بعض.. مش معقول نكون جيران ومش نعرف حتى أسامينا أيه.. الجارة بود وهي تقدم العصير:
أنا أماني.. متجوزة من شهرين.. يعني لسه عروسة..! ممرضة في مستشفى حكومي.. وجوزي محمد مدرس ابتدائي..في المدرسة اللي جمبنا جنة بابتسامة بسيطة: وأنا جنة.. كنت بشتغل قبل جوازي في خياطة العبايات الجاهزة.. وجوزي ناصر مكانيكي سيارات! وزي ما انتي شايفة، حامل في شهري الخامس!
_ ما شاء الله.. انتي كده متجوزة قبلي بوقت بسيط! هزت رأسها ببعض الحزن، فواصلت الأخيرة بحماس:
تعالي بقى افرجك على شقتي وهي لسه جديدة.. فرصة قبل ما نجيب عيال ويخلوها خرابة!
راحت تستعرض أمامها أناقة شقتها وجمالها البسيط.. وهي تذكر كم عانت هي وزوجها وصبروا حتى اكتملت ثم تزوجوا.. تذكرت حينها شقتها وخلائها حتى من لون حيطان يبدد كآبتها.. وكيف خجلت أن تدعوها لتستضيفها..كيف تفعل ولن تجد مقعد تجلسها عليه
وهذا غير استعراضها نزهاتهما معا بعد الزواج.. وكيف تمضي أوقات طيبة بصحبة زوجها.. وعلمت انهما لا يعانون أي ديون تؤرقهما.. وينتظرا فقط ان يكتمل حلمهما بطفل يؤنسهما ويحلي أيامهما.. !
شعرت جنة بالضغط يزداد عليها وأنها تختنق.. تريد الاختلاء بنفسها بأسرع وقت.. كما أخذت قرار أن تظل منطوية دون علاقات ببنايتها حتى لا تتحسر على حالها أكثر.. استأذنتها بالمغادرة مع وعد كاذب باللقاء في زيارة أخرى!
في اليوم التالي! _ جنة ساعة زمن وتصحيني، أوعي تنسي احسن اتأخر على شغل بالليل! اعترضت: شغل أيه؟ انهاردة الجمعة ياناصر يوم أجازتك!
_ لا منا جاتلي سبوبة حلوة هاخد منها قرشين، اهو ينفعوا أخر الشهر في سداد الأقساط اللي عليا..!
هزت رأسها بتنهيدة وقالت: ماشي.. الله يعينك، بس انا كنت نفسي اخرج انهاردة اي حتة معاك، زهقانة يا ناصر، هطق من الوحدة.. ولا نافع اروح لامي وابويا اللي زعلانين ولا هما بيجوا.. ووالدتك مش بتيجي تشقر عليا، ولا مختلطة بجيران هنا اتسلى معاهم.. ونفسي اشم هوا انا وانت و………… سمعت صوت أنفاسه الصاخب فالتفتت لتجده غارق بغفوته، فدمعت عيناها وهي تدثره بغطائه وأطفأت ضوء الغرفة، وراحت تجلس وحدها كعادتها كل ليلة!
____________________
العبء ثقيل وديونه تحرمه النوم..صار وكأنه يلهث دون توقف..وهو يقتص ساعات زهيدة من يومه لينام حتي يواصل عمله ليل نهار ليحصل على أكبر قدر من النقود شهريًا.. وعلاوة على كل هذا مقاطعة أهل زوجته ووالدته التي مازالت على موقفها تجاة جنة..!
_ في واحد بيسأل عليك. يا اسطى ناصر ومستنيك برة!.. التفت للصبي وتسائل: مين ده يا عز؟
_ معرفش يا اسطى، قال انه قاعد على القهوة اللي قصاد الورشة!
ذهب وما أن رآه حتى هلل وهو يلثم كفه:
وحشتني “يابا” عامل إيه انت واخواتي وامي؟
ربت والده على كتفه ودعاه للجلوس:
الحمد لله يا ابني بخير.. انت عامل ايه طمني عليك؟
_ نحمد ربنا على كل حال..مش ناقصني غير تسألوا عليا.. ونفسي امي ترضى عني انا ومراتي.. وعمي رحيم وحماتي.. كلهم مقاطعنا محدش بيزورنا خالص.. بقينا مقطوعين يابا ومالناش حد! التاع قلبه وهتف بمؤازرة حانية بفطرة قلبه گ أب:
بعد الشر عليك يا ابني.. مقطوع ازاي وانا على وش الدنيا.. أنا صحيح زعلان من اللي حصل خصوصا ان عمك رحيم مقاطعني من وقتها.. وامك في الرايحة والجاية تدب كلام زي السم تلقيح على جنة ومحملاها سبب كل حاجة.. بس ماهانش عليا اسيبك.. وصحيح أنت غلطت.. بس صلحت غلطتك وطلعت راجل وشلت المسؤلية وماهربتش واستندلت زي غيرك ..عشان كده عديت على بيتك ازورك!
قاطعه ناصر بفرحة: بجد يابا؟! يعني زورتني وشوفت جنة؟
هز رأسه مجيبًا: أه ولله عديت وجنة قالتلي انك بتشتغل بالليل والصبح وهي اللي قالتلي عنوان شغلك الجديد!
صمت ليلتقط مغلف من جيب جلبابه وواصل:
_ خد يا ناصر يا ابني.. دي أول جمعية قبضتها.. شوف ناقصك إيه في بيتك وهاته.. واوعدك كل شوية هجيبلك مبلغ زيه.. وواحدة واحدة تكمل بيتك وتستره يا ابني!