_ بابا أرجوك مترهقش نفسك الدكتور قال إن الكلام الكتير غلط عليك.
هكذا تحدثت «شروق» بقلب مُلتاع وهي ترى والدها بين الحياة و المـ,ـوت ولكنها لا تعلم بأن تلك اللحظات هي الأثمن في حياة والدها لأنها الأخيرة، و هذه الكلمات التي يود إخبارها بها تأخرت لأكثر من عشرون عامًا، ولم يعُد هُناك مجال لتأجيلها أكثر.
_ مبقاش في وقت يا بنتي اللي هيتأجل دلوقتي هيمـ,ـوت العمر كله، و عشان كدا عايزك تسمعيني و تبطلي تقاطعيني.
تحدث «صابر» بوهن فامتثلت «شروق» لرجاءه و اومأت برأسها، فتابع «صابر» بنبرة أثقلها التعب:
_ انا بعت جواب لأهل أمك و عرفتهم مكانك أنتِ و أختك. آن الأوان تعرفوا أهلكوا يا بنتي.
_
شهقت «شروق» مُستنكرة:
_ بتقول ايه يا بابا؟ أهل مين ؟ مش دول الناس اللي ظلــ . ــموا أمي زمان! عايزنا نروح برجلينا للي أمي هربت منهم!
« صابر» ب:
_ بطلي عند واسمعيني. الناس بتتغير، و أمك هربت عشاني، و خلاص هي ماتت. دول ضهركوا و سندكوا دلوقتي. عايز أمـ,ـوت و أنا مطمن عليكوا يا بنتي.
«شروق» بعناد مُستميت كان سـ . لاحها في مواجهة ها المُضني من فقدان والدها:
_ هتعيش يا بابا.
بإذن الله هتقوم بالسلامة، و هنرجع نكون سوى زي الأول.
لم يجد مفرًا من إجبارها لذا هتف بكل ما يمتلك من قوة:
_ قولت اسمعي الكلام. ليكوا ورث عندهم بتاع أمك، و ليكوا عيلة على الأقل تعيشوا في حماهم بدل ما الدنيا تخبط فيكوا وأنتوا بنتين لوحدكوا. المـ,ـوت علينا حق يا بنتي، و أنا عارف ان خلاص قرب اوي. دي وصيتي ليكِ يا شروق. نفذيها يا بنتي. خليني أمـ,ـوت وانا مرتاح.
كانت تود الصُراخ حتى ترتج الجدران من فرط ألمها، ولكنها كممت أصوات عذابها و قالت مُذعنة :
_ حاضر يا بابا. أنت قولتلهم ايه بالظبط؟
_
_ ” سعاد هانم. معرفش جوابي دا هيوصلك ولا لا؟ بس لو شوفتيه . كنت عايز افكرك بلحمك اللي رمتيه زمان، و دوستي عليه لمجرد أنه قرر يختار حياته بنفسه. نسمة بنتك اللي اتبريتي منها عشان حبت و اختارت شريك حياتها خلفت بنتين زي القمر شروق و جميلة. للأسف نسمة توفت من خمس سنين، و لما طلبت منها اني ابعتلك تشوفيها قالتلي أمي نسيت أن كان ليها بنت من الأساس. بنتك ماتت موجوعة منك، و أبسط شيء تعمليه أنك تحافظي على اللي باقي منها. انا صابر النجار جوز نسمة الله يرحمها. متفكريش اني طمعان فيكِ.
انا خلاص بمـ,ـوت، و كل اللي عايزه منك تحافظي على بناتي و متسبيش كلاب السكك تنهش في لحمهم، ولولا تعبي مكنتش فكرت ابعتلك. معرفش الدنيا عملت فيكِ ايه؟ ، ولا قلبك فاق من غفلته ولا لسه؟ لكن عندي أمل انك تصلحي أخطاء الماضي، و تحتضني البنتين دول، يمكن لما تقابلي وجه كريم و تقفي أنتِ و نسمه قدام ربنا تكون قادرة تسامحك وقتها. عنوانهم في ضهر الجواب، و ياريت بلاش نبيلة تعرف حاجة عن الجواب دا لو مش هتقدري تحمي بناتي منها. كفاية أوي اللي عملته في أمهم زمان.
”
ارتجفت أناملها المُمسِكه بالورقة، و انهمرت عبارات الأسى و الن من مقلتيها، فقد كان كل حرف مطبوع في تلك الورقة يُذكرها بذنبها العظيم و مصابها الأليم، فقد توفت ابنتها الوحيدة بعيدة عنها ناقمة عليها.
أهة موقدة بلُظى الن شقت جوفها حين تذكرت جبروتها بيوم من الأيام ضد أعز الناس على قلبها، فقد كانت تظُن بأن قوتها و شبابها سيدوم إلى الأبد، ولكن هاهي نفس المرأة ولكن بجسد قعيد و قلب اهترأ من فرط آثامه و تلك الذنوب التي تُرهِق كاهلها لتأتي تلك الرسالة، و تُضيف إثمًا آخر إلى وعاء ذنوبها الغير قابلة للغفران إلا لو حاولت تصحيحها.
انقضت عدة ساعات وهي تحاول التغلُب على أحزانها لتُعيد ارتداء قناع القوة من جديد وتُقرر ما عليها فعله، فقامت بإلتقاط الهاتف و إجراء مكالمة عاجلة ليأتيها الرد من الطرف الآخر:
_ أيوا يا تيتا.
«سعاد» باستفهام:
_ أنت فين يا عمر؟
«عمر» باختصار:
_ في المستشفى. في حاجه؟
_ لما ترجع عدي عليا عيزاك في موضوع مهم .
_
«عمر» باختصار:
_ حاضر.
أنهى المكالمة مع جدته ثم التفت الى «محمود» صديقه قائلًا بتهكُم :
_ ها يا سي روميو.رجعت لعقلك ولا لسه ؟
«محمود» بسخط:
_ عمر أنت مش فاهمني؟ بقولك بحبها؟
استند بثقله على المقعد خلفه قبل أن يقول باستخفاف:
_ ليه بتحبها؟
«محمود» بحنق:
_ هو في كدا؟ دا سؤال أصلًا !
_
واصل استخفافه من حديث صديقه قائلًا:
_ في حكمة قديمة بتقولك الحبّ وهم يصوّرلك أنّ امرأة ما تختلف عن الأخريات، و عشان كدا عايز اعرف منك ايه المُميز فيها ؟ تفرق ايه عن غيرها!
تدخل «أمجد» صديقهم بسخرية :
_ أسئلتك غريبة يا عمر بصراحة!
اجابه «عمر» بتعقُل:
_ لا مش غريبة . طريقة تفكيركوا هي اللي غريبة.
دا واحد دكتور، و من عيلة كبيرة، مكانته مرموقة وسط الناس، و دي بنت عادية في كل شيء. تعليمها، بيئتها، عيلتها. في اختلاف كبير بينهم في الطبقات و المستوى المادي و الاجتماعي و بالتالي في اختلاف كبير في الطباع. عمره ما هيقدر يتكيف معاها و العكس بالنسبالها.
صمت لثوان قبل أن يستفهم باستنكار :
_ ليه يحكم على نفسه أنه ياخد حد أقل منه ؟ و يسمح لشعور تافه زي دا يحكم عليه أنه يدخل في علاقة غير متكافئة زي دي مصيرها الحتمي هو الفشل.
تدخل «مصطفى» صديقهم الآخر باندهاش:
_ ليه تحكم عليها بالفشل لمجرد أنهم من بيئتين مختلفتين يا عمر؟ انت مُتعنت في حكمك أوي. جوازات كتير زي دي نجحت.
_
تخلل نبرته غرور كان دائمًا يُلازمه حين أجاب «مصطفى»:
_ مش مُتعنت ولا حاجه. أنتوا اللي غير منطقيين، ليه تقبل على نفسك ان شريكة حياتك تكون أقل منك، و متقوليش الحب. الاختلاف بينكوا قادر اصلا يمـ,ـوت أي شعور بينك و بينها وقتها نرجع نقول ياريت اللي جرا ما كان!
«محمود» مغلولًا من نمطية تفكيره التي تُذكره بمصيبته الكبيرة مع عائلته :
_ أفهم من كدا يا حضرة المتحدث الرسمي للمنطق انك لو حبيت واحدة أقل منك هتسيبها عشان الهبل اللي قولته دا!
فاحت رائحة الكبر من بين كلماته حين قال:
_ و اسمح لنفسي ليه اني اقع في فخ الحب مع واحدة مش مناسبة ليا؟ يوم ما هاجي أختار هختار انسانه مناسبة ليا تصلُح تكون زوجة افتخر بيها وسط أهلي و المجتمع اللي انا منه، و الحب كدا كدا بييجي بعدين.
صمت لثوان قبل أن يقول بوقاحة:
_ و بعدين يا رجالة حتى لو محبتهاش كدا كدا أول ما النور يتطفى الستات كلهم بيبقوا زي بعض.
قيل سابقًا بأنه إذا حلّ القدر عمي البصر، فما هو مصير من ظنوا يومًا بأنهم مُسيرين وأن أقدارهم رهن إشارتهم؟ وذلك الذي ظن بأنه يملك زمام قلبه، و نسى بأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقلبهمَا كيفما يشاء هل سيستطِع تجاهل ما سخر منه سابقًا ؟ أم سينضم إلى صفوف العاشقين مُرغمًا لا حيلة له ولا مفر ؟
اللهم ارزقني الرضى وراحة البال، اللهم لا تكسر لي ظهرًا ولا تصعب لي حاجة ولا تعظم عليّ أمرًا، اللهم لا تحني لي قامة ولا تكشف لي سترًا.
اللهم إن عصيتك جهرًا فاغفر لي، وإن عصيتك سرّاً فاسترني، اللهم لا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تجعل الدنيا أكبر همّي، اللهم لا تجعل ابتلائي في جسدي ولا في مالي ولا في أهلي.️
_
★★★★★★★★★★
