حدقتْ بهِ بكرهٍ وقالتْ بحــ,,ـرقةٍ منْ ألمِ فراقِ والدتها ” أنا مشُ هبقىْ ثانيةً في بيتكَ ، منْ زمانِ وأنتَ ناكرٌ إنَ ليكُ بنتٍ ، بسْ أنا اليومَ بنكرٍ وجودكَ ، صــ,,ـابرة مــ,,ـاتتْ وبنتها كمان ، كذا ارتاحَ معَ الحيزبونيهْ بتاعكْ وعيالها ، وزيَ ما أنا يا راسخُ إترجيتكْ وبوست أيدكَ عشانِ تنقدُ أمي وسبتها تمـ,ـوتَ قدامَ عيني ، ربنا كبيرُ وهشوفكْ في يومٍ واقفٍ قدامي وبنفسِ مكاني بتطلبِ مني أنقدُ غاليكْ هيكونْ ردي واحدٌ ” ياريتْ يمـ,ـوتَ ونخلصُ ” افتكرَ دا كويسْ نضر لها غيرُ مصدقٍ ما يخرجُ منْ فمٍ قاصرٍ ثمَ تركتهُ وتحركتْ نحوَ البابِ مغادرةً ، صرختْ بها
والدتهُ ” تعالى هنا ” التفتَ لها وقالتْ بحقدِ ” زيكَ زيَ ابنكَ ربنا ياخدكمْ ”
نضر لها والدها بتحدٍ وقالَ ” لوْ طلعتي عمركَ ترجعي”
سقطتْ دمعةً منْ عينيها وقالتْ بعدَ أنْ ابتسمتْ بألمِ ” لوْ كنتُ بمـ,ـوت عمري ما أرجعَ بيتكَ أوْ حدٍ يعرفُ أنَ ليا أيَ صلةِ بيكْ ” قالتْ كلمــ,,ـاتها وغادرتْ بسرعةِ تركضُ للخارجِ فتاةً في الثانيةِ عشرةَ منْ العمرِ تركضُ ليلاً وحدها دونَ أيْ مأوى أوْ ملجأٍ ضنَ والدها أنها فقطْ هاويةً لا تقدرُ على فعلِ شيءٍ لكنْ لمْ يعلمْ أنها بالفعلِ على قدرِ كلمــ,,ـاتها
بعد ساعة دخلَ يامنْ رفقُ ابنهِ بعدَ أنْ وصلةِ خبرِ مـ,ـوتِ صــ,,ـابرةَ متأخرٌ ، حدقَ بأخيهِ وقالَ بحدةِ ” أينَ زمردٌ ؟ ! ” نضر لهُ ببرودِ عكسَ تلكَ التياراتِ القلقةِ بداخلِه وقالَ ” راحتْ ”
صرخَ بهِ قائلاً ” راحتْ فينْ ”
هدرَ بهِ بقوةٍ ” مــ,,ـاتتْ ، البنتُ مشَ بنتي ، ومــ,,ـاتتْ دا أخرى معاكمْ ، والآنُ تطلعوا برةٌ ”
دهشَ يأمنُ منْ كلامِ أخيهِ وخرجَ رفقةَ ابنهِ يبحثانِ عنها إلا أنهمْ لمْ يجداها ، استمرَ بحتهمْ مدةً طويلةً تحولَ إلى أشهرِ وأخدتهْ أعوام ولا أحدَ يعلمُ أينَ زمردُ ابنةِ صــ,,ـابرةَمرارة العشــ,,ـق
الحلقة الثالتة مَرَّت عِدَّة أَعوَام وسنوات تَغيرَت بِهَا كثيرًا مِن الأشْياء ، اِسْتيْقظ رَاسِخ على قُبلَة مَياسِين الرَّقيقة ، نَضِر لَهَا بِحبٍّ وابْتَسم ” قَلْب حَبيبِك ، فَايِقة تشْتاقين عليْه ”
ضَحكَت بِدلال قَبْل أن تَنظُر لَه وَتغمِز بِمَرح ” عُمْر حبيبَتك أَنْت يَلِي لَازِم يَفُوق اليوْم عِيد مِيلَاد خُلُود ”
اِبتسَم لَهَا قَبْل أن يَنهَض لِلْحمَّام بِكَسل مِن ثمَّ نَهضَت هِي اَلأُخرى أيْضًا ونزلتْ لِلْأسْفل ، كان فَارِس يَجلِس رُفقَة أُخْتِه على الأريكة يحْتضنهَا بِقوَّة وَحَنان وَقَال ” أَحلَى عِيد مِيلَاد لِأحْلى خُلُود فِي الدُّنْيَا ”
اِبْتسَمتْ لَه بِمَرح ” رَبنَا يُديمك لِيَا يَا قَلْب أُخْتِك أَنْت ” اِبتسَم
لَهَا بِحنان وقبْل رأْسهَا ، نَزلَت والدتهَا واحْتضنتْهَا بِالْمثل تبارَك لَهَا عِيد مِيلادهَا الثَّاني عَشْر وَكذَلِك والدهَا .
بعْد مُدَّة كان اَلجمِيع يلْتفُّون حَوْل مَائِدة الطَّعَام يُخطِّطون لِحفْلة عِيد مِيلَاد خُلُود
بَعْد اِنتِهاء اَلفُطور أَصبَح اَلجمِيع يَعمَل على قدم وَسَاق لِترْتيبات الحفْل وَزِينَة اَلمنْزِل ، كَانَت الصَّغيرة خُلُود تَلعَب بيْنمَا جَدتُها فِي جَلسَة الحديقة مع وَالدِها يتحاورون ، نَضرَة إِلى خُلُود ثُمَّ حَولَت نظراتهَا إِلى اِبنهَا وقالتْ بَعْد أن هَمسَت بِأذنه ” اليوْم ذِكْرى وَفَاة صَابِرة ”
حَدَّق بِهَا وَقَال بَعْد أن أَغمَض عُيونه بِأَلم ” عَارِف يَا مَامَا ، هُروِّح أزورهَا ”
اِبْتسَمْتُ بِودٍّ وقالتْ ” دَوْر على بِنْتِك ”
حَدَّق بِهَا بِنَدم وَقَال ” قَلبَت عليْهَا البلد كُلهَا ، مش عَارِف هِي فَيِن
”
نَضرَة بِأَسى على حَالِه وقالتْ ” خُلُود لَازمَهَا أُختَهَا عشَّان تعيش ، يَا تَمُـ,ـوت وَتَسبنَا ”
أَغمَض عُيونه مُتذكِّرًا آخر كلمــ,,ـات تِلْك الصَّغيرة ” هِيجي يَوْم وَزِي مَا إِتْرجيتْك تُتْرجاني ” بِالْفِعْل الآن حَيَاة اِبنتِه الصَّغيرة مُتَوقفَة عليْهَا ، حَيَّت كان لِلْقدر كَلِمتَه وفعْلا الآن هُو يَقِف على وُجودِهَا ، لَكِن أَيْن هِي ” فَتْح عُيونه بِإرْهَاق مِن إِحسَاس الذَّنْب ، والنَّدم ، نعم قسَى عليْهَا وَعلَى والدتهَا اَلتِي أَرَاحهَا اَللَّه مِن اَلوُجود ، لَكنَّه فَرْط فِي أَغلَى مَا اِمْتلكتْه صَابِرة وَهِي زُمُرد
نَضِر إِلى والدَته وَتَنهَّد بِنَقل ، ” كان عِنْدهَا حقٌّ ، محْتاجهَا الآن عُشَّان
خُلُود تعيش ” أَمَات بِرأْسِهَا بُحيْرَة وقالتْ بِشرود ” يَا تُرَى هِي فَيِن الآن ” ثُمَّ اِسْترْسلتْ بِجدِّيَّة بَعْد أن نَضرَة لَه ” يُوسُف كان بِدَور عليْهَا ”
ردٌّ عليْهَا بِثبات ” فِعْلا يُوسُف بِدَور عليْهَا ، لَكِن مِش لَاقَى مَعلُومة عشَّان يُوصِّل لَهَا ، لََا اِسْم ولَا نِسب ، لََا عَارفِين أَنهَا حَيَّة أو مَيتَة ”
رَبتَت على كَتفِه مُوَاسيَة لَه وقالتْ بَتقَة عَالِية ” لَو على زُمُرد أنَا مُتَأكدَة أَنهَا حَيَّة ”
نَضِر لَهَا حائرًا واسْترْسل ” طَلعَت بِنْتِ اثنَّاشر سنة قد خُلُود ، اَزَاي هتْقدر تعيش أو هَترُوح فَيِن ؟ !
”
نَضرَت إِلى الأمَام شَارِدة وقالتْ ” إِن شاء اَللَّه يَكُون خيْرًا ”
اِنتفَض على صَرخَة خُلُود اَلمرِحة بَعْد أن رَكضَت نَحْو صَابِرة واحْتضنتْهَا بِقوَّة وقالتْ ” وَحشتْنِي آوي ” اِبْتسَمتْ لَهَا بِحنان وقالتْ بَعْد أن رَبتَت على شعْرهَا ” وأنْتَ وحشاني يَا خُلُود عَامِلة إِيه يَا قَلبِي ” اِبْتسَمتْ وقالتْ ” الحمْد لِلَّه بِجْهِز لِحفْلة عِيد مِيلادي ” اِبْتسَمتْ وقالتْ بَعْد أن حَملتِها ” القمر كَبرَت وَبقَت إِثْناشر سنة
ضَحكَت بِدلال وقالتْ ” أَيوَة وبقيتْ سِتَّ بَيْت مُحترمَة يَا صَابِرة ، اَلعُقبى مَا تجوزوني وتفْرحون بِأوْلادي ” اِبْتسَمتْ عليْهَا مِن ثمَّ رَبَّت على كَتِفهَا، تَقدمَت نَحْو عَمهَا
رَاسِخ واحْتضنتْه بِمحبَّة بَالِغة وأعادة السَّلَام على جدَّتهَا ، اِبتسَم لَهَا رَاسِخ وَقَال بِترْحَاب ” عَامِلة إِيه يَا صَابِرة ” اِبْتسَمتْ لَه تِلْك الصهباء ذات اَلعُيون العسليَّة وقالتْ ” كُويْسَة يَا عَمِّي ، وأنْتَ عَامِل إِيه ؟ ! ”
اِبتسَم لَهَا بِمودَّة وَقَال ” الحمْد لِلَّه ” ثُمَّ اِسْترْسل حديثه ” أَبُوك وَأخُوك مِشّ هَيجُوا ثَانِي ؟ ! ”
نَضرَة لَه بِخَجل وقالتْ ” بَابَا هِيجي المرَّة دِي بس يُوسُف لََا ”
تَنهُّد رَاسِخ اَلذِي بات يَعلَم كُرْه يُوسُف لَه وعلاقته المتوترة بِأخيه يَأمَن وَقَال ” لَسه حزين مِنِّي ؟ !
” أَمَات لَه بِاسْتسْلام ” أَنْت عَارِف اَللَّي فِيهَا يَا عَمِّي ، لَيه يُوسُف مِش هِيجي ، وبابَا هِيجي يَزُور قَبْر خَالَتِي صَابِرة رَبنَا يرْحمهَا وِهيمر مِن هُنَا عُشَّان ياخْدَني ”
تَنهَّد على مَا وصل إِلَيه حَالِه ، أخيه اَلوحِيد فَقدُه وفقْد حَتَّى إِحسَاس اَلأُخوة اَلذِي كان يُغْدِقه بِه ، تَوجَّه نحْوهم فَارِس ، اِبتسَم فَوْر رَأيِته صَابِرة سلَّم عليْهَا ثُمَّ قال بِتفْكِير ” أَخوكِي مِشٍّ نَاوِي يُشَرفنَا ”
نفتْ بِرأْسِهَا فقالتْ الصَّغيرة بَعْد أن جَلسَت على أَقدَام صَابِرة ” أنَا مُمْكِن أُكلِّم سُوفَا ، هُو بحْبنيْ وَممكِن يِجِّيْ عَشانِي ”
نَضرَة لَهَا أُخْتِه بِأَسى ثُمَّ جَذَبتهَا مِن
يَدهَا فِي مُحَاولَة تَغيُّر اَلحدِيث وقالتْ ” تَعالَى نَنفُخ البوالين ” أَومَأت لَهَا الصَّغيرة بِرحابة صـ,,ـدر لِتغادر بِرفْقتهَا بيْنمَا جلس فَارِس بِجانب وَالدِه وَقَال بَعْد أن تَنهَّد ” هَكلَم يُوسُف وأحاول أَقنَعه يَرجِع ”
نَضِر لَه وَالدِه وَقَال ساخرًا مِن نَفسِه ” طالمَا زُمُردَه أنَا السَّبب فِي ضَياعِها عُمرُه مَا يَرجِع ”
تَنهُّد بِعمْق قَبْل أنَّ ياخْد هاتفه مِن جَيْب بِنْطاله وَقَال لِوالِده بِأَمل ” إِن شاء اَللَّه لِمَرة دِي يَقتَنِع ” أَومَأ لَه بإستسلام واسْتقام فَارِس لِلاتِّصال على يُوسُف
**************************************************
فِي غُرفَة مَكتَبِه يُوسُف المنْهمك بِالْملفَّات الملْتفَّة حَولَه ، لَم يَجِد وَقْت لِلرَّاحة ، زفر بِأَلم
مِن شِدَّة تَعبِه ثُمَّ ترك الأوْراق اَلتِي بِيَده واسْتقام يَتَوجَّه بِخطًى تُقيله نَحْو الحائط الزُّجاجيِّ الشَّفَّاف ، تَنهَّد طويلا قَبْل أن يضع يديْه بِجيوب سَترَت بدْلته السَّوْداء ، تَأفُّف بَعْد أن رنَّ هَاتفِه مُعْلِنا عن اِتِّصال مِن فَارِس ، حَدَّق بِالْهاتف ثَوَان مَعدُودة قَبْل أن يحْمله ويضْغط زِرُّ الاسْتقْبال وَأَجابَه بِاسْتسْلام ” بَلَاش تَقُول أَجِي عشَّان هُقفُل فِي وَشْك ”
اِبتسَم فَارِس على كَلامِه وَقَال ” كُنْت هَقُولَك تَعالَى نَدُور على زُمُردَه ”
أجابه بِاهْتمام ” فِكْرِك مِشَّ بِدَور عليْهَا ، دِي كأنَّ الأرْض اِنْشقَّتْ وبلعتهَا ”
_ “عَارِف أَنَّك بَتدُور عليْهَا ، بس لَازِم تَنزِل أَنْت ،
مِين عَارِف يُمْكِن تُظْهِر”
اِستمَع إِلى كلمــ,,ـاته بِعقْلانيَّة وَجلَس على كُرْسِيه بِإهْمَال وَقَال بِغَلب ” مَاشِي يَا فَارِس ، أنَا المرَّة دِي هِنْنزل أَدُور عليْهَا بِنفْسي ، كذَا كذَا مِشّ وَاثِق فِي حدٍّ ”
أُعْجِب فَارِس بِرَده وَقَال ” تَمَام يَا يُوسُف بَاشَا أنَا فِي اِنْتظارك ، اِقْفِل يُوسُف الهاتف ثُمَّ رَمَاه دُون مُبالَاة على المكْتب ، نَضِر إِلى صُورتِهَا اَلتِي يَضعُها فِي إِطَار على مَكتَبِه وتمْتم بِأَلم ” وبعْدَيْنِ مَعاكِي يَا غَزَال ، فَيِن أَرضِك ، ويَا ترى بَقيتِي زِيُّ مَا أَنْت ولَا الزَّمن غَيرَك”
على إِثْر كلمــ,,ـاته المتألِّمة دخل صديقه اَلمُقرب جاويد ، نَضِر لَه بِإمْعَان
وَقَال مُمازِحًا ” شهْريَار الولْهان ، إِيه مُشقْلَب حَالِك ” حَدَّق بِه بِغَلب قَبْل أن يَقُول ” أنَا هَنزَل مِصْر ، أَدُور على زُمُرد ”
تَقدُّم جاويد وَجلَس على اَلكرْسِي مُقَابلَه وَقَال بِتفْكِير ” مَا أَنْت كُلُّ مَرَّة بَتدُور عليْهَا ، وعمْرك مَا جِيتْ بِنتيجة ” ثُمَّ اِسْترْسل مُوَضحا بِنْت قَاصِر فِي نصِّ اللَّيالي أَتوَقع أيُّ حَاجَة ”
حَدجَه بِنضرَات حَارِقة فَقَال جاويد بِهدوء ” عَارِف إِنَّك مِشّ مُمْكِن تصدِّق أَنهَا مَاتَت ، بس يَا بُنَي كِفاية إِلى ضَيعَتِه مِن حَيَاة وأنْتَ بَتدُور عليْهَا ”
نَضِر لَه يُوسُف بِعَدم رِضًى وَقَال بِضيق ” مُمْكِن تخْرِس ”
رَفْع
جاويد يديْه بِاسْتسْلام يعلم تعلق صديقه بتلك الفتاة وَقَال ” أنَا آسف يَا سَيدِي وَحقَّك عليًّا ، وَإِن شاء اَللَّه تَلاقِي الغزالة بَتاعِك ”
تَأفُّف يُوسُف بِانْزعاج قَبْل أن يَقُول ” الأحْسن تَسكُت ، مِشّ ثم إسترسل مستفهما ،هِتْنزل تَشوُّف أَهلِك ”
نَضِر لَه جاويد بِضيق وَقَال ” أَنزَل لَيُّه ، أنَا هَارِب مِن مَاضِي مِشٍّ مُحْتاج أَفتكِره ”
كان يُوسُف يتفحَّصه بِدقَّة قَبْل أن يَقُول بِحَزم ” جاويد لَازِم تَرجِع لِبلدك ، وتعْتَرف بِغلطك ”
نفى بِرأْسه وَقَال بِأَسى ” البنْتِ مَاتَت ، أنَا هغير أيّه”
حدق به يوسف ساخرا وقال ” تقول الحقيقة ،إنك
إعتديت على العيلة ،القاصر ،وسبتها ”
تغيرت عيون جاويد للون الأحمر وقال بضيق بعد أن إستقام مغادرا ” كانت غلطة والبنت مــ,,ـاتت وأنا إتجوزت وخلفت ونسيت اللى حصل بطل تفكرني ” قال كلمــ,,ـاته وخرج صافعا الباب بقوة جعلت يوسف يسبه بداخله
**************************************************
استيقظتْ بكسلٍ منْ ألمِ جسدها ، إرهقها منْ الكرسيِ الخشبيِ الذي قضتْ بهِ ليلتها الماضيةَ اعتدلتْ تمددَ يديها بكسلٍ ، حدقتْ بالمارةِ بينما تتأتبْ ، وضعتْ يدها على فمها ، استقامتْ منْ على الكرسيِ الخشبيِ ، والمارةُ ينظرونَ لها بخوفٍ ، والأغلبَ يضنيها ولدَ مجنونٌ متشردٌ ، فهيَ دائما ما تنامُ بالشارعِ ، قلبتْ عيونها بمللٍ ، منْ نضرات الناسَ التي باتَ آخرٌ شيءٍ تهتمُ لهُ ، حدقَ بها رجلٌ في الخمسينياتِ منْ عمرهِ ، طالعَ سروالَ الجينزِ الفضفاضِ والمهترئِ الذي ترتديهُ وقميصها الأزرقَ الطويلَ يخفي جسدها النحيلُ وتلكَ السترةُ الجلديةُ المتقطعةُ والقبعةُ الشمسيةُ التي تداري بها شعرها ،
تنهدَ بأسفٍ على حالها وقالَ بضيقٍ ” لازمٍ تلاقي مكانٍ تعيشينَ فيهِ أنا خايفْ عليكَ منْ أولادِ الحرامِ ”
نهضتْ بهمةٍ منْ على المقعدِ وقالتْ بينما تتحدثَ معهُ ” طالما الكلّ عارفينَ أني ولدَ ، لا أحدَ يقدرُ يطمعُ فيا ، وأنتَ عارفْ أخرتْ الليَ يقربُ منيَ يا عمي ، أقطعهُ بسناني ، ”
ابتسمَ بيأسِ منها وقالَ ” الصبحُ بتتبهدلي في الطرقِ تصلحينَ العربياتُ وبالليلِ تشتغلينَ بتحرسيهمْ ، وفي الآخرِ بتنامي هنا في الجنينةِ ، إيهْ أخرتها معاكي ”
نفتْ برأسها وقالتْ بضياعِ ” مشٍ عارفةٍ ، هدورْ على شغلِ اليومِ عندَ أيِ ميكانيكيٍ ، وأشوفْ لوْ ممكنٍ يسبني أنامْ في المرآبِ عندهُ
حدقَ بها بغيضٌ مسترسلا حديته بجديه ” يا ابنتي هيحصل إيهْ لوْ أخدتي
حتى اوضة في السطحِ تنامي فيها ”
تأففتْ هيَ باتتْ تعلمُ حالها ووضعها الحرجُ بأنها لأتحملَ هويةً فأجابتهُ بحنقِ ” كيفَ لحدِ يقبل أني أعيشُ في بيتهِ منْ غيرِ أوراقٍ أوْ نسبٍ”
نضر لها باستعطافٍ وقالَ ” ارجعي الميتمَ يا بنتي ، أحسنَ ليكي منْ الإهانةِ دي ”
ابتعدتْ عنهُ قليلاً تمشطُ المكانَ بعيونها مردفهِ بينما تتفقدُ المكانَ منْ حولها ” سيبكْ مني ، أنا لوْ كنتُ محتاجةً أبقى فيهِ مشُ مهربِ منهُ ” ثمَ التفتتْ لهُ وقالتْ بجديةِ ” غيرَ أنا بقيتُ اثنتينِ وعشرينَ سنةً ، يعني بلغتْ سنَ الرشدِ منْ زمانٍ ”
نضرٍ لها لمدةَ قبل أنْ يقولَ بيأسٍ ” أعملُ فيكَ إيهْ ؟ !
” رفعتْ كتفيها دونَ مبالاةٍ وقالتْ ” ما فيشْ حاجةٌ تعملْه ، وبعدينِ عندي مهمةٌ اليومِ ، ولازمٌ أروح أشوفْ سناءْ في الميتمِ لوْ ناقصها حاجةً ، وبعدينِ أشوفْ كم عربيةٍ أصلحها وأجي هنا أناوب مكانكَ باليلْ ”