منوعات

ذنـ,ـوب على طاولة الغفران بقلم نورهان العشرى الثانى

يجني الإنسان ما زرعته يداه، و أن كان شوكًا كان هو أول من تأذى منه، و في كثير من الأحيان خطأ واحد من شأنه أن يُبدل الورود إلى صبار قاس لا يرحم، ولا يُمكن التبرأ منه، فحين ينطلق السهم فهو يُصيب ولا يُفرق بين الجان و الضحيــ .ــة.
نورهان العشري ✍️
جاء الصباح مُغبرًا مليئًا بالألم الدامي الذي كان يعج به جسدها، كما تفشت به الجروح و الكات التي كانت أضعافها بقلبها، و خاصةً حين تذكرت ما حدث بالأمس.

عودة لليلة الماضية
تفاجئت حين انقض عليها يُقبلها بنهم دون أي مقات مما جعل جسدها يرتجف فزعًا لتحاول مقاومته دون جدوى، فقد كان كالوحش الذي لا يرى ولا يسمع فقط يُريد الفتك بفريسته، و كأنه يُريد انتزاع مُعجزته من جسدها الضئيل، ولكن ما نفع الماء فوق تربة قاحلة، عقيمة غير مُثمرة؟ لن تنتج ولو غمرتها جميع مُحيطات العالم.
أخذت صرخاتها تعلو مثلما كان توتره يزداد وهو يحاول تأدية دوره كرجل غير عابئ بألمها ولا تخبُطها لتبوء جميع محاولاته بالفشل، فخرجت منه صرخة غاضبة افزعتها وهو يصيح كالمجانين:
_ اخرسي بقى.

أخذت ترتجف أسفله تُناظره و كأنه وحشًا تخشاه بشدة، فتعاظم جنونه، و علق شماعه اخفاقه المُخزي على تلك المسـ . ــكينة ليقوم برفع كفه و صفعها بقوة وهو يصيح بصوت اهتزت له جدران الغرفة:
_
_ مش عارف اعمل حاجه منك. أنتِ السبب.
تعالت شهقاتها جراء حديثه و كذلك رعشة جسدها، فهتف بتحذير :
_ أسكتِ.
لم تسمعه فقد كانت ترتجف و تبكي رغمًا عنها، و لسوء حظها فقد دفعه مظهرها إلى الجنون أضافة إلى شعوره القاســ .

ــي بالنقص ، فقام بالانقضاض عليها باللكمات و الات المتلاحقة بيد و بالأخرى كان يُكمم فاهها حتى لا يخرج صوت استغاثتها، وهو يُردد كال:
_ أنتِ السبب. أنتِ السبب.

غريزة البقاء كانت تدفعها لمقاومته بكل ما أوتيت من قوة لتنجح في غرس أسنانها في جلد كفه، ليتراجع عنها لاهثًا و هو ينظر إلى أثار عضتها فيجن جنونه و يقوم بتوجيه ة عنيفة إلى جزئها السُفلي لتخرُج من فمها صرخة قوية وهي تناظر ذلك المجذوب الذي أخذ يُحطم كل ما تطاله يداه وهي مُلقاة أرضًا كالذبيحة التي فقدت كل اتصال لها بالحياة حين رأت تلك المرأة عنايات التي ظنت أنها ستنقذها من بين براثنه و إذا بها تِطلق زغرودة قوية و كأنها تعلن عن فرحتها بما فعله ابنها بهذه المسـ . ــكينة.

عودة للوقت الحالي
أخذت تبكي من فرط الألم الداخلي و الخارجي لتجد تلك المرأة عنايات تقترب منها وهي تقول بسماجة:
_ عاملة ايه يا عروستنا؟ كدا بردو حد يعمل اللي عملتيه دا ؟
برقت عيني «غنى» المتورمتان من كلمات المرأة التي تابعت بتقريع:
_
_ هي أمك مقالتلكيش تتعاملي مع راجلك ازاي ولا اي؟
برقت عينيها ذهولًا من حديث المرأة فهتفت ببهوت:
_ انا. انا. معملتش حاجه.
شهقت عنايات بطريقة سوقية قبل أن تقول بتهكم:
_ يا بت ! طب عيني في عينك كدا!

بقى يا هبلة مش عارفه تتدلعي و تجيبي جوزك على بوزة في ليلة دخلتكوا؟ عاجبك اللي حصل فيكِ دا؟
تناثر الع من بين عينيها قهرًا، فما أصعب أن تكُن الضحيــ .ــة و تُلام على دناءة الذئاب.
ارتدت قناع الحنان وهي تقترب منها و تُملس على جبهتها وهي تقول :
_ بتعيطي ليه يا هبلة؟ هو أنتِ فكرك انك أول واحدة ت ولا آخر واحدة ؟ دي البيوت ياما فيها، و بعدين أنتِ اللي غلطانه عصبتيه، و الراجل في الأمور اللي زي دي مبيتفهمش!

كانت تتعمد اللعب بحديثها فتارة تشتد نبرتها و تارة ترخي حبال الكلمات حتى تتشرب الضحيــ .ــة سموم نواياها ولا تعطي فرصة لأي ظنون في التلاعب بها :
_ بس أنا عارفه انك بت جدعة، و ملكيش في اللوع، و مصدقتش أي كلمة من اللي ولاد الحرام قالوها عنك أول ماجيت اخطبك، و أنك بت من إياهم. مانا بردو ليا نظرة.
_
كانت تُشير بحديثها إلى قصة عشقها الذي قُتِـ,ــ,ـل دون أن يتردد صداه في الأرجاء، فلم تُعطيها المرأة الفرصة للتفكير حين تابعت بنبرة ذات مغزى:
_و عشان كدا هتوسطلك عند رأفت يسامحك. أنتِ بردو زي بنتي.

لكن اسمعي احنا هنا لينا قوانين . أنتِ في بيت عبد الحفيظ الصباغ، و هنا لو ات قتيل محدش بره بيعرف. لا تقوليلي أمي ولا خالتي، فهماني طبعًا يا غنى؟
فهمت المغزى خلف حديثها الذي لم يكُن يُقارن أبدًا بنظراتها المُحذرة و ملامحها المُخـ,ـيفة، و في تلك اللحظة علمت بأنها علقت للأبد في شباك أُناس لا تعرف الرحمة سبيل إلى قلوبهم.
طرق خافت على باب الغرفة جعلها تنتفض ًا، و خاصةً حين أطل «رأفت» برأسه إلى الداخل وهو يقول بنبرة خافتة :
_ خالتي صابرين تحت. جاية تصبح علينا.
تفاجئت «غنى» حين هتفت عنايات بتهليل:

_ يا ألف مرحب. تيجي تنور. بيتها و مطرحها. صباحية مباركة يا عرسان.
قالت جملتها وهي تلتفت إلى« غنى» تُناظرها بأعيُن التمع بهم التحذير الذي خالط نبرتها حين قالت:
_ كدا ولا ايه يا غنى ؟
لم تستطِع فعل شيء سوى إيماءة بسيطة من رأسها و بصدرها آهات تتناحر للخروج إلى العلن، ولكنها قمعتها مُزعنة لما آل إليه حالها.
_
هبطت عنايات الدرج متوجهة إلى شقتها وهي تُطلِق الزغاريد في وجه الجميع و خاصةً زوجات أشقاء زوجها. ثم تقت إلى حيث تجلس «صابرين» و حولها اقاربها من النساء لتحتضنها و تقبلها بطريقة سوقية وهي تقول بتهليل:

_ أهلًا بنسايبنا الغاليين. أنستونا و شرفتونا.
تبادلت النساء العناق و السلامات لتقول «عنايات» بجانب أذن «صابرين»:
_ عيزاكِ لوحدنا.
شعرت «صابرين» بالقلق من طلب عنايات لتهمس قائلة :
_ في حاجة ياختي؟
لم تُجيبها عنايات إنما حدجتها بنبرة لائمة ثم انخرطت في الترحيب بالزائرين و توزيع واجب الضيافة إلى أن استجابت لفضول المرأة أخيرًا بعد أن تعمدت أن تُطيل الوقت حتى تجعلها تقع فريسة للقلق كطاهي يترك طبخته تنضج على نــ ــار هادئة هذا هو ما فعلته تمامًا معها.
_ في ايه يا أم رأفت قلقتيني ياختي؟
«عنايات» بلوم:.

_ كدا بردو يا أم غنى؟ تضحكي عليا و تخدعيني بالشكل دا ؟
_
«صابرين» بذُعر:
_ يالهوي كذبت عليكِ في ايه؟ والله ما حصل !
«عنايات» بتخابُث:
_ لما المحروسة بتك بتحب واحد و على علاقة بيه مقولتليش ليه لما جيت أخطبها ؟
ارتجفت أوصال «صابرين» من حديث «عنايات» المسموم، و ارتجفت الحروف خزيًا فوق شفاهها لتحاول نكران هذا الحديث قائلة :
_ كلام . ايه دا. يا حاجه ؟ انا. انا بنتي ملهاش في الحوارات دي. بنتي متربية، و الكلام دا كذب
قاطعتها «عنايات» قائلة بنبرة قاطعة؛

_ لا ياختي الكلام مش كذب. بتك كانت بتحب واحد اسمه ياسر، و كانت ماشية معاه و كل الناس عارفين. الا أحنا. لا و الهانم مكفهاش كدا و بس دي كمان قالت لجوزها في وشه أنها مش عايزاه و مغصوبة عليه و بتحب واحد تاني غيره!
شهقة فزع شقت جوف «صابرين» حين استمعت إلى حديث «عنايات» المسموم، والتي تابعت بنبرة ذات مغزى:
_ انا حاسة بيكِ، و بالرغم من أن كسرة ابني مش سهلة يا صابرين. بس أنا شمتيني كتير و مش هخرب بيت ابني بسبب عيلة طايشة زيها.

_
اهتاجت «صابرين» من فرط ال و ال لتهتف بقسوة:
_ لا خراب بيت ايه ؟ انا هكسر اغها قليلة الحيا دي.
وصلت أخيرًا إلى ضالتها لتقول بنبرة زائفة الحزن:
_ لا متقلقيش ياختي هي خدت اللي تستحقه.
«صابرين» بفزع:
_ تقصدي ايه؟
«عنايات» بحدة:
_ أقصد أن ابني راجل ياختي، و الراجل لما يسمع من مراته البوقين دول ليلة فرحه اكيد هيعيد تربيتها من أول و جديد.
«صابرين» بلهفة و قلبي ينتفض ًا :
_ عمل فيها ايه؟
_
«عنايات» بلامُبالاة:
_ علقة صغيرة متخافيش اوي كدا.

المهم تعقلي بنتك و توريها العين الحمرا، وانا عشان خاطر دي ولية واحنا بردو عندنا ولاية هحاول أطيب خاطر رأفت و أهدي الدنيا بينهم.
كانت كلمات «عنايات» تطن برأس «صابرين» التي كسى الحزن و الخجل وجهها ليُناظرها زوجها باستفهام حين أطلت عليهم، و لكن «عنايات» لم تُمهلهم الفرصة للحديث فقد صاحت بصوتها الرنان:
_ يالا يا حاج عشان نطلع نصبح على العريس و العروسة فوق.
تبعها والد «غنى» و زوجته و صعدوا معها إلى الأعلى لتُدخلهم «عنايات» إلى غرفة الصالون وهي تقول :
_ اتفضلوا اقعدوا على ما استعجل العرسان.

ما أن خرجت من الغرفة حتى التفت «مرزوق» إلى زوجته قائلًا باستفهام:
_ مالك بعد ما رجعتي من الأوضة التانية أنتِ و الست عنايات وشك قلب كدا ليه؟
احتارت بماذا تُجيبه، ولكنها مُجبرة فمن المؤكد سيعلم ما أن يراها :
_ بنتك يا مرزوق حطت راسنا في الطين.
_
«مرزوق» ب :
_ بتقولي ايه يا ولية يا خرفانه أنتِ ؟ عملت أية بنتي؟
قصت له« صابرين» ما حدث ليشعُر «مرزوق» بالاء تغلي في أوردته، فما فعلته ابنته خطأ لا يُغتفر:
_ تعالى يا رأفت سلم على حماك و حماتك.

دلف« رأفت» بمظهر لا يليق به، و بحقيقة فعلته الدنيئة فقد صافحهم باحتقار وكأنه صدق بأنه الطرف المظلوم هنا ليشعُر «مرزوق» بالخزي، و يقول بجفاء:
_ ممكن ادخل لبنتي؟
لم يُجبه «رأفت» فهتفت «عنايات» بلهفة:
_ طبعًا أومال ايه ؟ بيتك و مطرحك . مش كدا يا رأفت ؟
لم يُجيبها «رأفت»، ولكنه كان يُنفذ أوامرها بدقة ليصُب الوقود على البنزين و يدلف «مرزوق» إلى غرفة ابنته بوجه مُكفهر و ملامح تُنذِر بالسوء، ولكن من شدة كربها لم تُلاحظ ذلك، فقد كان مجيء والدها كالقشة التي يظُن الغريق بأنها نجاته، فهتفت بلهفة:
_ بابا.

_
ثم توجهت بأقدام ترتجف و خطوات متعرجة بفعل ذلك الضرر الذي لحق بجسدها لتحتضنه فإذا به يُباغتها بفتور و جمود لم يُبدده بكائها ولا إنتفاضها بين يديه لتتراجع الى الخلف وهي تقول بنبرة جريحة:
_ بابا.
أخطأت بظنها بأن ذلك الرجل «رأفت» قد ها، فقد جاءت صفعة والدها كسـ . ــكين باتر انغرز في قلبها، و تلك الكلمات المُحتقرة التي سقطت كالسوط على جسد مُبتل بمياة الغدر :
_ بابا يا كلـ. .بة يا رخيصة. بابا اللي حطيتي راسه في التراب منك لله. ياريته كان ك و خلصني من عارك.

نالت معدتها لكمة قوية من قة جعلت جسدها يتلوى من فرط الألم، لتخرُج نهنهاتها المصحوبة بآهات ألم كان منبعه قلبها لينتفض قلب «صابرين» و تدفعه بعيدًا عنها وهي تنهره قائلة:
_ حرام عليك. البت هتمـ,ـوت في ايدك.
في الخارج حين سمع «رأفت» صوت استغاثتها انتفض من مجلسه قائلًا بذُعر:
_ ماما هو هيمـ,ـوتها ولا ايه ؟
ربتت «عنايات» فوق كتفه قائلة بمكر:
_ لا يا عين أمك. ده بيربيها. أصلها ناقصة ربايه، و عايزه يتكسرلها الأربعة و عشرين ضلع عشان تعيش تحت طوعك العمر كله.
_
«رأفت» بع فهم :

_ تقصدي ايه يا ماما؟
«عنايات» بخُبث:
_ بعدين هفهمك.
أنهت جملتها ثم هرولت إلى غرفة «غنى» التي كانت تنتفض كالطير الذبيح بين يدي «صابرين» لتقوم «عنايات» بدفع «صابرين» و جذبها إلى داخل أحضانها وهي تقول بلوم:
_ كدا بردو يا حاج؟ دا اسمه كلام ؟ ت مرات ابني في بيته ؟
«مرزوق» بانفعال:
_ دي كلـ. .بة لازم تندفــ . ــن بالحيا قبل ما تجيبلي .
شهقت استنكار زائفة خرجت من فم «عنايات» التي غلفت خداعها بنبرة لائمة وهي توجه حديثها إلى «صابرين»:
_ كدا يا صابرين.

دا بردو العشم بقى انا اتفك معاكِ بكلمتين تقومي تجري تقولي للحاج. طب دا وحياة سيدنا النبي ما حد يعرف البوقين دول غيرك، ولا حتى الحاج عبده اللي مبخبيش عليه النفس.
_
شعر «مرزوق» بالإمتنان لكونها تسترت على ابنته ليقول بنبرة جافة:
_ شكرًا يا ست أم رأفت. انتِ ست تعرفي في الأصول.
«عنايات» بتخابُث:
_ دي بتي يا حاج مرزوق، و لو مكنتش استر عليها مين يعمل كدا ؟ روق ك أنت بس و اطلع اشرب الشربات مع رأفت بره، و كل حاجه هتبقى زي الفل.
«مرزوق» بخزي:
_ معلش. خليها مرة تانيه.

احنا هنروح دلوقتي. يالا يا صابرين.
أنهى جملته و توجه إلى الخارج و خلفه «صابرين» التي كان قلبها يتمزق من حزنها على طفلتها التي كانت تنتفض من فرط الألم و الكسرة التي شعرت بها بعد ما فعله والدها الذي من المُفترض أن يحميها و ينتزعها من بين يدي الذئاب و إذا به يتركها كفريسة سهلة بين براثنهم.
_ شوفتي بقى يا غنى يا حبيبتي. في النهاية مبقاش ليكِ غير ماما عنايات و بس.
اللهم أعذني من الشيـ . ـطان، اللهم أجرني من الشيـ . ـطان، اللهم احفظني من الشيـ .

ـطان، اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم احفظني من مكايد الشيـ . ـطان.️
★★★★★★★★

انت في الصفحة 3 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى