و في إحدي الأبنية القريبة ولجت تلك الـ,ـمرأة ذات الوجه العابس و المتجهم،تغزو تحمل الكثير من الأكياس البلاستيكية المليئة بالخضروات و الفاكهة، تتمتم بصوت غاضب:
-لسه نايمة لي لحد الضهر يا ست عايدة والله عال ما هو لو اللي معاكي ليه كلمة عليكي مكنش بقي ده حالك. و بداخل إحدي غرف الشقة تتقلب عايدة بتأفف و تلكز زوجها:
-أصحي يا جلال و أخرج لأمـ,ـك بدل ما أنا ما أخرج لها و أنت تزعل في الأخر و تقولي أمي.
زمجر الأخر و يزيح يدها عنه:
-أخرج لها شوفيها عايزة أي، أنا عايز أنام و مش ناقص صداع. -هو ده كل اللي ربنا قدرك عـ,ـليه، نام يا أخويا نام ده اللي باخده منك و بس. أزاحت الدثار بتأفف و نهضت، ذهبت لإرتداء عباءة محتشمة فوق منامتها القطنية، و ألقت علي رأسها وشاحاً ثم خرجت ترفع زواية فمها جانباً، فقالت لها حماتها بسخرية:
-صباحية مباركة يا عروسة، نقش الحنة لسه علي رجلك! رفعت إحدي حاجبيها بإمتعاض:
-و ليه المسخرة اللي مالهاش لازمة دي علي الصبح،أنا فضلت سـ,ـهرانة لحد ما إبنك رجع الفجر من الشغل.
ألقت ما بيدها فوق المنضدة و قالت:
-تعالي خدي الحاجة دي و أبدأي جـ,ـهزي في حاجة فطار بكرة ، و خـ,ـدي بالك معتصم كلمني الصبح و زمانه علي وصـ,ـول يعني عايزه كل يوم الأكل اللي بـ,ـيحبه مش اللي علي مزاجكك أنتِ و جوزك. إبتسامة عارمة دبت علي شفتيها:
-هو خد الأجازة و لا أي؟ جلست علي الأريكة ذات الطراز القديم و خلعت و شاحها، أجابت:
-واخد أجازة شهرين بالعافية،يا دوب ألحق اشوف له عروسة بدل ما العمر يجري بيه نفسي أفرح بعياله قبل ما أمو*ت.
كانت الأخري تجترع الماء فأصابها السعال، و عندما بدأت تهدأ قالت:
-و مستعجلة عليه ليه، قصدي و هي العروسة دي هانلاقيها فين بالسرعة دي! -الـ,ـبنات علي قـ,ـفا من يشيل ياخـ,ـتي، و معتصم إبـ,ـني جدع زي القمر طول بعرض و كسيب و لو شاور بصباعه بس كل البـ,ـنات هيقولو له أمرك. و كأنها أنتبهت إلي شئ فأردفت بصياح:
-أنتي لسه هاترغي معايا روحي يلا أعملي اللي قولت لك عليه و أنا هادخل أصلي الضهر و أجي أحصلك.
ـــــــــــــــــــــ
يتجمع كلا من حبشي و ليلة و هدي حول مائدة الطعام المستديرة، كان الأخر يأكل بنهم ثم يجترع القليل من الماء و يمسح علي شاربه الكث، ينظر إلي شقيقته الشاردة في صحنها التي لم تتناول مـ,ـنه ملعقة واحدة، سألها:
-مابتاكليش ليه؟ أنـ,ـتبهت إلي سؤاله، و قبل أن تجيب وجدت زوجة أخيها ترمقها بنظرة و كأنها تخبرها بأن عليها الحذر في حديثها معه حتي لا تسبر أغواره.
أجابت بهدوء بالغ:
-أنا جبت ٩٠٪.
ما زال يأكل و علي غرار توقعها كان مُبتسماً و أفحمها بتعقيبه علي كلماتها:
-و أنا أعملك أي ما تجيبي ٩٠ و لا ١٠٠٪ حتي، أنا كده كده حالف عليكي ما هاتكملي تعليمك و كفاية عليكي الثانوية العامة عشان تبقي تقرطسيني تاني و تطلعي رحلات من ورايا. تركت الملعقة و نهضت قائلة:
-و الله دي حياتي و أنا حـ,ـرة فيها، أنت مجرد واصي عليا في الميراث آه، لكن حياتي الشخصية لاء.
شـ,ـهقت زوجته و ضـ,ـربت بكفها علي صـ,ـدرها، جحظت عينيها ترمق الأخري بأن تتراجع عن قولها قبل أن يفتك بها، و ما لبث سوي لحظات حتي تردد صدي صرخات ليلة و شقيقها يجذبها من خصلاتها:
-سمعيني تاني كده يا روح أخوكي اللي قولتيه من شوية، أصـ,ـل سـ,ـمعي تقيل أو الـ,ـظاهر العلقة بـ,ـتاعت المرة اللي فاتت مكنتش كـ,ـفاية. أنهال عليها بلطمة تلو الأخري و صفعات، صرخت زوجته:
– أبوس إيدك يا حـ,ـبشي سـ,ـيبها لتمو*ت في إيدك هي مكـ,ـنتش تقصد.
زجرها بنظرة نارية أرعبتها و قام بتهديدها:
-عليا الطلاق كلمة تاني لتكوني عند أمك، ملـ,ـكيش دعوة أخـ,ـتي و بربـ,ـيها. ظلت ليلة تصـ,ـرخ من ضـ,ـربه المُبرح لها و جذبه لخصلاتها التي أقتـ,ــ,ـلع البعض منها بين أنامله حتي أنقذها صوت رنين جـ,ـرس الـ,ـمنزل، توقف عن عنفه و دفعها إلي غرفتها يأمرها من بين أسنانه:
-غوري علي جوة و ما أسمعش ليكي نفس لحد ما أرجع لك. ذهب ليري من الزائر، فتح الباب وجد طفل صغير من إحدي أطفال الحارة يخبره:
-أسطي حـ,ـبشي، فيه جماعة واقفين قدام الورشة بيـ,ـسألو عليك.
قطب حاجـ,ـبيه بإسـ,ـتفهام قائلاً:
-ياتري يطلعو مين دول كمان، ما هو يوم باين من أوله؟ و بعدما غادر، ذهـ,ـبت زوجـ,ـته لمواساة تلك الـ,ـمسكينة الباكية، تربت عليها بحنان:
-معلش يا ليلة حقك عليا أنا، أخوكي و الله بيحبك بس إيديه سابقة دماغه. رمقتها الأخري بسخط و أعين غارقة بالدموع، صاحت في وجهها:
-حب أي ده اللي يخليه كل شويه يضـ,ـربني و يذل فيا! أثرت هدي الصمت لاتملك حق الدفاع عن زوجـ,ـها الآثم، طالما توسلت إليه بعدم التعرض لشقيقته بهذا الأسلوب المؤذي فما كان من الأخر سوي التهديد و الوعيد إذا لم تكف عن رشده.
ـــــــــــــــــ و هنا في إحدي المطاعم المزدحمة حيث يعمل عمار علي توصيل الطلبات المنزلية عبر الدراجة النارية، نزل من أعلاها للتو بعدما أوقف المُحرك، أخرج ما لديه من النقود و ذهب إلي مسئول الحسابات.
-أتفضل يا عم حسن فلوس العشر أوردرات. حدقه الرجل بنظرة أثارت قـ,ـلقه و جعلته مرتبكاً لا سيما عندما سأله:
-عشر أوردرات مش ١٣ يعني! أبتلع الأخر ريقه بتوتر بدي علي ملامحه فأجاب بصوت يكاد يكون مسموعاً:
-أه عـ,ـشرة.