منوعات

سوق ابليس بقلم ولاء رفعت

أشارت أمام وجهها بسبابتها قائلة بتحذير و ټهديد معاً:
“لأخر مرة بحذرك ملكيش دعوة بيا و لا ببنتي، وحقي و حقها لو معرفتش أخده منكم في الدنيا هاخده في الأخرة بإذن الله”. كادت تذهب فوقفت و أردفت:
“أبقي قولي لأخوكِ يبعت لي ورقتي علي بيت أخويا”. و بالفعل رحلت أمينة من المنزل و معها ابنتها سندس، ظنت إنها قد تخلصت من چحيم شقيقة زوجها الذي لا يملك أمره سوي بأوامر من شقيقته، لا تعلم بأن أحياناً هناك چحيم هيناً عن چحيم أكثر ۏحشية في انتظارهما!

༺الفصل الثاني༻ ترجلت أمينة و ابنتها من القطار في محطة مصر حيث العاصمة، خرجت تبحث عن وسيلة مواصلات لتذهب إلي شقيقها القاطن في قرية من قري محافظة الجيزة، أقتربت من احد المارة و سألته:
“لو سمحت، لو سمحت معلش مفيش هنا عربية بتروح الحوامدية؟”. فكر الرجل قليلاً ثم أخبرها:
“بصي أنتِ تركبي أي مواصلة للجيزة و من هناك هتلاقي عربية توديكي للحتة دي”. أومأت إليه بإمتنان:
“شكراً “. رد الأخر:
“العفو يا بنتي”. ذهبت أمينة و في طريقها سألتها ابنتها:
“أماه إحنا رايحين علي فين؟”.

أجابت الأخري و عينيها تبحث في كل مكان عن سيارات النقل الجماعي:
“رايحين يا حبيبتي عند أخويا، للأسف معندناش حد غيره نروح له”. “أنا عمري ما شوفت أخوكِ يا ماه “. عقبت الأخري علي مضض:
“أنتِ مش هاتفتكريه عشان لما جه أخر مرة عندنا كنتِ عندك سنتين مش هاتفتكري” “طيب إحنا كدة مش هنرجع لأبويا تاني؟”. زفرت بنفاذ صبر و قالت:
“يوه بقي بطلي أسئلة الجو حر و مش قادرة أتكلم”. عقدت الصغيرة ما بين حاجبيها و نظرت إليها بإمتعاض، أطلقت والدتها زفرة بعدما رأت تلك النظرة في عينين صغيرتها، مسدت علي خصلاتها الناعمة:
“حقك عليا يا سندس “.

سرعان تلاشي الإمتعاض من نظرات الصغيرة فتحول إلي إبتسامة تسلب قلب من يراها، بادلتها والدتها البسمة، و قاطع تلك اللحظة صوت مساعد السائق ينادي:
” جيزة، جيزة، يلا اللي هيركب معانا جيزة”. أسرعت أمينة و ابنتها تتشبث في يدها بقوة، وقفت أمام المنادي و سألته:
“لو سمحت كنت عايزة أروح للحوامدية”. أخبرها المساعد و يشير إليها نحو داخل السيارة:
“أركبي يا أمي و هخلي الأسطا ينزلك عند الميكروباصات اللي بتروح هناك”.

“يلا يا سندس”.
قالتها لتجعل صغيرتها تصعد أولاً و تجلس علي المقعد خلف السائق و هي بجوارها.
ـــــــــــــــــــــــ
وصلت أخيراً بعد معاناة إزدحام المرور، توقف السائق جانباً وقال:
“أتفضلي يا مدام ده الشارع اللي قولتي ليه عليه”. نزلت من السيارة و تمسك بيد ابنتها بقوة، تخشي عليها من تلك المنطقة المزدحمة و مركبات النقل الصغيرة الملقبة بـ «التوكتوك»، يقودها شباب صغار بل و أطفال ما بين الأثني عشر عاماً و الثامنة عشر مما يشكل خطړ عليهم و علي المارة في الشوارع.

سارت قليلاً حتي وصلت أمام منزل مكون من طابقين يبدو إنه قد شُيدَ حديثاً، تحيطه حديقة صغيرة، لاحظت لافتة صغيرة معلقة علي البوابة الحديدية مدون عليها «منزل السمسمار مرعي عبدالتواب» وقفت تتأمل المنزل من الخارج بدهشة و إعجاب:
“ماشاء الله”. أقتربت من البوابة و ضغطت علي زر الجرس المجاور لها، أنتظرت حتي سمعت صوت شقيقها:
“مين؟”. و قبل أن تجيب فتح البوابة فوجدها تقف أمامه تمسك ابنتها في يد و اليد الأخري تحمل حقيبة، ظهرت علي ثغره بسمة زائفة و بترحاب مصتنع قال:
“أمينة!، حبيبتي يا أختي أهلاً و سهلاً “.

ارتمت علي صدره و عانقته بشوق رغماً من ردة فعله التي أدركتها للتو.
“وحشتني يا مرعي”. ربت عليها و أجاب بشوق في ظاهره حقيقي علي غرار باطنه:
“و أنتِ كمان يا ختي وحشاني أوي”. نظرت إلي ابنتها و قالت:
“تعالي يا سندس سلمي علي خالك”. نظرت الصغيرة إليه بتوجس و كأنها تري ما يخفيه داخله نحوهما. بينما تأملها خالها قائلاً:
“بسم الله ماشاءالله، دي كبرت و بقت عروسة زي القمر”. مد يده و أردف:
“أزيك يا حبيبتي، أنا خالك مرعي أخر مرة شوفتك كنتِ لسه مكملتيش سنتين”.

لم تتحرك سندس من مكانها و مازالت تنظر إليه بتوجس، أخفض يده و سأل شقيقته:
“هي خاېفة مني و لا إيه؟”. وضعت يدها علي رأس صغيرتها و أخبرته:
“لاء هي هتلاقيها مكسوفة بس منك، أومال فين مديحة؟”. تظاهر بعدم سماع سؤالها، فأعادت عليه السؤال مرة أخري
“ها؟، اه مديحة دي نايمة ما أنتِ عارفاها بتنام للضهر، تعالي أنتِ بس أطلعي ريح لكم أنتِ و بنتك شوية من مشوار السفر”.

صعدت خلفه إلي الطابق الأعلي و أن وطأت قدمها الشقة أخذت تتأمل الأثاث الحديث، رددت اسم الله عدة مرات ثم سألت شقيقها:
“ربنا يزيد و يبارك يا أخويا، هو أنت هديت بيتك القديم؟”. حك ذقنه و أجاب قائلاً:
“اه، أصل البيت القديم كان خلاص قرب يقع، فمديحة ربنا يبارك لها أدتني ورثها كله و بنيت بيه”. عقدت ما بين حاجبيها بتعجب:
“و هي مراتك كان عندها ورث أصلاً، ده أبوها ماټ مديون”. أجاب بتوتر:
“لاء ما هو طلع أمها الله يرحمها كانت سايبة ليها و لأخواتها حتة أرض باعوها و كل واحد خد نصيبه”.

ألقت نظرة في صمت يبدو أنها لم تصدق إجابته، فهي تعلم شقيقها جيداً عندما ېكذب. و بعد قليل، جلسوا ثلاثتهم بعدما أحضر لهما الطعام و أنتهت من تناوله هي و ابنتها التي أكتفت ببضع لقيمات صغيرة. بدأت أمينة تسرد ما حدث لها و لإبنتها و مدي سلبية زوجها الذي يطيع شقيقته في أمر، مما جعل مرعي يدرك بأنها لا تريد العودة إلي زوجها، فسألها ليتأكد:
“كل ده يطلع من عبدالحي، أخص علي الرجالة، بس قولي لي ياختي بعد اللي حكتيه ده كله عايزة إيه من الأخر؟”.

أجابت بإقتضاب و حسم:
“عايزة أتطلق”. و هناك من كان يسترق السمع منذ البداية، فكانت زوجة شقيقها الحاقدة مديحة، قامت بالنداء:
“مرعي، يا مرعي”. فقال الأخر إلي شقيقته:
“أهي مديحة صحيت أهي هاروح أشوفها عايزة إيه”. ذهب إلي زوجته التي دفعته داخل الغرفة و عيناها تنضح بالڠضب:
“هي أختك عايزة تطلق و تقرفنا هي و بنتها! “. جذبها من يدها و أغلق الباب:
“هش وطي صوتك، أمينة هاتسمعك، و إيه يعني لو قعدت أنتِ ناسية الأرض اللي باني عليها البيت دي، تبقي بتاعت أبويا الله يرحمه و ليها فيه”.

صاحت زوجته باعتراض حاد:
“نعم يا أخويا!”. “نعم الله عليكِ، أهدي و بطلي حركاتك دي، أمينة أختي أصلاً عارفها عزيزة النفس و مش هترضي تقعد هنا علي طول، أنا ممكن أشوف لها مطرح إيجار هنا في الشارع أو حتة جمب مننا”. رفعت إحدى حاجبيها و سألته بسخرية:
“و مين بقي اللي هيدفع لها الإيجار و لا تكون ناوي أنت اللي تصرف عليهم!”.

“يخربيت شيطانك ياشيخة، أهدي بقي شوية بقولك أختي و أنا عارفها مش هترضي تبقي عالة علي حد، هي شاطرة جدا في شغل البيت و الأكل و كان فيه جماعة من الهرم كانوا عايزين واحدة شاطرة زيها و هيدولها مرتب حلو أوي، غير عمولتي اللي هاخدها”. إبتسمت زوجته علي مخططه، عقبت قائلة:
“يخربيت شيطاني أنا برضو! “. “مديحة، أنا بحذرك إياك تقلي بأصلك معاها، أطلعي سلمي عليهم و اقعدي معاها شوية و ابقي انزلي وضبي لهم الشقة اللي تحت عشان ياخدوا راحتهم”.
أمرها بتحذير، فأطلقت زفرة كدلالة علي صبرها الذي أوشك علي النفاذ ثم قالت:
“حاضر “.

أشار إليها آمراً إياها:
“طب يلا أخرجي قدامي”. و بالخارج كانت أمينة تتأمل ابنتها التي غفت و رأسها تستند علي فخذها، تمسد علي جدائلها بحزن. “يا أهلاً يا أهلاً ده البيت نور “.
كان تهليل و ترحيب مديحة الزائف، و تدركه أمينة جيداً بادلتها العناق و المصافحة:
“تسلمي يا مديحة “. ثم نظرت إلي شقيقها الذي يعلم ماهية نظرتها تلك، تنحنح و قال لزوجته:
“يلا يا مديحة أعملي اللي قولت لك عليه”.

هزت رأسها بإبتسامة تظهر أسنانها كاملة، و كانت أمينة قد نظرت إليها في صمت، و بعد أن ذهبت الأخري لتفعل ما أمرها به زوجها، أخبر مرعي شقيقته بإنها توجد لديه فرصة عمل لها سوف تجعلها ميسورة الحال، فكانت الصدمة عندما علمت إنه يريدها أن تعمل خادمة لدي إحدي العائلات الثرية، لكن كلما تنظر إلي ابنتها الصغيرة يزداد خۏفها، وجدت بأن عليها أن تكافح من أجلها و تعمل بكد لكي توفر إليها سبل الحياة. و في نهاية حديثه سألها:
“قولتي إيه يا أمينة؟ “.

أومأت إليه بالموافقة ثم أجابت و عيناها لا تحيد عن ابنتها النائمة:
“موافقة، كل يهون عشان بنتي”. ༺الفصل الثالث༻ بعد مرور احدى عشر عاماً… “ماما، يا أمي؟”
تركض و تبحث عن والدتها داخل المنزل، و الفرح يغزو ملامحها الفاتنة، فقد كبرت و ترعرعت و أصبحت علي مشارف أن تتم السابعة عشر ربيعاً، كلما كبرت أزداد جمالها الأخاذ، كم من رجال ذهبوا إلي خالها لطلب يدها، لكن والدتها كانت ترفض أن تتزوج في سن مبكرة، بل تريدها أن تتعلم و تصبح ذات شأن، فهي الآن انتهت من مرحلة التعليم الثانوي الفني.

خرجت أمينة من المرحاض تردد الإستغفار، ركضت ابنتها نحوها:
“بارك لي يا أمي جبت ٩٥٪، و المستر قالي كده ممكن تدخلي كلية مش معهد”. رفعت يدها في وضع الدعاء:
“الحمد و الشكر لله، الحمدلله يارب ما ضيعتش تعبي و لا تعبها علي الفاضي، ألف مبروك يا ضنايا”. قالتها و عانقتها بفرح و سعادة، فقالت سندس:
“عارفة يا أمي أول ما أتخرج و أشتغل أول حاجة هاعملها نروح أنا و أنتِ نعمل عمرة، عمري ما أنسي دموعك لما بتنزل كل ما تشوفي الكعبة في التلفزيون، ربنا يقدرني و أحقق لك حلمك”.

قامت بتقبيل ظهر يد والدتها التي عانقتها مرة أخري:
“يا قلب أمك ربنا يبارك لي فيكِ، أنا مش عايزة حاجة من الدنيا غير إن أشوفك أحسن حاجة، تتعلمي و تبقي مهندسة قد الدنيا و ربنا يرزقك بابن الحلال اللي يصونك و يشيلك جوه عينيه، ناوليني التليفون أكلم خالك مرعي أفرحه”.

نظرت إليها الأخري بامتعاض و قالت برفض:
“ما تقوليش ليه حاجة، تفرحيه بأمارة إيه!، لما أول ما جينا له خلاكِ تشتغلي خدامة في الفلل و البيوت و هو باني بيته علي حقك و نصيبك أنتِ و خالتي!، و يوم ما ربنا فتحها عليه من وسع ما بقاش يعبرنا، ده سأل علينا أخر مرة من سنة و كل ده و إحنا عايشين في حارة واحدة!”.

نظرت أمينة إلي أسفل بحزن و قالت:
“ما تنسيش إنه كرمنا في بيته يجي شهر عقبال لما لاقينا سكن، و برضو لولاه مكنتش هلاقي شغل عرفت أعلمك و أعيشك منه و بإذن الله هجوزك و أجيب لك أحلي جهاز”. “حضرتك شايفة كدة!، ماشي أنتم أحرار مع بعض أنتم أخوات، أنا بقي خليني علي جمب ملكوش دعوة بيا”.
قالتها و دلفت إلي غرفتها ثم صفقت الباب بقوة تحت نظرات أمينة التي تبكي رغماً عنها.
ــــــــــــــــــــــ
في صباح اليوم التالي، خرجت من غرفتها وجدت والدتها داخل المطبخ تعد طعام الفطور، تذكرت ما حدث بالأمس، دخلت إليها و وقفت بخجل معتذرة:

انت في الصفحة 2 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى