روايات

رواية بقلم منى الكاشوري كاملة

_ أنا مش فاهمة الواد ابنك ده غطسان فين.. أسبوع بحاله غايب عن البيت.. آل أيه؟ قاعد يومين عند صاحبه.. من إمتى الكلام ده؟ هتف زوجها بضجر: وبعدين معاكي، هو بت هتخافي عليها؟.. سيبيه يفك عن نفسه يومين ما انتي عارفة ضيقته بسبب الشقة والهم اللي وراه..! هدرت به: ماهو اللي جايبه لنفسه.. مستعجل ليه ع الجواز.. مايوضب براحته وكله برزقه.. ليه محكم دماغه يتجوز الأيام دي.. ثم همست بخفوت: إلا اذا كان الموضوع فيه إنه!

قال بريبة: تقصدي إيه؟
هزت رأسها نافية: لا ماتحطش في بالك.. ده خاطر كده بيروح ويجي في دماغي.. المهم يوله يرجع البيت انا مش عاحبني بياته بره.. بدال ما اروح احرجة قصاد صاحبه
أردف بتحذير: إياكي! ده راجل مش عيل هتجيبه من ايده، سيبيه يرجع براحته.. وفضيها سيرة بقي خليني اغفل ساعتين!
تركته وشخصت عيناها بشرود وهواجس ما تدور بعقلها وينقصها فقط اليقين.. وتعرف ماذا ستفعل!
_ صباح الخير يافاتن.. جنة عاملة إيه سمعت إنها مرضانة!
هتفت الأخيرة: أه والله يا ام ناصر.. معرفش البت مالها تعبانة خالص ودبلانة! خشي عندها وانا هحط أكل للطير واحصلك!

…………
ما أن وقع بصرها على وجهها الذابل وجسدها الهزيل حتى اشتعلت الظنون أكثر.. حدجتها بعين خبيرة وهي تتفحص معالم معينة بجسدها الذي طرأ عليه بعض التغير، لتتيقن وقتها أن شكوكها كانت صحيحة لقد حدث بينها هي ناصر شيء.. لذا أراد إتمام زواجهما بأسرع وقت..! تنحنحت فانتبهت حنة لوجود الحماة، واعتدلت هاتفة: ازيك ياخالتي.. متأخذنيش مش قادرة اقوم!
_ لا ياختي خليكي.. ثم دنت من وجهها وهتفت بغموض أوجس الأولى: اللي زيك. محتاجة راحة.. ولا إيه ياخطيبة ابني؟

تجرعت ريقها بتوتر: قصدك أيه ياخالتي، راحة عشان إيه ..ده ..ده شوية برد!
_برد؟! اظن انتي فاهمة قصدي إنتي فاهماه كويس.. عيب عليكي اللي عملتيه، وياعالم حصل كده بينكم من إمتى يابنت فاتن! شكلك كنتي مقضياها من قبل كتب الكتاب مسخرة مع الواد عشان تطويه تحت جناحك! عشان كده صمم يعقد عليكي رغم انه لسه مش جاهز، وبعدها زودتي العيار حبتين وبقي دلوقت عايز يخدك بيته اللي لسه خرابة.. أخص على دي تربية أخص!

قذفت أم جنة ما بيدها بعد أن سمعت حديث والدة ناصر، وهاجمتها مدافعة عن ابنتها:
_ أخرسي يا وليه يا ناقصة! انتي جاية ترمي بلاكي على بنتي؟ .. إيه التخاريف اللي بتقوليها للبت دي؟ إيه فاكرة محدش هيعرف يرد على لسانك اللي عايز قطعه!
_ أنا اللي لساني عايز قطعه، ولا بنتك مقصوفة الرقبة اللي سابت نفسها للواد وقرطستنا كلنا.. وياعالم سلمت روحها امتى؟!
فقدت أم جنة ما تبقى من عقلها واتجهت إليها بعاصفة تنبيء بالخطر: بقولك أخرسي انا بنتي أشرف من عيلتك كلها، ويستحيل توطي راسنا لحد.. بنتي عارفة الأصول وعمرها تغلط من ورانا..!

ضحكت أم ناصر ضحكة ساخرة وهتفت:
طب بصي في وش بنتك وفي شكل جسمها اللي اتغير وابقي تعالي اتكلمي عن الشرف والأصول.. واقطع دراعي إن ما كانت بنتك حبلة.. ولو سيبتيني انا اكشف عليها هعرف!
ازدادت هياجًا وفردت ذراعها مشيرة لباب الغرفة:
أخرجي من بيتي بدال ما الم عليكي أمة لا إله إلا الله.
تمتمت بتهكم: أنا اصلا مش هقدر افضل هنا دقيقة واحدة ويحرم عليا بيتكم!

وذهبت لتتركها لمعركتها الأكبر وهي تواجهه نظرات والدتها الذاهلة، التي بدأتها بسيل من الصفعات التي لطمت وجهها والمسبات الجارحة و أسئلة لا حصر لها، والصمت المخزي ورأسها المنتكسة كان جوابها ودفاعها الوحيد.. لتنهزم قواها بغتة، وتنكفيء على جانبها فاقدة للوعي! صاح يعنفها بقوة بعد أن كشفت عن نيتها البغيضة:
انتي اتجننتي يا وليه.. جوازة ايه اللي تفركشيها؟
_جوازة ابنك، ماهو بقولك ايه يا ابو ناصر، علي جثتي الجوازة دي تكمل.. انا ماكانش عاجبني البت دي من الاول.. وظنوني طلعت في محلها.. بنت اخوك بت فلتانة وبلفت الواد وضحكت عليه وخليته ي.!

صفعة نزلت على وجهها وهو بقترب بنظرة تطلق شرار غاضب: أخرسي.. بنت اخويا أشرف من اي واحدة واياك.. إياك تجيبي سيرتها على لسانك مرة تاني.. وإلا قسمًا عظمًا هتشوفي مني وش عمرك ماشوفتيه قبل كده!
جحظت عيناها بذهول وهي تنظر له وتغمغم وكفها يحتضن وجنتها الملتهبة: بتضر*بني بعد العمر ده كله؟! وعشان بنت فاتن؟ _ دي بنت اخويا مش بنت فاتن.. وكلامي مش هيتعاد تاني.. اقصري الشر احسن.. وجواز ابني ماتدخليش فيه من هنا ورايح!
حملقت بقامته المغادرة بذهول تحول لحقد على تلك اللعوب التي تسببت فيما حدث.. وأضمرت لها الكثير من الكره الذي لن ينمحي بأيامها القادمة!

ثلاثة أيام لا تحاكيها أو تنظر لها.. والحزن يتملكها وازداد فوق كاهلها الهموم.. كيف الخلاص من هذا النفق الذي أدخلتهم فيه ابنتها الحمقاء بفعلتها.. لو درى زوجها ” رحيم” ستكون كارثة ولا تضمن رد فعله.. والأكثر أن ناصر مختفي منذ أيام.. هل ينوي التنصل من مما فعل؟ الويل كل الويل إن فعل وتخلى عن مسؤليته!

أما جنة فلم يبقى لديها أي قوة بعد مواجهة والدتها القاسية والتي تتجنبتها وتنبذها گ جرثومة.. وتعلم أنها مثلها تكتوي بنيران الظنون السوداء وتطاردها هي الأخرى، أن يرضخ ناصر لوالدته ويتركها تواجه بمفردها مجتمعها بطفل منه ربما ينكره ويدخلون بدوامة أخرى! حقًا سيثبتون نسبه، لكن بعد ان تتلوث سمعتها وتصبح علكة الأفواه..!

اخذتها قدميها لشقتهما التي ترتفع لسبعة طوابق.. ورغم انها بحالة صحية لا تسمح لها بمجهود الصعود لكنها صعدت ودلفت بعد أن فتحت بابها الموصد! ظلت تنظر حولها بحزن.. وهي تتخيل كم حلمت بها بعد ان تكتمل.. وكيف انتقت لون الجدران وحددت غرفة نومها وأين سيكون مطبخها الصغير وهي تتفنن بصنع مالذ وطاب له كل يوم.. تصورت حين تأتي والدتها وأشقائها الصغار يزورنها وتتباهي هي بمسكنها الخاص.. الآن فقدت كل شيء.. فرحتها.. كرامتها.. أمانها.. حقوقها.. واحترامها بعين والدتها ووالدته هي الأخرى.. والقادم سيكون أسوأ حين يعلم والدها المسكين الذي ينتظر دوره بجمعيات صغيرة ليبتاع لها ما يستطيع!

هل سيعود ناصر؟
أم ستكون نسخة أخرى من صديقتها؟الفصل الرابع
الخذلان!
هو حصادها منه تلك اللحظة!
هو مقصلة نحرت عنق الأمل داخلها وعظمت الخوف گ مارد يكاد يبتلعها بجوفه المظلم.. تشعر بالوهن يسرق قوتها وقامتها ترتخي جالسة بإعياء على أرض شقتها العارية بعد ان اكتنف رأسها دوار شديد! تميل برأسها ترتاح على الجدار الرمادي بلونه الكئيب تنتحب بصمت..مقيدة الكلمات بحلقها الجاف وكأنها بصحراء انقطع عنها قطرت المطر.. زاهدة بكل شيء.. تفكر أين هو؟ متى سيعود؟ هل ينوي تركها؟ وماذا تفعل حينها؟! عشرات الأسئلة تتراقص على أوتار أعصابها المشدودة!

وبخضم تساؤلات صامتة في عقلها المجهد انتفضت بغتة على يدٍ تربت على كتفها الهزيل، فصرخت بفزع لكنها ابتلعت باقي صرختها وهي تسمع همهمته: _ أنا ناصر ياجنة متخافيش! لم تصدق انها تسمع صوته فهتفت بذهول لتتيقن:
_ ناصر؟!
أنحنى ليضمها إليه: أيوة ناصر.. وحشتيني ياجنة! تصلبت بضع ثوان تستوعب حقيقة وجودها بين ذراعيه ثم تمالكت نفسها سريعا وتذكرت أخر ما قاله لها ثم غيابه ومرارة ما قاست، فدفعته بعيدا عنها بقسوة محاولة النهوض لتغادر، فمنعها مبررًا:
والله غصب غني.. عارف انك زعلانة بس كان لازم أبعد لحد ما اتصرف.. انا عاهدت نفسي مش هرجع غير وانا معايا الحل!

انت في الصفحة 6 من 12 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى