قفز في الماء دون تردد سبح بسرعة حتى وصل إليها ذراعاها كانت مرتخيتين ورأسها مائل للخلف ملامحها شاحبة وكأن الحياة تسربت منها أمسك بها بقوة وسحبها إلى الحافة ثم صعد بها وهو يلهث مستلقيًا إياها على الأرض وهو يصرخ:
ـ حد يلحقناااااا! حد يجيب الإسعاف
بدأ بمحاولة إنعاشها وهو يضغط على صدرها برعشة في أصابعه ينظر إلى وجهها المتجمد ويناديها بخشية:
ـ غفران فتحي عينيكي بالله
وسط صرخات نوح المرتعشة بدأ أفراد العائلة يتوافدون إلى الحديقة واحدًا تلو الآخر.
أسيل كانت أول من وصلت ركضت حافية القدمين عيناها تترنحان بين المسبح وغفران المسجاة على الأرض ركعت بجوار نوح وهي تبكي بلهفة:
ـ غفران غفران ردي عليا
كان نوح يضغط على صدرها مرة أخرى أنفاسه متقطعة ويده ترتجف وهو يحاول التنفس بانتظام ليتمكن من الاستمرار
جاء الجد فاروق مسرعًا يتكئ على عصاه ملامحه كانت ممتقعة وصوته خرج مهزوزًا:
ـ حصل إيه؟ غفران مالها؟!
اقترب تميم ببطء عيناه على جسدها الممدد ووجهه شاحب كمن صُدم بطعنة في صدره تمتم بهمس غير مصدّق:
ـ هي هي قالت ساعتها إنها ما بتعرفش تعوم وانا مركزتش
انكمش وجه تميم وتراجع خطوة كأن الكلمات سقطت عليه كالصاعقة نظر إلى غفران مرة أخرى ثم إلى يده وكأنها ارتكبت جر..يمة لا يدركها بعد.
الهواء بدأ يعود ببطء إلى صدر غفران صدرها يهتز تحت ضغطات نوح ثم فجأة سعلت بقوة وانبعثت المياه من فمها وهي تتنفس بقوة كأنها خرجت من عالم آخر.
شهقت أسيل بقوة وانهارت تبكي على صدرها بينما نوح غطى وجهه بيده وهو يلهث براحة وهو يتمتم بهدوء:
ـ الحمدلله الحمدلله يا رب.
جلس الجد فاروق على أقرب كرسي وهو يتمتم بشكر خافت لله.
أما تميم فظل واقفًا مكانه الصدمة تأكل ملامحه ببطء وعيناه لم تفارق وجهها الشاحب كانت على بعد ثوانٍ من المـ,ـوت بسببه وهي لا تعرف حتى كيف تعوم
في الغرفة
كانت غفران مستلقية على السرير تغطّيها بطانية خفيفة أنفاسها لا تزال مضطربة من أثر الغرق
في الخارج ساد صمت ثقيل كأن الحديقة نفسها اختنقت بما حدث
دخلت أسيل الغرفة بهدوء تحمل كوبًا من النعناع ووضعته على المنضدة إلى جانب السرير.
“اشربي جسمك محتاج سوائل دافية” قالتها بأسى وهي تجلس بجوارها.
رفعت غفران عينيها إليها ثم همست بصوت مبحوح:
“محدش سألني وقعت إزاي؟”
نظرت أسيل إلى الأرض ثم ردّت:
“الكل قال إنك اتزحلقتي وأنا ماحبيتش أفتح كلام يضايقك.”
ظلت غفران صامتة للحظة ثم تمتمت:
“تمام.”
لم تتحدث أكثر لم تُخبرها أن تميم هو السبب كان بإمكانها أن تصرخ بالحقيقة أن تفضحه لكنها اختارت الصمت ربما لأنها خافت أن يُكذبها أحد أو لأنها ببساطة لا تريد أن تكون هي سبب تفكك هذه العائلة التي بالكاد بدأت تعرفها.
في صباح اليوم التالي
أشرقت الشمس بخجل تنسل خيوطها الدافئة عبر نوافذ الفيلا الواسعة كان البيت لا يزال هادئًا أغلب من فيه لم يستيقظ بعد لكن رائحة القهوة بدأت تعبق في الأجوا
دخلت غفران إلى المطبخ بهدوء، ترتدي بيجامة قطنية وشعرها مرفوع بعشوائية. نظرت حولها للحظات، قبل أن تتقدم نحو الغلاية وتملأها بالماء.
“صباح الخير”
جاء الصوت من الخلف فانتفضت قليلًا ثم التفتت لتجد نوح واقفًا عند باب المطبخ يحمل كوب قهوته ويبتسم
“يا ساتر… خوفتني”
قالتها وهي تضع يدها على صدرها.
ضحك وهو يدخل المطبخ ويقترب منها:
“ماهو أنتي داخلة زي الحرامية كده قولت أقولك صباح الخير بدل ما أزعق.”
ردت بابتسامة صغيرة :
“أنا اللي مفروض أزعق… بتدخل المطبخ قبلي؟”
رفع حاجبيه بمرح:
“أنا هنا من قبل ما الشمس تطلع اعملك قهوة؟ ولا لسه زعلانة من الحياة؟”
قهقهت بخفة رغمًا عنها ثم هزت رأسها:
“اعملي بس خفيفة مش عايزة قلبي يطير كفاية امبارح.”
بدأ نوح في إعداد فنجان لها بينما جلست هي على الكرسي الخشبي الصغير قرب الطاولة.
“إنت دايمًا كده بتصحى بدري؟”
سألته وهي تراقب حركاته.
ردّ وهو يسكب الماء الساخن:
“آه، عادة قديمة، زمان كنت بشتغل في شغل بيبدأ من الفجر الجسم اتبرمج خلاص.”
“واضح إنك نشيط زيادة عن اللزوم.”
قالتها بمزاح.
ناولها الفنجان بابتسامة:
“وإنتي واضحة إنك بدأت تفوقي ده تقدم كبير من بعد اللي حصل امبارح.”
نظرت له للحظة ثم همست وهي تمسك بالفنجان:
“شكرًا يا نوح لو مكنتش جيت في الوقت المناسب كان زماني…”
قاطعها سريعًا وهو يجلس على الطرف الآخر من الطاولة:
“ما تقوليش كده إنتي بخير وديه أهم حاجة… بس أمانة المرة الجاية ابعدي عن الميه شوية انتي بتخوّفي الواحد.”
ضحكت وهي تغطي فمها:
“ولا يهمك…
مش ناوية أقرّب منها تاني كفاية اللي حصل.”
جلسا في صمت للحظة يتشاركان القهوة والدفء وكان ذلك الصباح أول مرة تبتسم فيها غفران من قلبها منذ وصولها إلى هذا البيت.