روايات

عبث الاول

ثم لمعت عيناه حين وقعت على خصلاتها المبتلة نوعًا ما والتي إلتصقت برقبتها المرمرية البيضاء، فازدرد ريقه وعيناها تراقب تفاحة ادم التي تحركت، فانتقل لها داء التوتر على الفور، ولم يشعر هو بيداه التي تحركت تجاه رقبتها وأصــ,,ـابعه الخشنة تبعد خصلاتها الملتصقة بجلد رقبتها الناعم، نعومة تغري شفتاه المتلهفة وبإلحاح أن تستكشف نعومتها بدلًا من أصــ,,ـابعه..
لم يكن يدري أنه ودون شعور كان يتحسس رقبتها ببطء شديد ومُهلك وهو يزيل تلك الخصلات، بينما المسـ,ـكينة مغمضة العينان ترتجف وملمس أصــ,,ـابعه العابثة لا يرحم أوتار أنوثتها فيتلاعب بها مذيبًا خلاياها ببطء…

بدأ يشعر أنه يسقط تدريجيًا من برج التحكم العقلي والسيطرة الذي كان يحبس نفسه به، فأخذ نفسًا عميقًا مستعيدًا سيطرته ثم ابتعد خطوتان للخلف معطيًا المساحة لرهف للتتنفس قليلًا…!
ثم تنحنح محاولاً اخراج حروفه بنبرة عادية وهو يقول:
-بتعملي إيه؟
فتمتمت رهف مجيبة بصوت مبحوح:
-بعمل عشا.
أومأ برأسه ثم استطرد مشاكسًا بابتسامة خفيفة:
-المهم يكون عشا حلو يرم العضم كده.
فهزت رهف رأسها نافية وهي تجيبه برقة:
-لا متقلقش ماما قالتلي هعمل إيه.
فأكمل مروان وقد بدأ يحرك أقدامه لخارج المطبخ:
-ماشي انا هروح اكمل قراية الكتاب اللي بقرأه عقبال ما تخلصي وابقي ناديني.
-تمام.

وبالفعل بعد وقت ليس بطويل إنتهت رهف من إعداد العشاء، وقدمته بشكل لائق على طاولة الطعام، ثم توجهت نحو الغرفة التي يقطن بها مروان ونادته ليأتي، وتناولا الطعام سويًا وقد كان لا يخلو من بعض العبارات العابرة كمحاولة مستمرة من مروان أن لا يترك للحاجز النفسي بينهما المساحة الكافية لينمو، بل يستمر ويستمر في حسره حتى يأتي الوقت الذي ربما يكون قد إقتـ,ـلعه تمامًا خارج منطقة حياتهما.

بعد انتهاء العشاء، عاد مروان للغرفة يتسلى في قراءة كتابه في حين توجهت رهف لتصنع كوب من مشروب ساخن بعد أن اخبرها مروان بعدم رغبته في شرب أي مشروب…
وبالفعل إنتهت وحين كادت تأخذه متوجهه للخارج دلف مروان، لينظر للكوب متسائلًا في هدوء:
-دا إيه دا بقا ؟
فأجابته رهف مبادلة نفس النبرة الهادئة العملية:
-دا كاكاو باللبن، أنا بحبه وعلى طول بعمله، لو عايز ممكن أعملك.
هز مروان رأسه نافيًا، ثم أردف بابتسامة هادئة كالطفل حين يستأذن لينل شيء:
-لأ انا هادوق بتاعك الاول وأشوف هحبه ولا لا.

اومأت رهف مؤكدة، ثم استدرات وكادت تسكب له من كوبها في كوب آخر ليتذوقه، ولكنه اوقفها قبل أن تفعل بقوله مستنكرًا:
-استني انتي هتعملي إيه؟
فهزت كتفاها تجيب في تلقائية:
-كنت هحطلك في كوبايه تانية، أصل في ناس مابتحبش تشرب مكان حد.
نفى مروان برأسه ثم مد يده يتناول الكوب من يدها ورغمًا عنهم تلامست أصــ,,ـابعهم في ثانية سريعة ولكنها كانت كالشرارة الخافتة بينهما.
ثم سألها وهو يشير لأحد أطراف الكوب:
-انتي شربتي من هنا صح؟

اومأت رهف مؤكدة متوقعة أنه سيعكس المكان الذي شربت منه، ولكنه فاجأها حين شرب من نفس مكانها دون أن تلمح أي طرف للاشمئزاز او التقزز على ملامحه، بل كانت ملامحه مرتخية متلذذة وهو يتذوقه، وداخلها تتسائل عن سبب فعلته تلك!
أحست أنه يريد أن يخبرها أن لا خصوصية، لا تقزز بينهما، بل كل شيء وأصغر شيء سيتشاركونه سويًا..!

وحين رفع عينيه ينظر لها أحست للحظة أن شفتاه تطبع على شفتاها وليس مكانها فقط!…
فاندفعت الحمرة تفترش قسمــ,,ـاتها البيضاء، ابتلعت ريقها بتوتر، ثم قطع هو هذا الصمت حين سألها:
-هو انتي حاطه سكر قد إيه؟
فأجابته هادئة:
-حاطه معلقة واحدة.
ليهز رأسه نافيًا يتصنع الاستنكار:
-لا مش معقول، دا مسكر خالص.
ثم ضيق عينيه محدقًا بها للحظة هامسًا:
-إيه دا استني كده.

وبحركة مباغتة وقبل حتى أن يصحو عقلها مدركًا مقصده، كان مروان يطبع قبلة سريعة سطحية على شـ,ـفتيها المنفرجتين، قبلة قصيرة المدة ولكن كان لها الأثر الأكبر والأطول في غفوة مسكرة لذيذة لعقلها الذي بدا وكأنه توقف عن الاستيعاب مؤقتًا، فظلت ترمش للحظات محدقة به ببلاهه..!
بينما هو قال في ابتسامة جانبية تقطر رجولة ومكر:
-اه دلوقتي عرفت هو مسكر ليه
بدت رهف وكأنها استوعبت ما فعله للتو فرفعت يدها على الفور تضعها على شـ,ـفتيها وكأنها تستكشفها إن كان قبلها فعلًا في حركة مباغتة عابثة داعبت شيء باهت داخلها !…

**** في اليوم التالي…. كان “مروان” في المرحاض يستحم، فيما كانت رهف تقوم بترتيب بعض الاشياء الخفيفة في المنزل، حين طُرق الباب عدة مرات متتالية، فعقدت رهف ما بين حاجبيها في تعجب من الإصرار والسرعة في الطرق، وصاحت:
-ايوه ياللي بتخبط ثواني.
توجهت نحو اسدال الصلاة الخاصة بها ترتديه مسرعة ومن ثم سارت نحو الباب، فتحته لتتفاجئ بسيدة شابة ذات ملامح متجهمة وعينان مهاجمتان يطفوهما الغضــ,,ـب..
فسألتها رهف بتعجب جلي:
-ايوه مين حضرتك ؟
فرفعت “غادة” حاجبها الأيسر مستنكرة وفي سخــ,,ـرية تامة ردت:
-حضرتي مين! دا على أساس إنك متعرفيش حضرتي.

هزت رهف رأسها نافية وبنبرة مماثلة من السخــ,,ـرية:
-لأ محصليش الشرف.
فباغتتها الاخرى باجابتها الصادمة التي ضــ,,ـــــربتها في مقتـ,ـل:
-أنا مراته الاولى يا حبيبتي!… الفصل الثالث :-

للحظات لم تستطع رهف التفوه بحرف، وكأن الصـ,ـدمة حجمت طيات ادراكها، فلم تجد ما يسعفها للرد على الاخرى التي تقف تطالعها في تشفي وابتسامة سمجة جعلت رهف تتمنى لو تمزق شفتاها حتى لا تستطع الابتسام مرة اخرى!..
خاصةً حين ازدادت ابتسامتها تهكمًا وهي تتابع:
-يا حرام شكلك متعرفيش حاجة واتاخدتي على خوانة.
واخيرًا استطاعت رهف الخروج عن طوع حالة التيبس المصدوم من تواجد “غادة” في هذا الوقت تحديدًا ومباغتتها بطلب زوجها، فهتفت ببرود متعمد وهي تقابلها بابتسامة اكثر سماجة:
-لا يا حبيبتي متقلقيش عليا انا متاخدتش على خوانة ولا حاجة، انا عارفة كل حاجة ووافقت بمزاجي.

ثم ضيقت عينيها تَدعي تفحص غادة التي بهتت ابتسامتها على وجهها، واردفت:
-شكلك انتي اللي اتاخدتي على خوانة بصراحة.
كزت ” غادة” على أسنانها، والغضــ,,ـب يحترق جليًا في عينيها، وفــ,,ـاح دخان هذا الغضــ,,ـب من حروفها حين راحت تردد في حدة:
-فين مروان، أنا عايزه جوزي.
فرفعت رهف حاجبها الأيسر مستنكرة:
-أنتي جايه تاني يوم جواز ليا وتقولي عايزه جوزي!
عادت تلك الابتسامة تتعلق بأطراف ثغر غادة التي استطردت في نغمة حملت نوايا شتى، لم تستطع رهف تمييزها، ولكن رن بأذنها الخبــ,,ـــــث الذي صدح فيها:

-انتي مفكره إن انتي عروسة بجد بقا وكده، شكلك متعرفيش اللي فيها وهتتصدمي بالواقع.

ثم أشارت نحو الداخل وأكملت باستفزاز:
-ياريت تنادي جوزي ضروري، يا… عروسة!
طحنت رهف ضروسها، وتأهبت لتناطحها برد فاحم، ولكن قاطعها حضور مروان الذي عقد ما بين حاجبيه في استغراب:
-غادة ؟!
نظرت له رهف ولكن لم تلحظ أي تواجد للصدمة من تواجد غادة على وجهه!
فيما قالت غادة في لهجة هادئة رقيقة مختلفة عن الاخرى التي كانت تحاــ,,ـــــدث بها رهف مائة وثمانون درجة، فلم تستطع رهف كبت دهشتها من هذا التحول الجذري:
-صباح الخير يا مروان، بعد اذنك عاوزاك ضروري.
فسألها مروان بملامح متجهمة غير مقروءة بالنسبة لرهف:
-في إيه ؟

أشارت غادة برأسها للخلف نحو الشقة التي تقطن بها، متمتمة في خفوت:
-بعد اذنك عاوزاك في شقتنا.
اومأ لها مروان مؤكدًا موافقته برأسه، ثم توجه بنظراته نحو رهف قائلًا بهدوء:
-ادخلي انتي جوا يا رهف وانا شوية وجاي.
ثم استدار دون أن ينتظر ردها وسار خلف “غادة” متوجهان نحو تلك الشقة، بينما رهف مازالت تقف مكانها تحملق بالفراغ… ولمَ كانت تتوقع أن يرفض أصلًا ؟!
هل لأنهم بثاني ليلة زواج لهما مثلًا!..
-وانا مالي هما احرار هوجع دماغي لية.

غمغمت بها وهي تهز رأسها نافية ثم تحركت لتغلق باب المنزل بعنــ,,ـف غير مقصود، وغيظ كالموقد كان يشتعل داخلها، موقد تشكل من كونها أنثى هزمتها أنثى اخرى في حرب كيدية بدأت لتوها…! **** بينما داخل الشقة الاخرى…

بمجرد دخولهم سويًا، إندثرت قشرة الجمود والهدوء التي كانت تغطي ملامح مروان، وتأججت مشاعره الحقيقية المشحونة بالغضــ,,ـب والنفور وهو يسألها بصوت أجش:
-ممكن افهم إيه الضروري اللي انتي عايزاني فيه بقا.
عضت غادة على شـ,ـفتيها للحظات تلعن تسرعها وإندفاعها في مواجهته، ثم دارت عيناها بعيدًا عن حصار عيناه السوداء الوحشية المُخيفة ذات النظرات القاتلة التي صار يرشقها بها مؤخرًا؛ وبدأت تتمتم في توتر :
-طب أنت متنرفز لية دلوقتي يا مروان، أنا عملت إيه؟
هز مروان رأسه مجيبًا في هدوء ظاهري خالطه التهكم الصريح:

-معملتيش حاجة خالص، بس متهيألي إني قايلك مش عايز أشوف وشك ولو بالصدفة، تقومي جيالي بيتي وتطلبي تشوفيني!
ابتلعت ريقها بازدراء ثم بدأت تبرر:

انت في الصفحة 5 من 13 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى