روايات

رواية انا لك انت

في المساء
كانت العائلة قد اجتمعت حول مائدة الطعام الجو العام هادئ لكن خلف الأطباق المتراصة والنظرات المتبادلة كان هناك شيء غير مرئي يثقل الأجواء جلس تميم على طرف السفرة نظراته متنقلة بين غفران التي تجلس مقابله وبين جده فاروق الذي يحاول تلطيف الأجواء بكلمات بسيطة وابتسامة هادئة.
كانت غفران تأكل بصمت وكأنها غير حاضرة تمامًا حتى قاطع صوت الهاتف المحمول ذلك الهدوء المربك ارتجف الهاتف على الطاولة أمامها فمدّت يدها وتصفّحت الشاشة بسرعة.

ـ “أيوه يا نوران”
ابتعدت قليلًا عن الطاولة وهي تتحدث نبرتها تغيّرت فيها شيء من الحياة والاهتمام وهو أمر لم يعتد عليه من حولها منذ ما حدث.
عادت بعد دقيقة وجلسَت لكن هذه المرة كان هناك ترقب في العيون.
رفع الجد فاروق حاجبه وسألها بهدوء:
ـ “فيه إيه يا بنتي؟”
ترددت للحظة ثم قالت بصوت خافت فيه شيء من الحسم:
ـ “صحبتي نوران.. النهاردة عيد ميلادها وعازماني على حفلة صغيرة كده في بيتهم… كنت ناوية أروح بعد العشا.”
ساد صمت قصير حتى قال تميم فجأة بنبرة حادة:

ـ “مش هتروحي.”
رفعت غفران نظرها إليه عيناها تحاول أن تبقي اتزانها لكنها لم تتكلم بل نظرت إلى الجد تنتظر رأيه.
وقبل أن تنطق بكلمة رفع الجد يده بهدوء وقال:
ـ “غفران كلامها مني أنا.”
عمّ المكان هدوء ثقيل وتحرك تميم في مقعده بضيق، بينما استمر الجد بنفس الهدوء والوقار:
ـ “طول ما أنا فيا نفس محدش يعلي صوته عليها… ومحدش يمنعها من اللي يفرّحها طول ما هو في حدود الأدب.”
ابتسمت غفران بخجل وهمست:
ـ “شكرًا يا جدو.”
هز الجد رأسه وقال بنبرة حازمة:

ـ “بس ترجعي قبل الساعة عشرة مفهوم؟”
ردّت فورًا:
ـ “أكيد.”
أما تميم فظلّ ينظر إليها بصمت في عينيه شيء أكثر من اعتراض قبل أن تتحرك غفران من مكانها رفع الجد يده مرة أخرى وقال بصوت أكثر جدية:
ـ “بس في شرط يا غفران”
توقفت ونظرت إليه باستفهام بينما الجميع ينتظر ما سيقوله.
أكمل الجد:
ـ “تاخدي حد من ولاد العيلة معاكي.”
تحرك تميم في مكانه وكأنه يستعد للتطوع لكن غفران سبقته وقالت بسرعة وبابتسامة خفيفة:
ـ “نوح.”
في اللحظة التالية
اختنق نوح بلقمة في حلقه وبدأ يسعل بشدة بينما سليم اللي كان يجلس بجواره ضربه على ظهره وهو يضحك:

ـ “ده اسمه جزاء اللي بيقعد ساكت”
سعل نوح وقال بصوت مبحوح وهو يشرب الماء:
ـ “آه لا بجد أنا أنا مش كنت مستعد للحوار ده خالص.”
ضحك خفيف خرج من بعض أفراد العيلة حتى الجد فاروق ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه وهو يومئ بالموافقة:
ـ “خلاص نوح يوصلك ويرجعك وابقوا طمنوني لما توصلوا.”
هزت غفران رأسها وقالت برقة:
ـ “حاضر”
أما تميم فظلّ صامتًا نظره مثبت عليها وعلى نوح
لكن في عيون تميم كان هناك شي ليس مفهوم
ليست نظرة عدم ارتياح ولا اعتراض كأن بداخله صوت يقول:

ليه مش انا كانت عقارب الساعة تقترب من السابعة مساءً، والبيت يسوده هدوء خفيف يسبق الحركة
في الأعلى
كانت غفران تقف أمام المرآة تنظر إلى انعكاسها بتردد تُعدل خصلات شعرها المفرودة على كتفيها
وتلتقط أنفاسها قبل أن تتجه نحو الباب.
ارتدت فستانًا بلون وردي ينسدل بنعومة علي جسدها
الفستان كان من النوع الذي ليس به الكثير من التفاصيل .

خامة ناعمة من الساتان الناعم بتنساب على جسدها
الجزء العلوي من الفستان كان مكشوف الكتفين بالكاد يغطي أعلى صدرها بخط ناعم مقوس يبرز رقبتها
كانت غفران ترتدي كعبٍ بسيط بلون اسود وحقيبة يد صغيرة تتدلى من كتفها
لم تضع الكثير من الزينة فقط لمسة خفيفة من الكحل وملمّع شفاه
جعلت ملامحها تبدو أكثر براءة مما هي عليه.

هبطت الدرج بهدوء خطواتها هادئة وصوت الكعب يُحدث رنينًا ناعمًا على درجات السلم
في الأسفل
كان نوح ينتظر وهو يتفحص هاتفه يرتدي قميصًا أبيض مفتوحًا من عند الياقة
وبنطالًا كحليًا أنيقًا شعره مصفف بعناية ورائحته تفوح بعطرٍ رجولي هادئ.
رفع رأسه حين سمع وقع خطواتها وللحظة تجمّد مكانه.
نظر إليها بانبهار واضح عيناه اتسعتا قليلًا وابتسامة صغيرة تشكّلت على طرف شفتيه قبل أن يتمتم بصوت خافت:
ـ “يا نهار أبيض”
تدلت غفران من آخر درجة ووقفت أمامه بثقة مصطنعة وقالت:

ـ “في حاجة؟”
رمش رمش كأنه يحاول ان يستيقظ من تأثير المشهد ثم حكّ مؤخرة رأسه وقال بخفة:
ـ “أه لا لا بس مش عارف أروح ولا أحجز فوتوسيشن بالشكل القمر ده.”
ضحكت غفران بهدوء وقالت:
ـ “خليك مركز بس مش معايا ده مجرد عيد ميلاد.”
ردّ بسرعة:
ـ “آه بس شكلك طالع كأننا رايحين مهرجان كان مش عيد ميلاد نوران”
في تلك اللحظة ظهر الجد فاروق من إحدى الغرف وألقى نظرة سريعة عليهما قبل أن يبتسم:
ـ “خلي بالك منها يا نوح.”
هز نوح رأسه باحترام وقال:

ـ “تحت أمرك يا جدو.”
ثم التفت إلى غفران وخرجا سويا
في الخارج
فتح نوح لها الباب قائلًا بنبرة خفيفة:
ـ “اتفضلي يا ست البنات.”

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى