صباح اليوم التالي… تفرق جفنا “رهف” حين شعرت بشفتا مروان التي كانت تداعب كل إنش بوجهها كالفراشات الخفيفة، فتحركت رأسها تلقائيًا نحوه وما إن قابلت عيناها عينيه حتى رأت فيهما ما كان يلمح به منوهًا بالأمس..
احتضن كفه الخشن وجنتها الناعمة يتحسسها بحركة دائرية ماهرة رقيقة من إبهامه، وعيناه السوداء مُسلطة على عينيها في لهفة ملتاعة بالشوق مقروءة بين سطور عينيه، وأصــ,,ـابعه لا تكف عن العبث وكأنه يتعمد إرخاء أعصــ,,ـابها المشدودة لتذوب تمامًا في استسلام انثوي بحت.
أغمضت عينيها حين مال بوجهه نحوها مستسلمة لقبلاته الخفيفة التي بدت وكأنه يستأذنها متسائلًا عن أي رفض؛ رغم يقينه بحتمية الحدوث.
ورغم أنها لا تجد أي سبب عاطفي بين جنبات قلبها للاستسلام له، إلا أنها أيضًا لا تجد سبب للرفض، هو ليس بشخص سيء بل هو أفضل رجل قابلته؛ هو مَن أنقذها من وصمة سوداء كادت تلتصق بها مدى الحياة.
بالإضافة لكونه زوجها وهذا حقه شرعًا، لذا لم ترغب أبدًا أن تبدأ حياتها الجديدة بمعصية لله.
ولأول مرة وبسيطرة من عقلها استطاعت لملمة بقايا التردد المتناثرة بين ثنايا عقلها، ودفـ,ـنها في أعمق نقطة داخلها لتكتم ذبذباتها التي تشوش على سيطرة عقلها.. لتستسلم راضية بكل ذرة فيها.
وقد كانت تعي أن استسلامها هو أول نقطة في صفحات الحاضر، وأنها ربما لو رفضت لكانت ضــ,,ـــــربت عكر شياطين أي رجل، وأخرجت منه أعتى شياطينه ألا وهو “الغيرة والشك”…
بينما شعر هو وكأن أعاصير متضادة تتضارب داخله؛ أن شيء مهتاج مشتاق يحــ,,ـــــرق أوردته بحثًا عن الكمال؛ كمال نيل حقه وصك ملكيته.
وشيء أخر كالمفرقعات كان يهز قلبه هزًا مهددًا بإنفجار مشاعره المكتومة.. ولكنه دكها دكًا بسيطرة مُذهلة معيدًا إياها لنقطة اللاظهور، عالمًا أنه لو حرر تلك المشاعر، ربما تتصادم بهالة الجمود التي تحيط بـ رهف فتعود سهامها لتنغرز بقلبه مدمية إياه. ازدادت لمساته جرأة في ظل استسلام رهف التام، لتقترب شفتاه بحثًا عن شفتاها في قبلة لم تكن مجرد قبلة؛ بل كانت دمغة… دمغة لقلبها المرتجف معلنًا صاحبه ومالكه الجديد.
**** ليلاً…. كانت رهف في المطبخ تعد شيئًا للعشاء، فارتفع رنين هاتفها معلنًا وصول إتصال من والدتها..
أجابت رهف على الفور هاتفة في اشتياق:
-الو السلام عليكم.
-وعليكم السلام، ازيك يا رهف؟
ثم سارعت في لهفة واضحة كعين الشمس تسألها:
-عاملة إيه يا حبيبتي؟
فهزت رأسها تطمئنها بهدوء:
-انا الحمدلله يا ماما كله تمام، انتوا عاملين إيه؟ وبابا ؟
نظرت “ثناء” تجاه “عماد” الواقف في صمت أمامها منتظرًا أن تبثه الاخبار ليطمئن قلبه، فهو رغم كل شيء ومهما حدث يظل أب.
ثم عادت لتسأل رهف في نبرة مبطونة بالشك والقلق:
-احنا كويسين، المهم طمنيني عنك، عامله إيه انتي وجوزك؟ حصل حاجة عكس الطبيعي يا رهف؟ وبيتعامل معاكي حلو ولا عمل حاجة؟
فنفت رهف بحرج:
-لا يا ماما كل حاجة تمام متقلقيش زي أي اتنين متجوزين، واحنا كويسين مع بعض الحمدلله.
فتمتمت والدتها مرتاحة:
-الحمدلله يا حبيبتي، ربنا يهدي سركوا ويسعدكوا ويبعد عنكم كل سوء.
-امين يارب يا أمي.
تنحنحت والدتها ثم بدأت تخبرها مبررة:
-احنا كنا هنجيلك أنا وباباكي النهارده لكن حبينا نسيبكم اسبوع على الاقل تكون حياتكم استقروا وبدأتوا تتفاهموا مع بعض.
-فهماكي يا ماما.
-طيب انتي بتعملي إيه دلوقتي؟
أجابت رهف متنهدة وهي تنظر للطعام الموضوع على رخام المطبخ:
-المفروض هبدأ أحضرلنا عشا.
-ماشي يا حبيبتي مش هعطلك، روحي خلصي وانا هتصل بيكي كل يوم اطمن عليكي، واوعي لو حصل أي حاجة مــ,,ـاتقوليليش يا رهف أنا أمك يا حبيبتي.
-لا متقلقيش يا ماما، ان شاء الله خير ومش هيحصل حاجة.
-ماشي يا حبيبة ماما في رعاية الله.
-مع السلامة.
أغلقت ثناء الهاتف رافعة وجهها نحو عماد الذي هتف في زهو يهز رأسه:
-شوفتي بقا إن كلامي صح وإن نظرتي في شخصية بني ادم عمرها ما تخيب، وإن أنتي وبنتك اللي خوافين.
فهزت ثناء رأسها متنهدة ثم تشدقت بـ:
-الحمدلله يا عماد، أنا الفترة اللي فاتت مكنتش بدعي إلا إن ربنا يخيب ظني ويطلع ابن حلال.
غمغم عماد مرددًا بعدها:
-ربنا يهديهم لبعض ويجبر بخاطرها.
فرددت ثناء خلفه:
-آميين. ثم بدأت ذكرى من الماضي القريب تقتحم عقلها مذكرة إياها بسبب خوفها هي و رهف تجاه مروان……
خلال اليوم الثاني بعد زيارة مروان لرهف قبل الزواج حين كان يعرض عليها بعض نماذج غرف النوم…
كانت رهف في حالة مُثيرة للشفقة من إنفـ,ـلات الأعصــ,,ـاب، وصدمة الجملة التي سمعتها من مروان تفتت أي تماسك قد يتشكل داخلها، ترددت كثيرًا ولم تدري ماذا عساها تفعل، وفي النهاية لم تجد مفر من اخبار والدتها بما سمعته، وبالفعل ركضت لوالدتها تفرغ في احضانها كل ما بجبعتها….
تلونت ملامح ثناء بداء الخوف والقلق الذي نقلته لها رهف عبر حروفها المُبطنة، ثم قالت بشك تسألها:
-انتي متأكدة من الكلام دا يا رهف ؟
اومأت رهف مؤكدة بسرعة وعيناها البُنية المشطورة بالدمع والخوف تناشدها بالتصديق:
-ايوه طبعًا يا ماما، والله العظيم سمعت بودني صدقيني.
فأسرعت ثناء تربت على كتف ابنتها وهي تستطرد قائلة لتسد فجوة الخوف من التكذيب التي كانت تكبر داخل رهف مع مرور الوقت، فهي لا تود خسارة رهف تمامًا وإنسداد كل الطرق الممكنة بينهما :
-مصدقاكي يا رهف، بس قصدي يعني يمكن انتي فهمتي غلط او كده.
عضت رهف على شفتاها مفكرة، ثم نطقت فارشة هياج أفكارها المشوشة أمام والدتها:
-مش عارفة يا ماما، بس خايفة.
ثم زفرت وهي تفرك جبهتها في إرهاق نفسي حقيقي:
-او يمكن أنا اللي من بعد اللي حصل بقت أقل حاجة تخوفني.
ربتت ثناء على كفها تحتضنه بين يديها هامسة في حنو تحاول بثها ذريعة الاطمئنان التي اهتزت داخلها اصلًا رغمًا عنها:
-متقلقيش يا حبيبتي، أنا هقول لأبوكي، وأنتي صلي استخارة كتير، وبأذن الله خير.
-باذن الله يارب.
وبالفعل بعد فترة، أخبرت ثناء عماد بكل ما قصته عليها رهف، فتغضنت ثنايا وجه عماد في قلق نوعًا ما، ولكنه جادلها قائلًا:
-طب وانتوا لية افترضتوا سوء النية يا ثناء ؟ مش يمكن كان بيقول لحد صاحبه بيطمنه إن الجوازة هتتم، ومثلًا حد كان بينصحه زي باقي الشباب فبيقوله إنه مسيطر على كل حاجة ومفيش حاجة تقلق او مشكلة بخصوص شخصية رهف.
-تفتكر كده ؟؟
سألته بعينين موخوزتين بالشك والقلق، راجية أن يكون كلامه هو الصحيح، فهز عماد رأسه مؤكدًا وأكمل:
-ايوه طبعًا، أصله إيه جو المخابرات اللي عاملينه أنتي وبنتك دا، وهنقعد كلنا ورا شك نفكر ونعقد نفسنا وماشوفناش من الراجل حاجة وحشة او تشكك وعارفينه من زمان.
فهزت ثناء رأسها في محاولة لإقناع الأم القلقة داخلها بكلامه:
-صح عندك حق يا حاج.
فتابع هو في نبرة حازمة يخبرها مشددًا على حروفها:
-عقلي بنتك، وفهميها إن ربنا هو دليلها ووكيلها، وإن مش كل حاجة بنسمعها بتبقى صح، وأكيد ربنا مش هيجيب حاجة وحشة، حتى لو في حاجة وحشة من وجهة نظرنا كبشر حصلت بس بنتعلم منها.
في طاعة وهدوء هزت ثناء رأسها ورددت:
-ونعم بالله.
عادت ثناء من ذكرياتها مغمضة عينيها، وأخيرًا وجدت الراحة مسكنًا لها بين ضلوعها، فهمست بصوت يكاد يسمع:
-الف حمد وشكر ليك يارب. **** بينما على الطرف الآخر… أغلقت رهف الهاتف وهي تضعه جوارها على رخامة المطبخ، ثم بدأت في اعداد الطعام، وهي تتذكر مروان الجالس في غرفة الاطفال يقرأ بعض الكتب؛ هوايته المفضلة، لحين انتهائها من اعداد الطعام.
مرت دقائق، ودلف مروان المطبخ، ليراها واقفة أمام الرخامة معطية ظهرها له، والذي يتناثر عليه شعرها الأسود الطويل والذي تركته منسدلًا كعادتها لأنه لم يكن قد جف بالكامل من المياه، اقترب منها ببطء حتى أنها لم تلحظ تواجده خلفها، أصبح على بُعد خطوات قليلة منها، فنفضت رهف شعرها بتلقائية للخلف وهي تزفر بحدة، فباغتت قطرات المياه الخفيفة وجه مروان الذي أغمض عينيه وتلك القطرات سقطت كالندى على دواخله القاحلة لتسقي فيها رغبة مُلحة باستكشاف خصلاتها السوداء بيداه وتمريغ أصــ,,ـابعه فيه!
اقترب اكثر ليصبح خلفها مباشرةً، ثم وببطء نفخ عنذ اذنها حيث خصلاتها الملمومة، لتشهق رهف متفاجئة تضع يدها على قلبها وهي تردد في تلقائية تامة:
-حرام عليك خضتني.
فهمس في نغمة رجولية اثارت داخلها ذبذبات غريبة أربكتها:
-سلامتك من الخضة.