روايات

عبث الاول

طيلة حفل الزفاف وبالفعل لم تفارق الابتسامة وجه رهف امتثالاً لطلب والدها، ولكن قلبها… بل كيانها كله كان في حالة غريبة وكأنها في خضم عاصفة مشتتة المشاعر، يغلفها الجـ,ـمود والمحاولة المستمرة في الطاعة ودفع الثمن، بينما في داخلها منحورة نحرًا بالخوف، من كل شيء… من مروان شخصيًا، من القادم، من فكرة أنه ربما يُكمل لعبة اخرى ستُدمي حياتها، ولكنها بكل أسف لم يعد لها حق في الرفض..!

بينما مروان كان طيلة الوقت يحيطها بذراعه العضلي القوي، يضمها نحوه… وكأنه يعلنها لنفسه وللدنيا… أنه نجح.. نجح في انتشال ما هو له! بغض النظر عن الأسباب والظروف، وحتى وإن كان هذا النجاح ليس إلا قمة القهر والفشل بالنسبة لـ رهف !! …. وبعد انتهاء حفل الزفاف….

في منزل مروان الذي أصبح عش الزوجية لكلاهما، منذ أن دلفا معًا للمنزل ولم يتحدث أيًا منهما سوى بهمهمــ,,ـات مختصرة بسيطة إن لزم الأمر..
وبعد أن بدل كلاهما ملابسهما؛ كانت رهف تتحرك في توتر واضح هنا وهناك، تلملم فستانها واشياءها ثم صارت تعبث بأي شيء، وكأنها لا تود ترك ولو دقيقة واحدة لتكون فرصة لمروان لكــ,,ـــــسر حاجز الصمت بينهما، بينما مروان جالس يراقبها في صمت تام، حتى نفذ صبره فنهض مسرعًا ليمسك ذراعها بحركة مباغتة حين كادت تتعثر بسبب حركتها المتوترة السريعة…
فضغط على ذراعها مرددًا بنبرة حازمة خرجت حادة مُخيفة لرهف:
-اهدي!

انكمشت في وقفتها أمامه في استكانة تامة، فرفع هو ذقنها نحوه ناظرًا لعينها المهتزة تحملق في سوداوتيه الباردتين بجمود في قلق واضح، خاصةً حين تابع في خشونة حادة جعلت قلبها ينتفض مترقبًا :
-أسمعيني كويس اوي عشان اللي هقوله دا مش هكرره تاني وعشان كل حاجة تبقى على نور….. الفصل الثاني :-

لم تنطق رهف وإنما كانت تحدق بعينين مهتزتان في قناع زائف من الثبات، في عيناه التي بدت لها وحشية وهو يرمقها بنظرة حادة مُحذرة، فابتلعت ريقها بتوتر والخوف كالزلــ,,ـزال يهاجم دواخلها حتى فقد قلبها القدرة على الاستقرار والهدوء، ثم حاولت بصعوبة أن تُجلي صوتها الذي كان وكأنه يأبى الخروج:
-سامعة.
حينها عاد مروان خطوة للخلف، وكأنه يعلن هدنة في الحرب الصامتة التي دارت بين عيناهما، قائلًا في خشونة:
-اول حاجة لازم تعرفي إني متجوزك عشان أنا عايز أتجوز وأستقر، مش عشان أي أسباب تانية في دماغك.

ثم رفع اصبعان من أصــ,,ـابعه يشير لتلك الاهتزازة المستفزة في عينيها متابعًا:
-يعني الخوف اللي في عينيكي دا ملهوش داعي.
فحاولت رهف أن تهتف مناقضة ما تبوح به عينيها:
-أنا مش خايفة على فكرة.
ثم هزت كتفاها وأكملت وهي تتحاشى النظر لعيناه المترقبة:
-بس الطبيعي إني أكون متوترة زي أي واحدة من تجربة جديدة وحياة جديدة بالنسبالي.
-فعلًا ؟
تمتم بها مروان متهكمًا كداخل رهف والذي ناصر مروان فسخر منها ومن حروفها التي كانت مُغطاه بالثبات والثقة بينما وجهتها الأخرى مُصداه بالخوف الذي أصــ,,ـابها منذ ظهر مروان في منزلهم لأول مرة..

انتبهت لمروان الذي تنحنح وهو يخبرها بنبرة رجولية هادئة ثابتة:
-أنا عايز ابدأ معاكي حياة جديدة هادية يا رهف زي أي زوجين طبيعين.
صمت برهه ثم اكمل معترفًا وهو يهز رأسه:
-أنا عارف إننا جوازنا جه في ظروف مش حلوه خالص بالنسبالك، وإنك كنتي مضطرة توافقي عليا حتى لو في اعتراض من جواكي ناحيتي.
ثم حان كلامه قليلًا نحو الضفة التي انغرست فيها رهف مكتومة الأنفاس ولم تخرج منها حتى تلك اللحظة، فقال:
-لكن أحنا خلاص اتجوزنا، عايزك تنسي كل اللي فات، وهنبدأ صفحة جديدة، وكأن النهارده أول يوم هنعيشه.

-بس أنت أصلًا آآ……
كادت رهف تتمتم معترضة بالشيء الذي سيبهت مؤكدًا على بياض الصفحة الجديدة التي سيحاول كلاهما فتحها…
ولكن مروان قاطعها دون أن يجعلها تكمل:
-عارف هتقولي إيه، بس اعتبريه محصلش، عشان انا وانتي نكون مرتاحين.
لم ترضى كل الرضا بما قاله، ولكن شيء خفي انبعث من كلامه محررًا نفسها المُقيدة بسلسال الخوف قليلًا..
فسألها مروان مؤكدًا وكأنه يود التأكيد على الميثاق الذي خطه منذ دقائق فقط بينهما:
-هتقدري تعملي دا يا رهف ؟

كان يقصد هل ستستطع نسيان كل ما مضى، وطريقة زواجهم، وتبدأ معه صفحة جديدة، ولكنها اعتقدت أنه يقصد قدرتها على نسيان النقطة الاخيرة التي قاطعها فيها والتي تؤرقها، فهمست تهز رأسها في خفوت:
-هحاول.
لم تؤكد… لم توثق الرابط الذي يحاول خلقه بينهما، مازالت تُقدم قدم نحوه وتؤخر الاخرى!
هكذا فكر قبل أن ينفث الشيطان النــ,,ـــــار على بارود أفكاره؛ هامسًا له أن ترددها هذا ليس له إلا سبب واحد..!
فلم يشعر مروان بنفسه سوى وهو يقــ,,ـــــبض على ذراعها في شيء من العنــ,,ـف يسألها بهسيس خافت خطــ,,ـير:
-لسه بتحبيه ؟

بوغتت حرفيًا من سؤاله وحركته المباغتة، لم تتوقع أن يطرحه اليوم… بل الان تحديدًا !!
يبدو أنه يحاول طي صفحة الماضي بكل لطخاتها…
مرت في عقلها لمحة سريعة من الماضي كانت نواة الكره التي تفجرت بين حروفها وهي تجيب مروان الذي كان متهافت لتلك الاجابة:
-أنا دلوقتي مابكرهش في حياتي قده، وأكيد أنت متخيل كويس حاجة زي دي.
بدأت أصــ,,ـابعه تنساب من على ذراعها ببطء، واجابتها كانت المياه التي اطفأت ذلك الحـ,ـريق المشتعل داخله، فزفر بعدها مبررًا سؤاله المندفع في غضــ,,ـب:

-كان لازم كل حاجة تبقى على نور من أولها، عشان من النهارده مفيش أي حاجة هتستخبى بينا مهما حصل.
قال أخر كلمــ,,ـاته بشيء من التحذير الذي استبطنته رهف المستعمة في صمت وتركيز لكل حرف..
فأومأت برأسها مؤكدة، رافعة كافة رايات الاستسلام لكل ما يُرضيه ويُريحها في حياتهما القادمة.. داعية الهدوء والسكــ,,ـــــينة ليغمرا حياتها التي عاث فيها الماضي فوضى ضارية..!
فارتفعت شفتا مروان في ابتسامة مرتاحة؛ معلنة نجاحه في “الحبو” في منطقة علاقتهما.
ثم أردف وهو يشير برأسه نحو الفراش، ملقيًا اشارة مُبطنة بين كلمــ,,ـاته، لم تخفى عن رهف:

-يلا غيري هدومك و ننام شوية بقا عشان نرتاح من المجهود.

اومأت رهف برأسها ولم تنطق، ثم تحركت نحو الدولاب تنوي انتشال اقرب “منامة” محتشمة نوعًا ما تستطع ارتدائها بدلًا من قميص النوم الذي لا يستر شيئًا والذي جهزته لها والدتها مسبقًا..
وما إن لمحها مروان وقفت أمام الدولاب وكادت تفتحه، حتى تحرك نحوها وأصبح خلفها مباشرةً، فباغته رد الفعل باهتزاز جسدها تلقائيًا ثم تصلبه كالشمع ما إن مسها جسده الذي كان شبه ملتصق بها، ثم همسه الرجولي عند اذنها مباشرةً وأنفاسه تداعب جانب وجهها ورقبتها فتترنح نبضات قلبها مُثقلة بشعور غريب يدغدغ الأنثى داخلها مذيبًا عنها الجليد الذي يغلفها منذ بداية تلك الزيجة:

-رعشة جسمك كل ما أكون قريب منك دي ملهاش داعي لأني بقيت جوزك.
ردت رهف في صوت مرتعش مبحوح كجسدها الذائب أمامه:
-ماشي بس غصب عني لازم أتوتر لأني مش متعودة إن أي راجل يقرب مني.
فأحاط مروان خصرها بذراعه يحتوي جسدها الغض بجسده الصلب متعمدًا الاقتراب منها أكثر، يتحداها ليقـ,ـتل تلك الرعشة المستفزة بجسدها وكأنه يعلن الرفض الذي لم تنطقه، فيما تهدجت أنفاسها هي مبتلعة ريقها بتوتر اكبر.
ليتابع هو في خشونة رجولية:
-بس أنا مش أي راجل، أنا جوزك، يعني من حقي أقرب منك في أي وقت وبأي طريقة وماحسش إنك خايفة وكأني هاكلك!

فناطحته بجملتها المُصرة رغم نبرتها التي كانت واهنة بعض الشيء:
-قولتلك انا مش خايفة.

قرر مروان أن يُغير الموضوع فسألها مستفسرًا:
-انتي كنتي بتعملي إيه؟
أجابت في تردد:
-كنت بجيب بيچامة عشان ألبسها.
قال مروان بحزم قاصدًا انتشالها من بقاع الرهبة والخجل المطلق تجاهه:
-متهيألي إنك عروسة، والعروسة ليلة فرحها بتلبس اللبس اللي متجهزلك على السرير دا .
شعر بالتجهم متبوعًا بشيء من الاعتراض والتردد يتشعبا بين ثنايا وجهها، فأكمل دون تردد بصلابة وإصرار:
-من يوم ما أسمك إتحط جمب أسمي، وخلاص كده أنسي أي حواجز او حرج بيننا.
فشعرت رهف حينها أن التوتر جعل أحبالها الصوتية كالعقدة لا تستطع فكها لتنطق بأي كلمة، ولم تكن تملك سوى تلك الايماءة الموافقة من رأسها..

فتحرك مروان نحو الفراش يبدأ هو بالخطوة الاولى ويُحدد لها باقي الخطوط التي ستسير عليها كالطفل..
ثم تمدد على الفراش، يضــ,,ـــــرب على الفراش برفق جواره مغمغمًا وهو ينظر لها مازالت واقفة:
-يلا غيري وتعالي.
فأومأت برأسها، ثم تشدقت بـ:
-تمام.
هز مروان رأسه مُريحًا جسده على الفراش مغمضًا العينان يتنهد في ارتياح..

بينما رهف ما إن أغلقت باب المرحاض عليها حتى بدأت تتنفس بصوت مسموع، تعلم أنه محق في كل ما يقوله ويفعله، ولكن ماذا تفعل في ذلك الحاجز النفسي بينهما والذي يأبى أن يزول بسهولة، ولكنها رغم ذلك تحمد الله أن مروان بدد مخاوفها وشكوكها، لتحاول هي المضي قدمًا في تلك الحياة الجديدة دون أي عرقلة من الماضي. خرجت من المرحاض وتوجهت نحو الفراش، لتتمدد جوار مروان الذي أحس بحضورها، وقاوم حدقتيه التي كانت تجاهد لتفصل بين جفنيه هيئتها الجديدة حتى على خيالاته!..

بينما هي نظرت لأعلى الغرفة للحظات صامتة تحاول أن تستدعي النوم، وبالفعل بعد دقائق قرر النوم العطف عليها منقذًا إياها من بؤرة أفكارها. ****

انت في الصفحة 3 من 13 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى