“أنا آسفة يا أمي، حقك عليا مكنش قصدي أزعق معاكِ إمبارح”. و قامت بمعانقة والدتها، فقالت الأخري:
“عمري ما بزعل منك يا ضنايا، أنا كل اللي عايزاه من الدنيا أشوفك مبسوطة و أطمن عليكِ”.
قالتها و قد باغتها ألم في رأسها فتأوهت رغماً عنها، سألتها ابنتها پخوف و قلق:
“مالك يا أمي إيه اللي تاعبك؟”. أجابت الأخري بوهن:
“دول شوية صداع و هايروحوا لحالهم”. أمسكت بيد والدتها:
“طب تعالي أدخلي أوضتك و أرتاحي، أنا هعمل الفطار و هانزل أجيب لك برشام للصداع “.
انتهت من إعداد الفطور و وضعت الصينية فوق المنضدة أمام والدتها:
“اتفضلي أفطري، عقبال ما أنزل للصيدلية اللي جمبنا و طالعة علي طول”. أرتدت إسدال الصلاة الذي ينقذها في تلك المهام السريعة و غادرت المنزل لشراء الدواء، وجدت الصيدلية التي ذكرتها منذ قليل مغلقة بسبب أعمال حفر أمامها، أخذت تتلفت يميناً و يساراً
“ده كده مفيش غير أروح الصيدلية اللي في الشارع اللي ورانا و دي فيها الواد الملزق الرخم “. سارت و في كل خطوة تجد أعين الشباب و الرجال تلاحقها بالنظرة أول القول، لم تكترث لهم و تابعت السير حتي وصلت إلي الصيدلية و قامت بشراء الدواء.
“اتفضلي العلاج يا قمر”.
كان هذا الشاب التي تمقته هي، اخذت منه الدواء و رمقته بازدراء و ألقت في وجهه المال و قالت بصوت خاڤت:
“يخربيت تقل دمك يا أخي”. غادرت الصيدلية علي الفور و كادت تعبر الشارع الملئ بالماء الراكدة، عبرت سيارة سوداء فارهة قامت عجلاتها بنثر المياه عليها، شهقت و صاحت:
“إيه الغباء ده يا أعمي”. توقفت السيارة فجأة ثم عادت ببطئ حيثما تقف سندس التي رفعت طرف الإسدال قليلاً و تنظر بضيق إلي بقع المياه علي ثيابها، أنتبهت إلي صوت رجولي أجش:
“إيش بتقولين؟”.
رفعت وجهها و نظرت إلي صاحب الصوت الذي يرتدي نظارة سوداء قاتمة، يبدو من مظهره و لهجته غير مصري. خلع نظارته ليتمكن من رؤيتها جيداً، غر فاهه يتأمل عينيها اللوزية ذات اللون العسلي تزينها أهداب سوداء كثيفة، يحاوط وجهها المستدير و وجنتيها المكتنزة و شاحاً باللون الأسود و كأنها بدر منير تحيطه سماء مظلمة. “ماشاء الله تبارك الله، سبحان ما أبدع و سوي هذا الچمال، بس يا خسارة”. رمقته بإمتعاض و صاحت في وجهه:
“أنت أتهبلت يعني غلطان باللي عملته فيا بسبب عربيتك و كمان بتعاكس! “.
رفع يديه و قال:
“أنا ما صبي لأچل أعاكس كيف ما بتقولين، ممكن إيش هو اسمك؟”. اتسعت عيناها پغضب، لم تجد إجابة سوي الصمت و همت بالذهاب، لكن منعها من الذهاب بفتح باب السيارة أمامها ثم نزل من السيارة و وقف أمامها مباشرة، تراجعت إلي الخلف ثم تعثرت في حجرة بارزة من الأرض، كادت تقع فأمسك عضديها و عيناه كانت تخترق روحها و ليست عيناها.
“أنتِ بخير؟”.
أومأت إليه بنعم ثم نفضت يديه عن ذراعيها و ركضت في الإتجاه المعاكس، بينما هو كان مازال يقف يتابعها بنظرة غريبة، رفع زاوية فمه جانباً بإبتسامة ذئب قد وجد فريسته، و عقب قائلاً:
“يا خسارة”.
ـــــــــــــــــ
صعدت علي الدرج بسرعة الريح، أخذت تضغط علي زر الجرس عدة مرات حتي فتحت والدتها:
“مالك بترني الجرس كذا مرة ورا بعض ليه كدة؟”. دخلت و جذبت حجابها:
“أصل، أصل كنت عطشانة أوي”.
قالتها و ذهبت إلي غرفتها، كانت تنظر إليها والدتها بتعجب:
“علي فكرة التلاجة في المطبخ”.
و بعد مرور وقت، كانت تمكث داخل غرفتها، مازالت نبضات قلبها تخفق بشدة منذ رؤيتها إلي هذا الغريب، أدركت من لهجته إنه من سكان الخليج العربي، أنتابتها ضحكة لا تعلم سببها عندما تذكرت الموقف مرة أخري. طرق علي باب غرفتها و أتبعه دخول والدتها:
“لسه نايمة؟”. نهضت سندس و أزاحت الغطاء من فوقها:
“تعالي يا ماما”. جلست أمينة بجوارها و كانت عيناها تنضح بسؤال تلفظ به لسانها:
“مش عايزة تقولي إيه اللي جابك من برة مستعجلة و زي ما بتقولي عطشانة و جيتي لا شربتي و لا حتي فطرتي معايا، دخلت لاقيتك نايمة، حد ضايقك برة؟”.
هزت رأسها برفض ثم تابعت:
“لاء مفيش، بس كنت تعبانة شوية و عايزة أنام”. أطلقت الأخري تنهيدة:
“ماشي براحتك، أنتِ من نفسك هتيجي تحكي لي، أنا أصلاً بصحيكي عشان أقولك خالك عازمنا علي الغدا بمناسبة نجاحك “. رفعت زاوية فمها بسخرية و قالت:
“و جاي علي نفسه ليه كدة؟، هتلاقيكِ بعد ما عرفتيه إن نجحت افتكر إنك مستنية منه هدية ليا، أنا هقوم و هاروح معاكِ بس مش واخدة منه أي حاجة، عايزة يديكِ أنتِ براحتك أنا لاء”.
ضړبتها والدتها بخفة علي ظهرها و قالت:
“قومي يا غلباوية جهزي نفسك عشان ما نتأخرش عليه”. نهضت من الفراش و ذهبت إلي الخزانة و أنتقت ثوب أسود و حجاب أحمر قرمزي.
و بعد قليل وقفت أمام المرآة تنظر إلي مظهرها و تضبط من وضع حجابها، كلما ترتدي شيئاً تزيده جمالاً من حُسنها و بهائها الخلاب.
ـــــــــــــــــــــ
و في منزل مرعي، يجلس في غرفة الضيوف مع زائر لديه
“و الله يا فراس باشا لو كان بإيدي كنت جبت لك طلبك، لكن أنا بطلت الشغلانة دي من زمان بسبب ۏجع الدماغ و المشاكل اللي بتحصل بين أهل العروسة و جوزها ده غير بقي عندكم البهوات صعبين أوي في المعاملة، و أنا الحمدلله دلوقت بقيت صاحب عقارات عندي اللهم بارك برجين و شغال في التالت”. أخذ الأخر يضحك و قال:
“الله يطول عمرك حاچ مرعي، أنا چيت لك بعد ما خبرني الشيخ مرشود أن هلاجي طلبي عندك، أنا بصراحة لاقيتها، بس ما عارف هي مين ممكن تكون چارتك”.
قطب مرعي ما بين حاجبيه:
“جارتي!، هو أصلاً مفيش حد في الشارع أو الجيران عندهم بنات للجواز غير الولية أم حسونة و دي بنتها بعيد عنك مجذوبة، و الباقي يا بنات صغيرين يا إما متجوزين، ألا قولي مش غريبة أن حضرتك شاب في التلاتينات و جاي عايز تتجوز بنت ١٦ سنة، أصل معظم زبايني كانوا من سن الـ ٤٥ لحد ٨٠ سنة، عمري ما جالي شاب في سنك، ما تروح أتجوز كتكوتة روسي شقرا علي الأقل مش هتحتاج تركب كهربا خالص”.
رمقه فراس بعدم فهم و سأله:
“ليش؟ “. أجاب الأخر:
“عشان بتنور لوحدها يا خفيف”. و أطلق قهقهة، فأتاه صوت زوجته:
” مرعي، يا مرعي”. أخفض صوته و أشار له بيده:
“أعوذ بالله الولية مراتي بتشم علي طول، مجرد لما بجيب سيرة أي كائن انثي إن شاء الله تكون سحلية تعرف علي طول، و لا أجدعها كلب بوليسي، عن أذنك هاروح أشوفها عايزة إيه”. ضحك الأخر:
“تفضل “. ذهب مرعي إلي زوجته التي ترمقه پغضب قائلة من بين أسنانها:
“لما أنت عندك ضيوف عزمت أختك و بنتها ليه علي الغدا؟”.
“ما تهدي يا مديحة، الراجل كان جاي في مصلحة و ماشي، عايزاني أطرده!، خلاص كلها دقيقتين و هيمشي”. في تلك الأثناء جاء إتصال هاتفي إلي فراس، فخرج يتحدث خارج المنزل، بينما في الشرفة بالأعلي كانت تقف تنظر إلي المارة في الشارع،
أنتهي من المكالمة و قبل أن يدلف إلي البناء لفت نظره رؤيتها و هي تقف خلف سور الشرفة، تلاقت عينيها في عينيه و قال:
“أخيراً لاقيتك يا بدر البدور”. ༺الفصل الرابع༻
“مش موافقة”.
كانت جملة أمينة لشقيقها الذي كان يخبرها عن ثراء المدعو فراس، و كيف هو يريد ابنتها بشدة.
“فكري و أعقليها كده ياختي، دي فرصة جايه لك من السما و ما تتعوضش، الراجل شاري بنتك و قالي كل اللي تطلبوه مُجاب، شقة و عربية و فلوس و دهب، فوق كل ده الشاب صغير في التلاتينات يعني مش واحد من المشايخ العواجيز اللي كانوا بيجوا لي عايزين واحدة قد عيلة من أحفادهم”. جلست أمينة علي الأريكة و قالت:
“ما هو ده اللي مقلقني و مخوفني أكتر، إيه اللي هيخلي شاب زيه زي القمر و غني يجي يتجوز واحدة من عندنا علي قد حالها، ما تقولش عجبته بنتك عشان جميلة، الحلويين كتير في بلده”.
زفر الأخر و قد أوشك صبره علي النفاذ قائلاً:
“الراجل كيفه كده، و مادام هيكتب عليها عند محامي هنضمن لها حقوقها، وافقي بقي بنتك هتنقلك لعيشة تانية عمرك ما حلمتي بيها، أهو علي الأقل هتبطلي تخدمي في البيوت”. وقعت في حيرة لكن قلبها لا يطمئن بتاتاً لتلك الزيجة، فأخبرته:
“الحمدلله راضية بقسمتي و نصيبي من الدنيا، بس تبقي البت في حضڼي، حتي لو أتجوزت بس علي الأقل هنا اقدر اشوفها وقت ما أحب، لكن تروح بلد تانية الله أعلم هيعمل فيها إيه جوزها ده يخليني أتمسك برأيي أكتر و أرفض بالتلاتة”.
و قبل أن يجيب شقيقها، خرجت سندس من غرفتها و قالت بحسم:
“أنا موافقة يا أمي”. غر الخال فاه بسعادة، رفع يديه مهللاً:
“الله أكبر، شوفتي بقي العروسة نفسها موافقة و راضية”. حدقتها والدتها بإمتعاض:
“و أنتِ كنتِ تعرفيه و لا تعرفي عنه حاجة عشان توافقي!”. نظرت إلي أسفل ثم قالت:
“يعني أي واحد هيتقدم لي غيره، هكون عرفاه و لا اعرف عنه حاجة، بصراحة أنا شايفاه عريس فيه كل المواصفات اللي أي بنت تتمناها”.
اقتربت من والدتها و امسكت بيدها فأردفت:
“بصراحة يا أمي، عايزه أريحك من شغلك و ده يقولك كلمة و دي تبص لك بنظرة بتحرقني قبل ما تضايقك، مش يمكن ربنا بعت لي فراس ده تعويض ليكِ و ليا”. ابتسمت والدتها و قالت بتهكم مازحة:
“فراس!، لحقتي تحفظي اسمه!، ماشي يا سندس، ما دام عاجبك و موافقة مش هقف في طريقك، بس قدام خالك شاهد علي كلامي و عليكِ، لو جيتِ لي في يوم تشتكي و تقولي لي جوزي سوي و عمل فيا هقولك ده أختيارك و أتحمليه، أنا كل اللي عايزاه أشوفك متهنية و سعيدة”.
عقب شقيقها قائلاً:
“اطمني ياختي، أنا هخليه يكتب لها مهر و مؤخر بمبلغ محترم، و يشتري لها شقة و عربية باسمها و دهب، عشان لو في يوم حب يلعب بديله أو غدر بيها تكون بنتنا متأمنة”. حدقته شقيقته بنظرة قلب لا يعرف الطمع:
“انا أهم حاجة عندي بنتي، و لا مال الدنيا يسوي دمعة من عينها”. ألتفت إلي شقيقها و اردفت:
“خلاص يا اخويا، كلمه و قوله إننا موافقين بس علي شرط إنها تكمل تعليمها إن شاء الله تكمله منازل و تنزل علي الإمتحانات”.
ردد الأخر بدون صوت مسموع:
“و هي بنتك بعد العز ده كله هتبص للعلام وللشهادة، ده أنتِ ست فقرية بصحيح، علي رأي المثل يدي الحلق اللي بلا ودان “.
ـــــــــــــــــــــ
و في خلال أيام تمت الخطبة في أجواء عائلية، و تعالت زغاريد زوجة خالها التي بداخلها كانت تتمني لابنتها بزيجة مثل تلك، لا سيما عندما رأت الحلي الذي أشتراه فراس إلي سندس، خواتم و آساور ملأت يديها و سلسلة ثقيلة الوزن تتوسطها قلادة.
و بعد أن أنتهت المراسم، طلب فراس أن يأخذها إلي نزهة قصيرة و سيعود بها سريعاً، لكن والدتها قد رفضت ذلك و اكتفت بسبب إنها مجرد خطبة و لم يتم عقد القران. هذا جعل فراس قدم بميعاد الزفاف و قام بشراء كل شئ لها، منزل و سيارة و أموال لوالدتها و خالها أيضاً، و برغم كل هذا كان يزيد من قلق أمينة التي ظلت تدعوا ربها أن يحدث أي شئ يفسد هذا الزواج المثير للريبة.
و ها قد أتي موعد الزفاف، بداخل قاعة كبيرة و حفل زفاف أسطوري، حضره جميع أفراد عائلتها، و أتي والدها الذي تقدم في العمر من أجل كتابة عقد الزواج الذي كان عبارة عن ورقة أعدها المحامي بعلم مرعي الذي أخفي عن شقيقته و أخبرها إنها قسيمة زواج و تم بواسطة محامي و ليس مأذون من أجل ضمان حقوقها.
ترتدي سندس ثوب أبيض فاخر و رائع، أشتراه لها خصيصاً من إحدي دور الأزياء الشهيرة في مصر، بينما فراس في أبهي طلة، يرتدي الزي الخاص ببلاده و هي الدشداشة «عباءة بيضاء طويلة الأكمام» يعلوها البشت «عباءة سوداء دون أكمام، يزين تلابيبها تطريز ذهبي»، و علي رأسه غترة«قطعة قماش مربعة بيضاء» يعلوها عقال. كانت الأجواء مليئة بالفرح، و البسمة لا تفارق ثغر سندس التي عندما رأت والدها دون تردد ارتمت بين ذراعيه، عانقها بقوة قائلاً:
“ألف مبروك يا حبيبتي”.
بادلته العناق:
“الله يبارك فيك يا حبيبي”. صافح زوجها و أوصاه كثيراً علي ابنته، فطمأنه فراس بأن ابنته سوف تكون أميرة في مملكته. انتهت أجواء الحفل و بعدها أستقل فراس و عروسه السيارة و خلفهما سيارة خالها، جميعهم إلي المطار.
و أمام الطائرة كانت تعانقها والدتها و تبكي إنها سوف تبتعد و تمكث في بلد بعيد:
“خدي بالك من نفسك يا ضنايا، و زي ما وصيتك، حطي جوزك في عينيكِ يشيلك فوق راسه، وقت الڠضب ابعدي عنه و لما يصفي عاتبيه عتاب محبة، جوزك علي ما تعوديه، خليكِ ديماً أحلي واحدة في عينيه، سركم ما يخرجش لأي حد مهما كان، ما يشوفش منك غير الحلو، أوامره طاعة إلا في معصية ربنا، لو عملتي كل اللي قولت لك عليه هترتاحي، و ربنا يكتب لك اللي فيه الخير يا بنتي”.
“يارب يا أمي، يارب”.
قالتها و قامت بوداعها و كذلك ابيها و خالها ثم صعدت إلي الطائرة التي سوف تقلع إلي إمارة دبي.
ــــــــــــــــــــــــ
و بعد رحلة سفر قد أستغرقت ثلاث ساعات من مطار القاهرة إلي مطار دبي، غادرت سندس الطائرة برفقة فراس الذي مد ساعده إليها و أستندت عليه حتي غادر كليهما المطار، كانت في إنتظارهما سيارة سوداء فارهة، بمجرد أن دخل الأثنين من كلا البابين أنطلقت السيارة.
أخذت تنظر إليه من طرف عينيها، من المفترض أن يكون جالساً جوارها مباشرة، بينما هو كان يجلس محتفظاً بمسافة بينهما، ينظر في شاشة هاتفه، يبدو إنه يجري مكالمة هاتفية
“سلام عليكم يا شيخ، وصلنا بالسلامة و هالحين متچهين للـ hotel ”
……
“أمرك يا شيخ، تسلم، مع السلامة”. و بعد أن أنهي مكالمته سألته بعفوية:
“والدك اللي كنت بتكلمه؟”. نظر إليها لثوان ثم هز رأسه بإيجاب قائلاً:
“أي، والدي”.
و عاد ببصره ينظر إلي الأمام، أمر السائق بصوت مرتفع:
“هياي، أسرع”.
ـــــــــــــــــ
وصلت السيارة أمام برج شاهق، كان من أشهر الأبراج الفندقية في الإمارة، ركض إحدي الرجال ذوي البذة السوداء و الأجساد الضخمة، فتح الباب فنزل فراس الذي عاد ينظر إليها و قال:
“ليش قاعدة مكانك، هيا أنزلي؟”.
تريد أن تخبره أن ثوبها الكبير يعوق حركتها، ألتفت إلي الجهة الأخري حيث الباب التي تجلس بجواره، و قام بفتحه مد يده إليها، وضعت يدها في راحة خاصته و نزلت من السيارة، في تلك اللحظة سرت في جسدها قشعريرة، لا تعلم هل من ملامسة يده ليدها، فهذه ثاني مرة يمسك يدها بعد المرة الأولي عندما كان يضع الحلي الذهبية في يديها، أم من المجهول و لإنها في بلدٍ غريب و أناس لا تعلمهم!
سارت بجواره و خلفهما الحرس، أدركت إنه. شخصية هامة مثل رجال الأعمال التي تراهم في التلفاز، لا تنكر هذا جعلها سعيدة، لكن مازال شعور الخۏف و القلق يلازمها. و بعد أن أستقل كليهما المصعد الزجاجي و بدأ في الصعود، أنتفضت بفزع و تشبثت كالهرة في ذراعه، ضحك و قال لها:
“هذا بيصير معك أول مرة، بعدين تتعودين عليه”. اخفت توترها خلف ابتسامة زادتها جمالاً، بادلها تلك البسمة و قال:
“خلاص وصلنا”.
غادرا المصعد، تقدم بخطوة و هي بجواره تلحق به و تمسك طرف ثوبها من الجانبين بسبب ثقل وزنه.
توقف أمام الباب فجاء إحدى الحراس و أعطاه بطاقة المفتاح الألكتروني، قام بتمريرها و فتح الباب، أشار إليها نحو الداخل:
“تفضلي يا عروسة”. نظرت إليه و كأنها كانت تنتظر شيئاً، ربما خُيل إليها بأنه سوف يحملها علي ذراعيه و يدخل مثلما تري في المسلسلات و الأفلام الرومانسية، عادت من سماء خيالها إلي أرض الواقع حين سمعت صوته:
“ايش تنتظرين، قصدي واقفة ليه؟”.
ابتسمت و ولجت نحو الداخل، أهتزت حينما سمعت صوت غلق الباب، تذكرت وصايا والدتها و حديث زوجة خالها التي أخبرتها بما سوف يحدث بينها و بين زوجها في تلك الليلة، ضړبت حمرة الخجل خديها و قلبها يخفق بقوة. ظلت واقفة تنتظره لكنه يقف بالقرب من الباب و يمسك بهاتفه يتحدث فيه مرة أخري:
“كل شىء چاهز و تمام، بالسلامة”. استدارت إليه و سألته:
“إحنا هنقعد هنا علي طول؟”. أجاب ببرود:
“علي حسب الأحوال، و كيف ما يقرر سمو الشيخ”.
تعجبت من حديثه الذي لم تدرك منه سوي إنه يأخذ الأمر من والده، فكادت تتفوه لكنه قام ببتر كلماتها:
“لو تبغين تبدلين ثيابك، روحي و عندك الطعام علي الطاولة، أنا خارچ و ما أعرف متي أعود، ما تنتظريني”. ظل يتأملها لمدة دقيقة و أردف:
“يا خسارة”. لم يمهلها أن تسأله إلي أين تذهب و كيف يتركها بمفردها في ذلك الجناح و الفندق الكبير!