بعد مرور يومين… عَلت الطرقات على باب منزل “عماد” الذي أشار لزوجته بالإستعداد فهم كانوا على مشارف استقبال “مروان” الذي طلب من عماد أن يأتي ليعرض على رهف بعض الأشكال لغرف النوم، دلف مروان راسمًا ابتسامة تلقائية مُجاملة وهي يُلقي التحية على حماه مصافحًا إياه:
-ازيك يا عمي
فقابله عماد بابتسامة خفيفة مُشابهه، وأجاب:
-الحمدلله بخير يا مروان، أتفضل.
توجها للداخل سويًا، فدلفت بعدها بدقائق “ثناء” تلقي التحية على مروان، وبعد جلوس مروان مع عماد لوقت ليس بطويل، دخلت “رهف” على استحياء دون أن تجد القدرة على رفع عينيها والنظر لمروان او حتى والدها، وجلست جوار والدها والذي هو جوار مروان نوعًا ما..
بدأ مروان يُطلعها على نماذج غرف النوم، بينما هي أخذت تتفحصهم دون اهتمام حقيقي، ارضاءًا لوالدها الجالس جوارهم يتابع ما يفعلاه في صمت، حتى اختارت بالفعل مع مروان النموذج المناسب لذوقه وذوقها..
ثم عَلت الطرقات على الباب مرة أخرى، ففتحت “ثناء” الباب ثم صدح صوت ثناء وهي تقول مرحبة:
-اتفضل يابو خالد اتفضل.
ثم صوت “فهمي” شقيقه، يسأل في نبرة هادئة مستفسرة:
-تسلمي يا ام رهف، هو عماد هنا ؟
فأومأت ثناء مؤكدة برأسها:
-ايوه هو جوه.
-طب معلش ناديه عشان عاوزه ضروري. حينها اضطر “عماد” أن ينهض ليغادر الصالون ثم يتوجه حيث شقيقه..
وبمجرد خروجه من الصالون، طرق التوتر أبواب عقل “رهف” مرسلًا لها رجفة مرتعدة هزت كيانها وهي تشعر وكأن الغرفة فجأة ضاقت بهما، وحضوره القوي لم يترك لها المساحة الكافية بل فرض سيطرته حتى شعرت أن الهواء الذي تسحبه لرئتيها أصبح محملًا بعبق رائحته، وزاد ارتباكها حين صُوبت أنظاره نحوها في تساؤل خفي وكأنه يرى انتفاضاتها الداخلية..
ثم اخترق هالة التوتر التي أحاطت بها صوت رنين هاتفها الذي صدح معلنًا وصول اتصال من صديقتها، ففصلت هي الاتصال في نفس اللحظة، فلم يمنع مروان السؤال الذي إنطلق مغادرًا أسر شفتاه المزمومة:
-مين؟
خرج صوت رهف ناعم مبحوح بعد صمت طويل، ترد:
-حد مش مهم.
فارتفع حاجب مروان تلقائيًا وهو ينظر للهاتف، فلم تفكر هي ايضًا وهي ترفع يدها له بالهاتف أمام وجهه حتى يرى، متمتمة في صوت أجش كاد يكون حاد:
-اتفضل شوف بنفسك.
هز مروان رأسه نافيًا ببساطة وكأنه لم يتجهم وجهه منذ ثوانٍ وهو يسأل عن هوية المتصل:
-لا براحتك انتي حره.
إلتوت شفتا رهف في ابتسامة ساخرة مكتومة صامتة التعبير، أين هي الحرية في كل ما يحدث او سيحدث ؟!..
هي ليست حرة بأي شيء او أقل شيء حتى، هي مُكبلة بأصفاد ذهبية، تسير في الخطى التي يحددونها لها.
وعلى ذكر ما حُدد لها، رفعت رأسها ولم تستطع كبت السؤال الذي إنطلق من بين شفتاها كالسهم قاصدًا اجابة متخفية داخل مروان:
-أنت بتعمل كده لية ؟
كان قد وصل مقصدها خط إدراك وفهم مروان الذي أصر على ملاعبتها فسألها في نبرة حملت المكر:
-بعمل إيه ؟
حينها لم تستطع الرد وهي تطالعه بنظرة حملت في طياتها السخط والحسرة، الاجابة حُسرت في جوفها في مرارة، وهو كان يعلم جيدًا أنها لن تستطيع البوح بما حدث وفعلته ببساطة !!..
فأردفت من بين أسنانها :
-أنت عارف كويس أنا قصدي إيه.
نظرَ لها بملامح مُبهمة، لا ينضحَ بها ما يفكر ونبرته كانت هادئة غامضة ومُخيفة لها، تهمس ولا تفشي سره الداخلي:
-لما تبقي في بيتي هتعرفي بعمل كده لية.
نشب الخوف أظافره في قلبها خادشًا إياه بضراوة، ولكنها حاولت جاهدة ألا تُظهر ذلك، وكادت تقول:
-يعني آآ….
ولكن قاطعها رنين هاتفه الذي عَلى فجأة، ليُخرجه مروان من جيب الچاكيت وهو يردد ناهضًا متجهًا نحو الشرفة المغلقة أمامهم:
-ثواني.
لم تنطق رهف بحرف وهي تقــ,,ـــــبض على ملابسها بقوة في محاولة لتحجيم تيار الغـ,ـضب الذي كان يتضخم داخلها..
مرت دقائق قليلة جدًا ولم تستطع رهف السيطرة على فضولها فنهضت على أطراف أصــ,,ـابعها تقف أمام الشرفة تسترق السمع في محاولة لمعرفة الشخص الذي يتحدث له مروان بهذا الغموض!
ثم تجمدت مكانها حين أتتها الاجابة كالصـ,ـاعقة التي رنت بأذنيها لتصمها عن الدنيا وما فيها، حيث مروان يستطرد في هدوء وحزم:
– الجوازة هتتم وكل حاجة هتحصل زي منا عايز بالظبط.
وصمت للحظات، على ما يبدو يستمع للطرف الآخر..
ثم صدح صوته الأجش يخبره:
-لأ متقلقش، أنا مركز ومسيطر على كل حاجة.
شعرت رهف أن كل ذرة بها ترتخي في رعب وأقدامها كادت تصبح هلامًا لا تقوى على السيطرة عليها ثابتة..
وفي اللحظة التالية عاد والدها للغرفة، فكانت تقاوم كل عضلة مرتخية فيها لتتحرك مغادرة تلك الغرفة قبل أن تقع منهارة أمامهم جميعًا، بعد أن استأذنت والدها بصوت خرج بصعوبة.! **** بعد مرور أربعة أيام… تحديدًا يوم حفل الزفاف..
وقفت “رهف” أمام المرآة تنظر لفستان زفافها الأبيض البسيط الذي لم تختاره كأي عروس وإنما اختاره لها مروان بدلًا عنها، لأنها أصلًا لم يسمح لها والدها بالخروج من المنزل ابدًا لأي سبب وطلب من مروان اختياره بدلًا عنها بعد أن أخبره بمقاسها، وكأنه يخبرها ببساطة أن الثقة بينهما إنهار قوامها تمامًا ولن تعود..!
لا شيء يحدث كما أرادت، فهي لم تكن لتتمنى أن يأتي هذا اليوم على هذه الشاكلة وبهذه الظروف، لم تود أن تكون عروس ماريونت تتحرك حسبما يريدونها أن تتحرك، ولكن… هي مَن فعلت هذا بنفسها…
اومأت برأسها مؤكدة وهي تنظر لنفسها في المرآة وكأنها تحذرها؛
لا يجب أن تلوم أي شخص سوى نفسها، نفسها الضعيفة فقط!
نفسها التي كانت تظن أنها تسير على أرض حافلة بالورود في طريق سعادتها، ولكن اكتشفت أنها لم تكن سوى أرض نهايتها حافة قاتلة، وهي مَن زينتها بورود لم يكن لها وجود سوى بعقلها الباطن..! مسحت دموعها بطرف إصبعها مغمضة عينيها تتنـ,ـهد بصوت مسموع، ستتحمل.. مهما كانت عاقبة ما فعلت ستتحملها، ستتحملها وستبتلع شوكة الخوف المؤلمة في حلقها..
طُرق الباب ثم فُتح ليدلف والدها في هدوء تام، فنظرت هي أرضًا تلقائيًا، لا تقوى على رفع عينيها في عينـا والدها فتطعــ,,ـــــنها نظرة الخذلان فيهما من جديد..!
وقف ” عماد ” أمامها ثم رفع رأسها لأعلى متمتمًا بنبرة قوية رغم الحشرجة الخفيفة التي لم يستطع قتـ,ـلها بها :
-أرفعي راسك، النهارده لازم ترفعي راسك واوعي تنزليها ولا تسمحي لحد إنه ينزلها في الأرض، ومش عايز الابتسامة تفارق وشك طول الفرح.
رفعت رأسها بالفعل تنظر له بعينين دامعتين مذبوحتين تنزفان دمعًا دون أن تجد القدرة على إيقافهما، فاستطرد عماد بصوت أجش:
-أنتي غلطتي لما عملتي حاجة من ورايا، وغلطك كبير، لكن خلاص، يمكن دي فرصة تانية من ربنا ليكي.
ثم رفع ذراعاه يحيط كتفاها ضاغطًا عليهما برفق يوصيها في نبرة حازمة:
-حافظي على حياتك الجايه، واوعي تسمحي للشيطان إنه يخربها عليكي، أي حاجة هتحصل بعد كده في حياتك فـ دا يخصك انتي خلاص، مبقاش هيجي في وشي أنا !
اومأت رهف برأسها مؤكدة في طاعة، ثم انحنت ممسكة بكف يده تقبل ظاهره عدة قبـ,ـلات في لهفة ثم هتفت تتمنى نيل رضاه:
-طب أنت مسامحني يا بابا ؟ سامحني بالله عليك.
لم يسحب عماد يده من بين يديها كما كان يفعل في الأيام السابقة غير سامحًا لها حتى بمحاولة نيل غفرانه، ولكنه أيضًا لم ينطق ما يُريح قلبها الملتاع، بل كان صامتًا تمامًا…
صحيح أنه بهذا الزواج، وبليلة الزفاف التي أصر مروان على إقامتها استعاد كرامته، ولكن تبقى تلك الغصة داخله تفسد ما يتشكل من سعادة او رضا !!..
تنهد بقوة ثم أمسك ذراعها واضعًا إياه على ذراعه ثم تحرك للخارج معها، ونزل بها لأسفل العمارة حيث ينتظر مروان والزفة التي ستأخذهم للقاعة في المنطقة الأخرى..
وما إن رآها مروان، حتى إرتجف قلبه في انتشاء لحظي غريب، انتشاء غذاه التملك الذي نُفث في دمائه وهو يرى اقتراب تحقيق ما يسعى له.. اقترب منها ببطء وعيناه مُثبتة عليها، حتى أصبح أمامها فطبع قبلة عميقة على جبينها في رقة والعيون تراقبهم، وقد تعمد فعلها أمام الجميع ليرد لها هيبتها وكرامتها التي كانت علكة على لسان الناس في الفترة الأخيرة. **** بعد فترة ليست بكبيرة…. في حفل الزفاف..