روايات

بعمر 19 سنه

عروس الـ19 سنة… واللغز الذي أخفته ليلة الزفاف في قصر الشيخ طارق بن مالك وفجأة عندما التقت عيناها بعينيه في تلك اللحظة الأولى شعرت بأن الهواء نفسه اختفى من الغرفة. كانت تتوقع رجلا عجوزا منهكا يتنفس بصعوبة لكن الذي وقف أمامها تلك اللحظة كان مختلفا أو هكذا ظنت. لم تتحرك خطوة. ولا حتى رمشة عين. كانت تنتظر منه كلمة إشارة تفسير لكن صوته لم يخرج مرة أخرى. ظل واقفا يحدق فيها بصمت غريب صمت يحمل شيئا أكبر من الخوف شيئا يشبه الاعتراف المؤجل.

تراجعت خطوة إلى الوراء ويدها ترتجف على صدرها. لم يقترب. ولم يبتعد. كأن وجوده نفسه اختبار. تساءلت بصوت داخلي مرتعش هل هذه بداية النهاية هل هذا هو الرجل الذي باعوها له هل هذه هي اللحظة التي لن تتمكن بعدها من الهرب أبدا لكن المفاجأة كانت أكبر بكثير مما تخيلت. بعد ثوان طويلة رفع الرجل يده الثقيلة وكأنه يريد أن يقول شيئا ثم فجأة توقف. التصق بابه خلفه وانغلق عليه الظلام مرة أخرى تاركا إياها وحدها

وحيدة تماما مع كل الأسئلة التي تنهش روحها. مرت دقائق بدت كعمر كامل ثم دقائق أخرى والليل يزداد ثقلا حتى شعرت بأن الجدران تضيق عليها. وما إن جلست على حافة السرير تحاول تنظيم أنفاسها حتى سمع طرق عنيف على الباب. تسمرت مكانها. فتح الباب بسرعة ودخلت ثلاث خادمات يجرين نحوها وكأن كارثة وقعت. إحداهن قالت وهي تلهث إرجعي ورا دلوقتي حالا! الشيخ الشيخ فقد وعيه! شهقت إيميلي وقامت من مكانها دفعة واحدة. لم تفهم. لم تستوعب.

كيف يفقد وعيه لماذا الآن هل حدث له مكروه هل مات الخادمة الثانية اقتربت منها وقالت بصوت خافت وقعتله جلطة قوية وهو داخل عليك. تجمد الدم في عروقها. هل هذا يعني أن اللحظة التي كانت تخشاها انتهت قبل أن تبدأ هل هذا إنقاذ أم بداية مصيبة جديدة لم يسمحوا لها بالخروج. أغلقوا عليها الباب. وقالت الخادمة الثالثة قبل أن تغلقه إنت هتفضلي هنا لحد ما يقرروا مصيرك. مصيري ولماذا لا يتركونها تراه لماذا شعرت أنهم يخفون

شيئا أكبر من مجرد جلطة مرت الساعات ثقيلة والليل يبلع نفسه والهدوء في القصر يشبه زمنا بلا صوت. ثم دخلت خادمة ترتجف تحمل كلمات مثقلة بالرعب الشيخ في غيبوبة. والمستشفى قالت احتمال ما يصحاش تاني. ضرب قلبها صدرها بقوة. هل أصبحت الآن أرملة أرملة رجل لم تعرفه ولم يمسسها ولم ينبس بكلمة معها أرملة في التاسعة عشرة هل انتهى كل شيء أم بدأ للتو لم يكن لديها وقت لتفكر. بعد يوم واحد فقط عم القصر اضطراب لا يوصف.

المحامون توافدوا الحرس تضاعف والوجوه التي كانت تتجاهلها بالأمس أصبحت تراقبها الآن كأنها تحمل سرا. وفي منتصف الفوضى دخل عليها رجل يحمل ملفا بني اللون وقال ببرود دي وصية الشيخ طارق. وإنت من الورثة. كادت أن تفقد توازنها. وريثة كيف ولماذا وما الذي كتبه عنها رجل لم يعرفها ولم يتحدث معها حتى لم تستطع قراءة الملف. يديها كانت ترتجفان بقوة. لكن الرجل قال جملة واحدة جعلت الأرض تميد تحت قدميها بس فيه شرط يثبت إن الزواج اكتمل.

اختنق الهواء حولها. هي تعلم وتعرف وتبكي داخلها لأنها تعرف أنه لم يلمسها. لم يقترب منها. لم يبدأ شيئا لينتهي. لكن ماذا لو لم يصدقها أحد ماذا لو كانت الحقيقة نفسها سلا’حا ض’دها وبينما هي غا’رقة في ذه’ولها وصلتهما الأخبار التي هزت المغرب كلها أبناء الشيخ خاصة ابنته الكبرى ’اتهموها علنا بأنها استغلت ضع’ف والدهم وأن زواجها خ’دعة للا’ستيلاء على الثروة. صورتها انتشرت. الإعلام ص’ر’خ باسمها. والعالم كله انقس’م بين من يراها ض’حية ومن يراها ق’اتلة باردة.

والصدمة الأكبر حين قالت الخادمة لها وهي تبكي ابن الشيخ زين راجع من لندن مخصوص علشان يواجهك. زين الرجل الذي يقولون إنه الأذكى والأقس’ى والأعمق نظرة من أبيه. زين الذي يستطيع قراءة الحقيقة من عين واحدة والذي لم يخسر قضية واحدة في حياته. زين الذي سيقف أمامها ويحطم كل دفاعاتها ويطالبها بالحقيقة التي لا تريد أن تتذكرها. وحين وصل إلى المغرب لم ينتظر إذنا بل اقتحم القصر بعينيه السوداوين اللامعتين مثل شفرات سيوف. وقال أول جملة بصوت ثابت دون أن يرمش

إيميلي إحنا هنتكلم. جسدها تجمد. لم تستطع التنفس. ولا حتى الابتلاع. كانت أمام رجل يشبه العاصفة ورجل لا يعرف الرحمة ورجل جاء خصيصا ليدمرها. لكنها لم تكن تعرف ولم يتوقع هو أن الحقيقة التي سيبحث عنها ستجعل قلبه هو أول من ينكسر. وأن الليلة التي لم تكتمل ستصبح بداية حكاية أكبر بكثير مما كتب في الوصية وأعمق من الصفقة وأخطر من إرث الشيخ طارق نفسه. وأن السر الحقيقي لم يكشف بعد. وأن كل ما حدث تلك الليلة

لم يكن صدفة. بل بداية فصل سيغير مصيرهما إلى الأبد. عندما وصل زين بن مالك إلى القصر تغير الهواء نفسه. الناس توقفت عن الكلام. الخدم تحركوا وكأنهم يمشون فوق زجاج مكسور. وإيميلي شعرت بقلبها يهبط إلى قدميها. كان يشبه والده في شيء واحد فقط الحضور الذي لا يقاوم. لكن عينيه كانت تختلف. عميقة داكنة تقرأ ما وراء الوجوه كأنها تبحث عن جرح قديم يعرف مكانه جيدا. وقف أمامها دون مقدمة دون تحية دون حتى نظرة رحمة.

قال ببرود إحنا محتاجين نتكلم دلوقتي. ارتجفت شفتيها دون أن تتمكن من السيطرة عليها. كانت تتوقع غضبا صراخا اتهامات لكن صوته الهادئ كان أخطر ألف مرة من أي صراخ. جلس على الكرسي المقابل لها ووضع ملفا سميكا على الطاولة. الملف مكتوب عليه EMILY BEN MALIK CONFIDENTIAL سمعت دقات قلبها بكل وضوح. كأن جسدها كله أصبح قلبا واحدا يرتجف. فتح الملف ببطء وكأنه يستمتع بتقطيع أعصابها. أول سؤال قال وهو يقلب الصفحات بنظرات بطيئة. إيه اللي حصل ليلة زفافك

ابتلعت ريقها بشق الأنفس. نظرت إلى الطاولة ثم الأرض ثم يديها. لم تستطع النظر إليه. ما ما حصلش حاجة. خرجت الجملة مختنقة. رفع رأسه فجأة وعيناه تضربانها كالشرر. ليه لم تجب. كرر بصوت أعمق ليه كانت الإجابة مسمومة ثقيلة مخيفة ولم تكن تعرف كيف تقولها. هو هو ما لمسنيش. قالتها بالكاد وهمست بعدها ولا حتى حاول. ظل ينظر إليها 3 ثوان ثلاث ثوان كانت كافية لتجردها من أنفاسها. ثم قال ببطء أبوي مات قبل ما يلمسك

أومأت بخجل. وعينيها امتلأتا دموعا حاولت أن تمنعها بكل قوتها. لكن زين لم يرمش. وده معناه إنك ما استحققتيش الإرث. شهقت دون قصد. لم تكن تهتم بالثروة لم تكن مهتمة بشيء سوى الهروب من هذه الحياة التي لم تخترها. أنا أنا مش عايزة حاجة. قالتها وهي ترتعد. أنا بس عايزة أرجع بيتي أعيش حياتي وانسى اللي حصل. أغلق الملف بقوة جعلتها تقفز من مكانها. نسي قالها ساخرا بصوت منخفض لكنه مرعب. إنت فاكرة إن الموضوع ده ممكن يتنسى

اقترب منها خطوة بخطوة حتى أصبحت المسافة بينهما لا تتجاوز أنفاسا. إنت اسم عيلتنا. كنت مرات الشيخ طارق حتى لو ليلة واحدة. وفيه إرث وثروة وصراع وإسم اتشوه بسببك. تراجعت خطوة للخلف. بس أنا كنت ضحية! صرخت فجأة لأول مرة بصوت يخرج من أعماقها. تجمد زين. لم يتوقع هذا الانفجار منها. ضحية قالها ببطء. نعم! صرخت ثانية والدموع تتساقط من عينيها رغما عنها. أنا اتبعت. اتسجنت. اتهددت. اتحطيت في قصر عمري ما طلبته. وفي ليلة كنت خايفة فيها أم’وت

وقع قدامي وتوقف قلبه! وضعت يدها على ص’درها وهي تبكي كنت لوحدي ولوحدي شلت وزر حاجة ما عملتها’ش. لم يقل شيئا. ظل ينظر إليها ينظر فعلا وللمرة الأولى رأى شيئا لم يكن مستعدا لرؤيته. رأى الخوف الحقيقي. الجرح الحقيقي. الضعف الذي لا يمكن تمثيله. لكن زين لم يكن رجلا يستسلم بسهولة. عاد إلى نبرة الحزم وقال طيب عندي سؤال مهم. نظر في عينيها مباشرة نظرة تشبه السيف والسؤال يشبه الحكم هل كذبتي لما قلتي للناس إن الليلة تمت

شهقت ورفعت يدها إلى فمها. أنا أنا قلت كده علشان اقترب أكثر. أكثر. علشان إيه علشان تاخدي الفلوس ولا علشان تهربي ولا علشان تخافي من العار هزت رأسها بقوة وهي تبكي. لأ لأ مش كده. أنا قلت كده علشان علشان محدش يتهمني إني كنت السبب في م’وت’ه. توقف. تجمد. ارتع’شت يده التي كانت على الطاولة. كانت هذه الجملة مثل باب يفتح في قلبه رغما عنه. هي لم تكن تفكر في المال. ولا القوة. ولا الإرث.

كانت فقط تحاول النجاة من التهمة. لكن رغم ذلك رغم الشرخ الأول الذي ظهر في قلبه لم يتراجع. رفع حاجبه وسأل وإنتي مستعدة تثبتي إن كلامك غلط رفعت عينيها فجأة مذعورة. فاهمة قصده. فاهمة التهديد. فاهمة إنه عايزها تقول الحقيقة علنا. الحقيقة التي ستنهي أي حق لها وتجعل العالم ينهش لحمها. مستعدة كررها وهو يراقب كل ارتجافة في جسدها. لم تجب. فجأة اقترب منها خطوة مفاجئة جعلت كل شعرة في جسدها تقف. ووضع يده على الطاولة بجانبها

وقال بصوت منخفض جدا لأن الليلة اللي أبوي مات فيها مش هي الحقيقة الوحيدة اللي أنا جاي علشانها. اتسعت عيناها. كان عقله يحارب قلبه وكلاهما يرفض الخسارة. ثم قال الجملة التي جعلت الدم يهرب من وجهها كله أبوي مش هو الشخص الوحيد اللي مات في الليلة دي. تراجعت تتنفس بصعوبة. فيه حد تاني مات. وإنتي كنتي آخر شخص شافه. فتحت فمها لكن لم يخرج صوت. كان زين ينظر إليها كصياد وعيناه تقولان بوضوح إيميلي إنتي مخبية حاجة

وأنا هطلعها مهما حصل. لم تستطع إيميلي الوقوف على قدميها. شعرت أن الهواء صار أثقل من صدرها وأن الكلمات التي قالها زين ليست مجرد اتهام بل مفتاح لكابوس حاولت دفنه سبع سنين كاملة. تراجعت خطوة صغيرة وانزلقت أنفاسها بين شفتيها المرتجفتين. مين مين اللي مات خرج صوتها وكأنه آت من حفرة بعيدة داخل صدرها. زين لم يجب فورا. كان يستمتع رغما عنه برؤية ارتجافها ليس لأنه يريد إيذاءها بل لأنه يفهم الآن هناك شيء شيء خطير تخاف أن يخرج للنور.

ومع ذلك ملامحه لم تتغير. اقترب خطوة أخرى حتى أصبحت المسافة بينهما خيطا من نار. الراجل اللي ما.ت مش أبوي.

السابقانت في الصفحة 1 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى