حدقَ بها بسخطٍ هيَ عنيدةٌ لا تصغي لأحدٍ ، تنهدُ مطولاً وقالَ بهدوءِ ” مهما أقولُ مشٌ ممكنٌ تسمعي مني ”
نفتْ برأسها مبتسمةً ” عندي مسؤولياتٍ كثيرةً ، لازمَ أخذُ الأكلِ للميتمِ الأولادِ بيستنوني ، وسناءُ أنا الليُ ليها وسندها بعد ربنا ، كلُ دولٍ معتمدينَ عليا مشِ هقدرْ أسبهمْ ”
أومأَ برأسهِ ونضرٍ لها ، كانتْ شاردةٌ ، حدقتْ بطفلِ أمامها يحملهُ والدهُ ويمزحُ معهُ ، تابعتهمْ عيونها إلا أنَ اشترى لهُ والدهِ بالونا ، جعلَ الصغيرُ سعيدا ليحتضنَ والدهُ بحبٍ يشكرهُ وينعمُ بحنانهِ استيقظتْ على صوتِ العمِ مرسي الذي ناداها لأكثر منْ مرةٍ إلا أنها لمْ تجبهُ ، نضرة لهُ شاردةٌ وشعرتْ بالحزنِ وقالتْ ” اليومِ ذكرى وفــ,,ـاةِ صــ,,ـابرةَ ”
علتْ قسمــ,,ـاتِ وجههِ بالحزنِ وقالَ بعدَ أنْ جدبها لأحضانهِ وربتْ على ظهرها بحنانِ قائلاً ” ربنا يرحمها ويصبركَ على فراقها يا بنتي ”
خدلتها دمعتْ سقطتْ منْ عيونها وقالتْ بعدَ أنْ ابتعدتْ عنهُ قليلاً ” لازم أروحَ الآنُ
وبعدينِ نتكلمُ ” غادرةٌ منْ أمامهِ حتى لا تضعفُ ، وتنهارَ حصونُ قلبها الضعيفِ ، تنهدَ بيأسِ وأسى عليها ، تلكَ الفتاةِ التي وجدها ليلاً مختبئةً خلفَ الأشجارِ تبكي خوفــ,,ـا ، أخذَ بيدها إلى الميتمِ الذي عاشتْ فيهِ ، لكنها لمْ تكملْ ست أشهر حتى هربتْ منهُ مرةً أخرى وبدأتْ تعملُ وتتعلمُ كيفيةُ الحصولِ على قوتِ يومها ، الآنُ أصبحتْ شابةً لكنَ الماضيَ لا يزالُ يطاردها
تسللتْ إلى الداخلِ بعدَ أنْ قفزتْ منْ حائطِ المبنى ، دخلتْ بهدوءِ إلا أنَ أوقفها صوتٌ حادٌ ” ثانٍ يا زمردٌ ” التفتَ بضيقٍ وحدقةٍ بمديريةِ الميتمِ مختنقةً ” أنتي مشَ بتنامٍ ، ارحمي نفسكَ ”
حدقتْ بها بسخــ,,ـريةِ ” ارحمينا أنتَ منْ الدخولِ شبهَ الحراميُ ”
تأففتْ زمردَ بضيقٍ قبلَ أنْ تقولَ ” طالما مسكتيني ، خدي دولٌ للأولادِ وانا هشوفْ سناءْ ”
حدقتْ مديرةَ الميتمِ بتلكَ الأكياسِ المليئةِ والحلوياتِ المختلفةِ ، أخدتهمْ منها وابتسمتْ ” مستحيلٌ تبطلينَ عادتكَ ”
هَزَّت كتفيْهَا دُون اِهتِمام وقالتْ ” داء بَيتِي والْأوْلاد دُوَل عِيلتي ، مش بِصَرف على حدٍّ
غريب ”
أَومَأت لَهَا بِامْتنان قَبْل أن تَقُول ” هُروِّح أَجهَز الأكْل لِلْأوْلاد ” أَومَأت لَهَا وَغادِرة نَحْو غُرفَة سَنَاء ، دَقَّت اَلْباب قَبْل أن تَدخُل ، نَضرَت إِلى تِلْك الغافيَّة على اَلسرِير المهْترئ مِن شِدَّة تَعبِها وَذلِك الفتى بِجانبهَا يَصرُخ مِن ألم جُوعه ، حمْلته زُمُرد واحْتضنتْ وَجهَه تَمسُّح دُموعه قَبْل أن تَأخُذ حليبه وَتجلِس على اَلسرِير لِتطْعِمه ، سكتَ الطِّفْل وَتَناوَل حليبه بِجوع ، اِبْتسَمتْ بِخفَّة على مَظهَرِه ، ومع اِنْشغالهَا فَتحَت ذات اَلعُيون الخضْراء عُيونَهَا بِكَسل ثُمَّ قَالَت بِنوم بيْنمَا تَعتَدِل ” جِيتي ”
رَفعَت عُيونَهَا وَأَومأَت لَهَا قَائِلة ” جِيتْ يَا سَنَاء هَانِم ، بزْمتك
فِي أُمِّ تَنَام وتسيُّب اِبنهَا بعَيط ”
حَدقَت بِهَا ونفختْ وجنتيها المكتنزة بِضيق فِي حِين تُشير إِلى طِفْلهَا بِانْزعاج ” وبعْدَيْنِ يَا زُمُرد الكائن دَا حارْمَني مِن الحاجة اَلحُلوة الوحيدة فِي حَياتِي وَهِي النَّوْم ”
حَدقَت بِهَا بِتهكُّم وقالتْ سَاخِرة ” لََا بِتْتعَبي آوي ”
تَنهدَت بِضيق وقالتْ بَعْد أن اِقْترَبتْ مِنهَا ” زُمُرد عَايزَة اِشتغَل تَعبَت مِن القعْدة ”
نَضرَت لَهَا ورفعتْ حاجبَهَا بِضيق وقالتْ ” والْوَلد تَسيبِيه فَيِن ”
اِبْتسَمتْ قَائِلة ” الحضانة ، نَاخِد بَيْت أنَا وَأنتِي نعيش فِيه ونشْتَغل ويوسف أَسِيبَه فِي الحضانة ”
حَدقَت بِهَا بغيض وقالتْ ” مِن عُيوني
، البيْتُ دَا نَجيبِه مِن فَيِن يَا ذَكيَّة زمانك ، لََا أَنتِي ولَا أنَا مُعَانا أَورَاق ”
تَنهدَت بِإحْبَاط وقد ضَهرَت مَلامِح الأسى على وجْههَا وقالتْ بِضيق ” والْمفْروض نعمَل إِيه لِحدِّ أُمَّتي نَبقَى عَايشِين فِي الملْجأ بِالسِّرِّ وَأنتِي بِتنامي فِي الشَّارع
زَفرَت زُمُرد وقالتْ بِتفْكِير ” أُلَاقِي حلٌّ ولَا يَهُمك ”
أَومَأت لَهَا بِإيجَاب فقالتْ سَنَاء بِمشاغبة ” زِيزو شِيل الطَّاقيَّة مِن على دِماغك ” كَادَت أن تَقـ,ـتُلها مِن شِدَّة غيْضهَا لَكِنهَا فاجأتْهَا بَعْد أن أَبعَدت اَلقُبعة عن رأْسهَا لِتسْقط خُصلات شعْرهَا العسَليِّ اَلقصِير اَلمُموج ، أَكمَل اَلصغِير حليبه وابْتَسم على شعْر مِن تَحملِه لِيجْذبهَا مِنْه بِقوَّة
، صَرخَت بغيض وأبْعدتْه بِيديْهَا تَحملِه مِن قَدمَه تَقلبُه رأْسًا على عُقْب وحدَّقتْ بِوالدته بشر ” مَاشِي يَا شِبْر ونصَّ إِلى تَعملِيه أَنْت يُكْمِله اِبْنك ” ضَحكَت سَنَاء بِقوَّة على فِعْل اِبنهَا قَبْل أن تَقُول ” عَيْب يَا زَيْدان دَا أنَا سِتٌّ وَعلَى قد حَالِي ” حَدقَت بِهَا زُمُرد بِذهول ومَا هِي إِلَّا ثَوَان حَتَّى وَضعَت اَلصغِير على الأرْض وانْقَضتْ على سَنَاء تَمسكِها مِن رَقبتِها ، ضَحكَت سَنَاء مِن كُلِّ قلْبهَا وقالتْ بِدلال رَغْم أَلمِها ” عَيْب يَا زِيزو عارفَاك بتحبَني ، بس شَويَّة شَويَّة عشَّان بِتْكسف ”
رغْمًا عَنهَا تَرَكتهَا زُمرَة اَلتِي ضَحكَت بِأعْلى صوْتهَا و شاركتهَا سَنَاء كدلْك
، اِرتمَت كُل وَاحِدة مِنهَا على اَلسرِير تَضحَك بِقوَّة وبالْكاد تَلتَقِط أنْفاسهَا ، اِبْتسَمتْ سَنَاء بيْنمَا تَنظُر لِلْصقف ” بِحبِّك يَا زُمُرد ”
اِبْتسَمتْ زُمُرد قَبْل أن تَعتَدِل وتسْتقيم مِن مَجلسِها وقالتْ بِهدوء ” وَانَا بِحبِّك يَا سَنَاء ” ثُمَّ حَملَت يُوسُف وقالتْ مُمَازحَة ” وَبحُب يُوسُف ” اِبتسَمت سَنَاء واسْتقامتْ ، مَدَّت لَهَا زُمُرد بِابْنِهَا وقالتْ ” هُروِّح ورايًا مِشوَار ، اَفطَرِي وخدِّي بَالُك مِن الأوْلاد ” أَومَأت لَهَا بِإيجَاب وقالتْ بِامْتنان ” شُكْرًا يَا زُمُرد ” اِبْتسَمتْ لَهَا وَغادِرة بيْنمَا أَمسَكت سَنَاء اِبنهَا وقالتْ بِلطْف ، تَعالَى نُفْطِر وِنْغلس على الأوْلاد اِبتسَم لَهَا بِودٍّ قَبْل أن تَخرُج مِن
غُرْفتِهَا *****************************************************
جَلسَت على رُكْبتيْهَا أَمَام قَبْر والدتهَا اِحْتضَنتْ تُرْبتهَا كأنَّهَا تَضمهَا ، سَقطَت دُموعَهَا بِقوَّة وقالتْ بِضَعف ” وحْشتيني يَا صَابِرة ، وحْشتيني يَا أُمِّي ، أنَا كُلُّ يَوْم يَفتكِرك وبْدعيلْك بِالرَّحْمة مِشَّ ناسْياكي ، وَعمرِي مَا أنْساكي ، تَعرِفي ، أنَا بَقيَت مَسؤُولة عن وَلإِد كثير ، اَللَّه وَكِيلَك مَرَّات بِيتْهد حِيَلي بس لَازِم أَكمَل ، مِشُّ عَايزَة البنَات دُوَل يَحصُل فِيهم إِلى حصل فيَا زمان ”
عَارِفة يَا صَابِرة أنَا مُتَابعَة أَخبَار رَاسِخ وَحدَة بِوحْدة ، بنتْه كَبرَت ، وابْنه كَمَان ، بِحبِّهم كثير كُلِّ سنة بِياخدوا صُورَة عَائلِية وِبتنْتشْر فِي الجرائد ، اليوْم عِيد مِيلَاد بنتْه
خُلُود كَملَت اثنَّاشر سِنُّه ، زِيُّ السِّنِّ إِلى طَلعَة فِيه مِن البيْتِ لِلشَّارع مِن غَيْر أَمَان ، بس ولَا يَهُمك بِنْتك كَبرَت وطلْعتْ قَدهَا . رَاسِخ اِخْتَار مَايسِين ، حَتَّى اليوْم نَفسَه إِلى وَلدَت فِيه أَنْت سِبْتِي الدُّنْيَا بِسببه هُو ومرَّاته وبنْته دِي ، وربُّنَا الغالي تعيش عُشَّان أَشُوف فِيه يَوْم زِيِّ اَللَّي عمل فِينَا ، حُرمْنَا مِن بَعْض ، فَضْل بنتْه عُليَا كُنْت فاكْره بس عشَّان فَارِس ولد ، طَلْع المشْكلة أَنِّي بنتْ صَابِرة
ثُمَّ أَردَفت بِتساؤل مَزَّق قَلبُها لِأشْلَاء ” مَامَا ليه بَابَا مِشّ بحبني ؟ ! إِيه دنْبِي ؟ !
” وَاَللَّه أنَا كُنْت مُحتاجَة حنانه وَحُبه لِيَا ، عُمرُه مَا كان أب لِيَا ، كان أب لِأوْلَاد مَايسِين بس ، حَرمَنِي مِن أَبسَط حقٍّ وَجُمد قَلبُه وَسابْنِي أَطلِع لِلشَّارع وَحدِي فِي نصِّ اليالي طفلة مش فاهمة الحياة ”
مَسحَت قَطَرات دُموعِهَا بِضَعف وقالتْ ” أنَا دِيمَا محتاجَة لِيكي يَا صَابِرة ، محتاجَة حِضْنك أَسنَد رَأسِي على صَدرِك ، بِحبِّك يَا صَابِرة وَعمرِي مَا أَبطَل أُحبُّك ، كَانَت كُلُّ كَلمَة تَخرُج مِن لِسانِهَا تُرافقهَا قَطَرات دُموعِهَا الفتَّاكة ، ضَلَّت تَبكِي على فِقْدانهَا والدتهَا كأنَّهَا مَاتَت الآن ، خالجَهَا إِحسَاس الضَّعْف والْوحْدة والْخَوْف ، شَعرَت أَنهَا تِلْك الفتَاة الصَّغيرة الضَّائعة فِي
غَابَة مَضْلَمة ، فَاقِدة لِإحْسَاس الأمَان ، حَتَّى كَادَت أن تَختَنِق مِن ألم فُؤَادهَا اَلذِي ضاق بِهَا ، شَعرَت بِيد تُربِّت على شعْرهَا ، حَدقَت نَحْو المصْدر ، اِبْتسَمتْ بِاتِّسَاع بَعْد أن ظهر خَيَال والدتهَا يُواسيهَا اِحْتضنتْهَا بِقوَّة تَبكِي على فِراقِهَا شَعرَت بِهَا تُمرِّر يداهَا بِحنان على ظهْرهَا ، وتمسُّح دُموعِهَا تبث بها الطمأنينه ، شَعرَت بِقبْلة والدتهَا على رأْسهَا تَأنَس وحْدتَهَا آفاقهَا مِن خَيالِها صَوْت سُقُوط مَفاتِيح على الأرْض ، اِسْتوْعبتْ نَفسُها ومكانهَا شَعرَت بِالْحزْن أَنهَا كَانَت تَتَخيَّل فقط ، أَلقَت نَضرَة حَانِية على قَبْر والدَّتهاو اِسْتقامتْ مُغَادرَة تَحمُّل طَعْـ,ـن الفرَاق وألمًا حادًّا شديدًا بالوجدان
كَانَ يُوسُفْ يَتَقَدَّمُ نَحْوَ اَلْقَبْرِ وَهُوَ يَتَفَحَّصُ دَالُكَ اَلشَّابَّ اَلَّذِي يَجْلِسُ بِجَانِبِ اَلْقَبْرِ وَيُوَلِّيهُ ضَهْرَهْ ، دُونُ أَنْ يَنْتَبِهَ سَقَطَتْ مَفَاتِيحَهُ ، اِنْحَدَرَ يُوسُفْ يَلْتَقِطُهَا مِنْ عَلَى اَلْأَرْضِ ، ثُمَّ رَفْعِ عُيُونِهِ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ اَلشَّابِّ اَلَّذِي كَانَ يَجْلِسُ بِجَانِبِ قَبْرِ صَابِرَةَ نَادَاهُ بِصَوْتٍ عَالٍ
تَسَمَّرَتْ مَكَانَهَا بَعْدَ أَنْ أَوْقَفَهَا صَوْتٌ مَأْلُوفٌ تَعْرِفُهُ جَيِّدًا ” أَنْتَ يَاوْلِدْ اَسْتَنِىْ ”
اَلتَّفَتُّتُ إِلَى مَصْدَرِ اَلصَّوْتِ لِتَجِدَ صَدِيقَ طُفُولَتِهَا يَقِفُ أَمَامَهَا ، اِنْدَهَشَتْ غَيْرَ مُصَدَّقَةٍ بِوُجُودِهِ ، حَدَّقَ بِهَا يُوسُفْ مُدَّةً قَبْلَ أَنْ يَقُولَ بِاسْتِفْهَامٍ ” أَنْتَ مِين ؟ !
”
حَدَّقَتْ بِهِ تَسْقِي عُيُونَهَا مِنْ اِشْتِيَاقِهَا لَهُ ، وَكَمَّ وَدَّتْ أَنَّ تَهَرُّب إِلَى أَحْضَانِهِ مَتْلُمَا كَانَتْ تَفْعَلُ مُنْذُ أَنْ كَانَتْ صَغِيرَةً عِنْدَمَا تَشْعُرُ بِالْوَحْدَةِ ، وَقَالَتْ بَعْدَ أَنْ اِسْتَدْرَكَة نَفْسَهَا ” زَيْدَانْ ” نَضِر لَهَا يُوسُفْ بِتَدْقِيقٍ مُشَكِّكٍ بِأَنَّهَا سَارِقُ مِنْ هَيْئَتِهَا اَلَّتِي تُخْفِي مُعَضَّمْ جَسَدُهَا وَمَلَامِحُ وَجَّهَهَا وَقَالَ بِشُكْرِ ” عَايِزْ أَشْكُرُكُ دَائِمًا بَتَسْقِي اَلْقَبْرُ دَا وَتَاخِدْ بَالُكَ مِنْهُ ”
نَضْرَتْ لَهُ وَأَعَادَتْ نَضْرَاتَهَا إِلَى قَبْرِ وَالِدَتِهَا تَحَجَّرَتْ اَلدُّمُوعُ بِعُيُونِهَا مِنْ شِدَّةِ قَهْرِهَا ، وَحُرْقَةُ فُؤَادِهَا ، كَيْفَ لَهَا أَنْ تُهْمِلَ وَالِدَتَهَا اَلَّتِي تَعْشَقُهَا ، ثُمَّ حَوَّلَتْ نَضْرَتَهَا لَهُ وَقَالَتْ بِهُدُوءِ ” دَا وَاجِبٍ ” شُرُودِهَا اَلدَّائِمَ
أَثَارَ رِيبَةَ يُوسُفْ اَلَّذِي نَضِرٍ لَهَا بُحَيْرَةٌ وَقَالَ بِتَسَاؤُلٍ ” أَنْتَ دَائِمًا بِتْجِي هُنَا ؟ ! ”
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا فَاسْتَرْسَلَ مُتَسَائِلاً ” عُمْرُكَ شُوفْتْ بَنَتْ هُنَا ؟ ! ” رَفَعَتْ حَاجِبَهَا وَقَالَتْ بِتَهَكُّمِ ” وَأَنْتَ مَالِكِ يَاسْطَا ؟ ! ”
حَدَّقَ بِهَا يُوسُفْ بِضِيقٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْتَحْ لَمَنَضْرْهَا وتابع قوله” اَلْقَبْرِ دَا لِإِنْسَانَةِ زِيِّ أُمِّيِّ اَللَّهِ يَرْحَمُهَا ، كَانَ لَيُّهَا بِنْت ، وَهِيَ أَكِيدُ بِتْجِي تَزُورُهَا ”
هَزَّت كَتفُها بِعَدم اِهتِمام وقالتْ دُون مُبالَاة ” عُمْرِي شُوفْتْ حدَا ، اَللَّه وَكِيلَك ، فِي بس وُلِد بِيجي يزورهَا وَيمشِي ”
تَنهُّد يُوسُف بِأَسى على حَالِه وَعلَى غَزالَه الضَّائع وَقَال بينما يصفهما كما يتذكرها في مخيلته ” بِنْتُ سُمرَة ولوْن عيْنيْهَا شِبْه الغزَال ، مَا بَيْن الأزْرق والْأخْضر وَكُل مَرَّة عيْنيْهَا بَتبَقِى فِي لَوْن على حسب نُور الشَّمْس ”
خفق قَلبُها مِن كلمــ,,ـاته ورمشتْ أهْدابهَا غَيْر مُصَدقَة أَنَّه لََا يَزَال يتذكَّرهَا ، بل يَبحَث عَنهَا ” غَزَال ” تِلْك اَلكلِمة اَلتِي طالما ميَّزهَا بِهَا عن غيْرهَا ، نَضرَة لَه بِعيونهَا العسليَّة وقالتْ بِصَوت جَاهِدة تُحَاوِل إِخْراجه جادًّا ”
عُمْرِي شُوفْتْ حدًّا هُنَا غَيْر الولد اَللَّي قُولتَلْك عليْه ، سَلَام يَا بَاشَا ”
غادرتْ مِن أَمامِه دُون أَدنَى كَلمَة أُخرَى بيْنمَا هُو عاد يَجلِس أَمَام القبْر بِجانب وَالدِه اَلذِي كَانَت دُموعه تَنزِل مِن شِدَّة حُزْنِه وتمزُّق قَلبِه على حبيبَته الرَّاحلة ، وَضْع يُوسُف يده على كَتِف وَالدِه يُواسِيه وَقَال ” هِي عِنْد إِلى أَحسَن مُنِي ومنْك ”
أُومًّأ بِرأْسه بِإيجَاب وَقَال بِحزْن ” زَعْلان على أمانتهَا ، إِللى معرفَتْش أحافض عليْهَا ، جِيتْ مُتَأخر ، ضَيعَت زُمُرد اَللَّي مِشَّ عَارِف أراضيهَا فَيِن ”
تَنهَّد دَلِك العاشق وأغْمض عُيونه يَتَذكَّر سَارِقة نَومِه وَصَديقَة طُفولَته اَلتِي رَحلَت دُون أيْ
أثر ، وَقْف بِهمَّة وَقَال بِثبات ، المرَّة دِي هدُّور عليْهَا بِجدٍّ ، مِشُّ نسيب الحرس بس هُم إِلى يَدُورَا عليْهَا كَانَت تُراقبهم مِن بعيد بِقَلب يُخْفِق ألم وَحُزن ، إِلَّا أَنهَا نَهرَت نَفسُها ، وقالتْ لِنفْسِهَا بِحَزم ” أَنتِي لَعنَة يَا زُمُرد ، كِفاية اَللَّي حصل زَمَان ” ثُمَّ حَدقَت بِيوسف اَلذِي نَضِر إِلى مَكانِها ، فابْتعدتْ على الفوْر دُون اِنتِباه لِلطَّرِيق اَلذِي تَقطعُه ،اِتسعَت حدقتاهَا بَعْد أن شَعرَت بِصَوت مَكابِح السَّيَّارة اَلتِي كَادَت أن تدْهسَهَا لِتَقف أَمامها ولَا يَفصِل بيْنهَا وَبَينهَا شَيْء غَيْر اَلْهَواء ، كَانَت مَصدُومة ، لَكِن صدْمتَهَا اِكْتمَلتْ عِنْدمَا خرج فَارِس مِن السَّيَّارة يَنظُر لَهَا بِضيق
وَغضَب فَهِي كَادَت أن تَتَسبَّب بِحــ,,ـادث يُؤدِّي بِحياتهَا وحياته ، حَدَّق بِهَا بِضيق وأمْسك بِهَا مِن يَدهَا ينْهرهَا بِقوَّة ” أَنْت مَجنُون يَا ولد كُنْت هتْمـ,ـوتنَا ؟ !
”
اِشْتعلتْ عسليتاهَا وقالتْ بِصَوت غليظ كالرِّجال بَعْد أن جَدبَت يَدهَا مِنْه بِقوَّة ” اِحترَم نَفسَك ، وشيك أَيدَك ، أَنْت إِلى سَائِق مَتْل الأعْمى ، مِشّ شَايِف قُدَّامك ”
حَدَّق بِهَا بغيض وَكَاد أن يَلكُمها إِلَّا أنَّ والده صرخ به بِقوَّة ” سِيبه يَا فَارِس ”
أَغمَضت عُيونهَا بِشدَّة بَعْد أن رنَّ الصَّوْتِ فِي أُذنِها ، كُلُّ خَليَّة فِي جسدهَا أَصبَحت تَرتَجِف مِن التَّوَتُّر والْغَضب خَوْف وَقلَق ، فَتحَت عُيونَهَا وحدَّقتْ بِه ، أَنَّه هُو ، رَاسِخ ، اَلأَب اَلذِي تَركهَا مُنْذ أَكثَر مِن أَثنَى عشر سنة يُحدِّق بِهَا وَهِي أَمامِه ، وسؤالهَا اَلوحِيد الذي يدور فِي
عقْلهَا ” لِماذَا لَم تُحبْنِي يَا أَبِي ؟ ! ” اِرْتجَفتْ شَفَتاهَا وقالتْ بِهَمس خَافِت غَيْر مَسمُوع ” رَاسِخ ! ! ” مــ,,ـاتنسوش دعم الرواية بتصويت 🥰🥰مرارة العشــ,,ـق