الفصل الأول :-
في احدى الأحياء الشعبية التي يقطن بها أصحاب الطبقة المتوسطة في المجتمع، تحديدًا في احدى العمارات العالية وفي “شقة” تخص أسرة “عماد الحداد “، كان ” مروان الطحان ” يشغل نص الأريكة التي جلس عليها متكئًا بمنكبه العريض للخلف، يحدق في وجوه كلاً من ” عماد” وزوجته اللذان كان التساؤل والترقب ينبض من نظراتهما، بينما هو ملامحه الرجولية الخشنة منحوتة في هدوء غريب، وعيناه السوداء تستوطنها نظرة ساكنة مغلفة بالهدوء التام.. هدوء يشبه الليل المُظلــ,,ـــــممجهول الباطن، فقطع الصمت صوته الرجولي الأجش حين هتف:
– أستاذ عماد، من غير لف ودوران كتير، أنا جاي عشان أطلب إيد الأنسة رهف بنت حضرتك.
إلتقطت سوداوتاه تلك الدهشة المتوقعة التي عَلت وجيهما في اللحظة التالية، ثم قول ” عماد ” التالي الذي خرج متخبطًا بالإستنكار والمفاجأة للوهله الأولى:
-تطلب إيد رهف بنتي أنا؟
اومأ ” مروان ” مؤكدًا، ولم يتخل عن ذلك الهدوء الجامد في نبرته وهو يؤكد عليه مكررًا كلامه:
-أيوه رهف، وطبعًا حضرتك عارف إن والدي ووالدتي متوــ,,ـــــفيين وإني وحيد.
وعندما لم يقاطعه عماد بأي شيء تاركًا له المساحة الكافية ليفرغ كل ما بجبعته، أكمل:
-وعندي شقتي في **** لان زي ما حضرتك عارف أنا عزلت من المنطقة هنا من زمان، وبشتغل في المعرض بتاعي.
هز “عماد” رأسه وكأنه يقلب الكلام برأسه بحثًا عن رد مناسب، ثم تابع متسائلًا في شيء من الشك:
-أنت عارف اللي حصل مع رهف؟
وزادت المفاجأة تفجرًا حينما اومأ “مروان” مؤكدًا برأسه:
-أيوه عارف، ومايهمنيش، ولو حضرتك موافق أنا آآآ….
قاطعه بنبرة قاطعة معطيًا إياه ما سعى له منذ وقت طويل :
-أنا موافق.
لمعت الكلمة بعقل ” مروان ” للحظات، كان متوقع تلك الموافقة السريعة، ولكن.. هناك جزء من قلبه “مُظلــ,,ـم” يتناسى وجوده.. والذي اقتحمه النور بغتةً حينما سمع تلك الموافقة الأكيدة ليُشرق كل إنش داخله بتمهل..!
ولكنه نجح في تحجيم ذاك النور بسطوة من عقله الذي سارع بالتدخل مذكرًا إياه بكل شيء..!
ثم إنتشله “عماد” من صمته، قائلًا بصوت جامد :
-وهنكتب الكتاب في أقرب وقت يناسبك ويناسبنا.
لم تكن الصدمة من نصيب مروان وحده، بل كانت الجرعة الأكبر من نصيب “والدة رهف” التي شقت الصدمة قلبها لنصفين وملوحة التردد والريبة المكتومة تلسعه بضراوة..
فيما استجمع مروان شتات حروفه وأردف متسائلًا يلجأ لحظه:
-الأسبوع الجاي؟
دقيقة صمت واحدة استغرقها عماد، ثم اومأ برأسه موافقًا بنفس النبرة الأجشة الجامدة:
-معنديش مشكلة، ومش عايزين فرح، هتكتبوا الكتاب وتاخدها على شقتك بس.
عند تلك النقطة كان القرار محسوم في عقل مروان الذي رد في هدوء به شيء من الحزم:
-بعد إذن حضرتك أنا حابب نعمل فرح جدًا، وفرح كبير كمان، كلام الناس أخر حاجة تهمني، بس مش هيكون هنا، هيكون في قاعة جمب المنطقة اللي أحنا هنسكن فيها إن شاء الله.
توهج الأمل بعيني “ثناء” والدتها التي شعرت أن مروان لا ينوي أخذ ابنتها كسلعة باعوها هم دون مفاوضات حتى..!
ودام الصمت لدقائق والأفكار تتماوج بعقل عماد، ولمَ لا؟! حفل زفاف كبير وزوج محترم يعلمه معظم أهل الحارة، ثم تُغلق تلك الصفحة بشكل نهائي وتُخرس الألسنة…. او هكذا كان يظن!
ثم تابع أخيرًا قاطعًا ذلك الصمت:
-معنديش مشكلة.
فرسم مروان ابتسامة خافتة شبه رسمية وهو يتمتم:
-نقرا الفاتحة؟
أومأ عماد مؤكدًا برأسه يبادله نفس الابتسامة وهو يرفع يداه ليبدأ قراءة الفاتحة، ولكن ابتسامته هو لم تكن رسمية فقط… بل كانت محاولة فاشلة لرسم فرحة مقتولة في مهدها..!
تماثلهم فيما يفعلون ” ثناء ” في طاعة وصمت.
بينما في الداخل أمام غرفة رهف، كانت تقف “ابنة خالتها” تتابع بتخفي ما يحدث في فضول، حين خرجت ” رهف ” من غرفتها في هدوء تام حتى وقفت خلف “هدير” ابنة خالتها وراحت تسألها في ترقب:
-عرفتي مين الضيوف دول يا هدير ؟؟
تفاجأت هدير من خروجها في تلك اللحظة تحديدًا، فابتلعت ريقها وهي تومئ برأسها:
-ايوه عرفت.
فهزت رهف رأسها بمعنى ” ثم ؟ ” وحين استمر صمت هدير التي كانت تزم شفتاها وكأنها تجبرها على الصمت، زجرتها رهف في نفاذ صبر:
-ما تنطقي يابنتي هو انا هشد الكلام من بوقك ؟!
قررت هدير تفجير القنبلة مرة واحدة، وأجابتها:
-دا عريس وبيقروا فاتحتك برا دلوقتي. للحظات لم تستوعب “رهف” ما سمعته، عريس.. الآن في تلك الفترة الحـ,ـرجة جدًا من حياتها، بل والأهم وافق أبيها دون التفكير للحظة بأخذ رأيها ؟!..
صدح صوت داخلها متهـ,ـكمًا بمرارة، وماذا كانت تتوقع بعدما حدث ؟!
هي أصبحت مجرد عبء ثقيل يودا التخلص منه في أقرب فرصة، بعد أن كانت حمل وديع يطوف حياتهما في سلام وهدوء..!
ولم يرتخي ذاك السوط من الضمير الذي أصر على جلد ذاتها وصوته يرتفع داخلها… يخبرها أنها هي مَن فعلت، هي مَن لطخت روحها وروحهم بسواد لن يزول سوى بالنــ,,ـــــار..!
انتبهت لهدير التي أمسكت يدها تدلكها في حنو وهي تسألها بصوت حمل في طياته قلق:
-رهف، مالك؟ انتي تمام؟
هزت رهف رأسها ولم تنطق بحرف، فأثارت الشفقة بقلب “هدير” التي حاولت التخفيف عنها فقالت:
-بس العريس حد أحنا عارفينه من زمان، وشكله واحد محترم وابن ناس، يمكن دا عوضك عن كل وحش يا رهف.
لم تنتبه رهف سوى لسؤال رن بعقلها ورنته شغلت عقلها عن أي تفكير آخر:
-هو مين يا هدير ؟ ونعرفه منين؟؟
فهزت هدير رأسها نافية في أسف:
-لا والله انا مش فاكرة أسمه، بس هو كان ساكن هنا في المنطقة زمان.
دون شعور تقدمت “رهف” في خطوات متهورة للأمام حتى تستطع رؤية هذا المجهول، في نفس اللحظة التي رفع فيها “مروان” رأسه بتلقائية لتظهر هي أمامه بجسدها الذي نحف مؤخرًا خلف الستار الذي لم يخفِ وجهها عنه، فتقابلت عينيها البُنية المستفسرة بعينيه السوداء المُعتمة إلا من تلك النزعة التملكية المتقدة فيها، وكأن عينيه تصك ملكيتها عليها بغتةً في لحظة وصال لم تطل كثيرًا حيث قطعتها رهف حين عادت خطوتين بسرعة للخلف، تضع يدها تلقائيًا على قلبها الذي كان يرتجف في خوف لحظي، خوف منه، ومن تواجده خصيصًا في هذا الوقت، خوف من تلك النظرة التي رأت فيها شيء أعمق من كونه مجرد
عريس يتقدم لعروس مناسبة، شيء كالبئر مجهول القاع ولم تسعفها المفاجأة للغوص في ذاك البئر..!
فسألتها هدير في نبرة مرتابة متفحصة ملامحها البيضاء مخطوفة الروح:
-مالك يا رهف ؟؟ عرفتيه؟
فهزت رهف رأسها نافية، ومن ثم أجابت كاذبة:
-لأ، معرفهوش مش فاكراه.
ثم عادت بسرعة لغرفتها مغلقة الباب خلفها مسببة دهشة اخرى لهدير التي ازداد تعجبها من حالتها التي ازدادت توترًا بعد أن رأت هذا العريس..
فيما بدأت رهف تتنفس بصوت عالٍ وهي تنظر للاشيء، وذلك السؤال يطوف عقلها بحثًا عن اجابة ضائعة… ترى ما الذي جاء به ؟! ولمَ هي تحديدًا ؟..
تراه أتى ليكمل ما بدأه صديقه؟!!!…
وحين راودها ذلك الخاطر شعرت وكأن الرعب نفخ نفخته في اذنها مبعثرًا كل خلية فيها بهلع..! بعد فترة ليست كبيرة، وقف مروان مستئذنًا للمغادرة يصافح عماد راسمًا نفس الابتسامة المُجاملة:
-بعد اذن حضرتك هستأذن.
فأومأ عماد برأسه موافقًا في هدوء:
-اذنك معاك يابني اتفضل.
وبالفعل غادر مروان، وما إن خرج من باب الشقة حتى سقط عنه قناع الرسمية، وبرزت في عقله فجأة كالفقاعة تلك اللحظة التي التقى فيها بُنيتاها الذهبيتان، ثم هروبها السريع من عيناه كغزال يهرب من صياده!
بينما في الداخل في نفس الوقت، استطاعت ثناء أخيرًا تلفظ ما يجول عقلها وقلبها الذي يئن في عاطفة أمومية بحتة:
-أنا حاسه إننا كدة بنرميهاله يا عماد.
فرمقها عماد بنظرة حادة ساخطة أسكتتها للحظة، ولكن لم تخبت عاطفتها فعاودت القول:
-دي بنتنا مهما حصل، مينفعش نرميها لأول واحد يجي كدة.
حينها هب عماد واقفًا يخبرها في نبرة جافة قاسية في ظاهرها ومتألمة في باطنها:
-بنتك خسرت وخسرتنا حق التمنع وإننا نفكر ونسأل ونتشرط.
ثم لوى شفتاه في ابتسامة باردة لا تمت للمرح بصلة:
-بس عمومًا متقلقيش، الراجل ابن حلال وأنا عارفه من أيام ما كان ساكن هنا.
فعقدت ثناء ما بين حاجبيها تنوي الاعتراض على النقطة الاخرى التي تشغل فكرها:
-وكمان هو آآ……
ولكن قاطعها عماد في نبرة حازمة حادة بعض الشيء:
-عارف هتقولي إيه، بس احمدي ربنا إنه هيتجوز بنتك برغم كل اللي حصل، مــ,,ـاتستنيش يجي حد أحسن منه لأن بنتك خلاص بقت معيوبة ومستحيل هيجيلها غيره الا واحد معيوب، دا لو جه!
ثم غادر متوجهًا نحو غرفته منهيًا هذا الحديث الثقيل جدًا والمُهلك لقلبه الذي شاب مؤخرًا من كثرة الهموم.
**** بعد فترة…. وصل مروان العمارة التي يقطن بها، متوجهًا نحو شقته، يُخرج مفاتيحه من جيب بنطاله، في نفس اللحظة التي كانت فيها الأخرى ترمي القمامة في السلة المتواجدة أمام شقتها والتي تقابل شقته في نفس الدور..
وما إن رأته حتى نادته مسرعة:
-مروان.
أغمض مروان عينيه عن اخر شخص يتمنى رؤيته في هذا الوقت، وبدأ هذا الغضــ,,ـب داخه يعاود الغليان مهددًا بالإنفجار في وجهها كالبركان، كاد يدخل شقته متجاهلًا رؤيتها، ولكنها اوقفته متابعة في نبرة مُلحة:
-مروان استنى لحظة لو سمحت.
فرفع إصبعه ثم زمجر في حدة محذرًا :
-إياكي توقفيني مرة تانية ولا تفكري تتكلمي معايا مهما حصل، مش عايز أشوف وشك ولا أسمعك ابدًا.
إنتفضت “غادة” في قلق وعادت خطوتان للخلف، تخشى لُقى مارد الغضــ,,ـب الذي صار يتلبسه مؤخرًا في وجودها..!
وبالفعل دخل شقته صافعًا الباب خلفه، كارهًا اللحظات التي يراها فيها، كارهًا تواجدها قربه.
رمى مفاتيحه على الأريكة ثم رمى بثقل جسده فوقها متنهدًا في إنهاك شديد…
والغضــ,,ـب لازال يحتل بين ضلوعه، غضــ,,ـب تجاه كل شيء… تجاه تلك المرأة التي حبست النسخة القديمة الطيبة اللطيفة منه في قوقعة سوداء لن تخرج منها، وخلقت من رحم هذا السواد نسخة اخرى لا ترى ولا تفكر سوى بنفسها… نفسها فقط!
نسخة جعلت كل ما يشغل تفكيره هذه الفترة أن يمتلك ما يود امتلاكه، أن يزأر في وجه الدنيا منتشلًا كل ما حُرم منه، مستعيدًا كرامته وروحه التي دُهست تحت أقدام المواقف والأشخاص!..
****