-لا أنت مش فاهم، أصل في حاجة.
نظر لها متسائلًا، فتنحنحت تبحث في باطن عقلها عن حجة يسهل تصديقها، وفي نفس الوقت تأخره عن رهف لتحــ,,ـــــرق أعصــ,,ـابها أكثر.. ليزجرها مروان بنفاذ صبر:
-ما تخلصي هنفضل واقفين طول النهار عشان تقولي عايزه إيه ؟
حينها لم تجد حلًا تلجأ له سوى التمثيل!
الفن الذي تجيده من صغرها عندما يُحاصرها الواقع؛ أمسكت رأسها وهي تغمض عينيها وتفتحها وكأنها تقاوم دوار شديد، ثم همست في وهن قبل أن تسقط ارضًا تدعي الإغماء:
-مروان الحقني.
هبط مروان على الفور نحوها يتفحصها مصدومًا، ثم بدأ يحاول جعلها تستعيد وعيها….
**** مرت ساعات قليلة… كانت رهف تحاول شغل وقتها الذي تركه مروان فارغًا بمشاهدة التلفاز، تنهدت بعدها وهي تنظر للساعة في هاتفها، مرت أكثر من ساعة وهو مع تلك الماكرة المدعوة بزوجته..
تأففت وهي تمسك جهاز التحكم، لاعنة تلك الغصة الأنثوية التي تأبى مغادرة جوفها وتركها خالية البال..!
مر وقت قليل ثم سمعت طرقات على الباب، فنهضت متوقعة مَن هو الطارق، وبالفعل كان مروان الذي هتف هادئًا:
-السلام عليكم، عامله إيه؟
فأجابته بنفس السكون الذي كان يتلبسها:
-الحمدلله بخير.
ثم تحركت تسبقه لتتجه نحو غرفتهم، جلست أمام المرآة ثم بدأت تمشط شعرها في هدوء، دلف مروان للغرفة خلفها ليجدها تمشط خصلاتها، فسألها بينما يجلس على الفراش متنهدًا:
-اتغديتي ولا لسه؟
فردت نافية دون أن تنظر له:
-لا لسه.
فسألها مستفسرًا:
-لية مــ,,ـاتغدتيش كل دا ؟
هزت كتفاها ومن ثم همهمت في خفوت:
-عادي يعني اتلهيت وانا بتفرج على التلفزيون.
وقف مروان خلفها يسألها بينما ينظر لإنعكاس وجهها في المرآة ملاحظًا صمتها وسكونها الزائدان عن حدهما:
-مالك؟؟
هزت رهف رأسها نافية بلا مبالاة، متمتمة:
-عادي يعني مالي؟!
اقترب مروان منها ثم وقف خلفها مباشرةً لينحني لمستواها، أحاط جسدها بذراعاه برفق ثم بدأ يُبعد خصلاتها السوداء عن رقبتها الناعمة، ليطبع عليها قبلة دافئة عميقة كانت كلسعة الكهرباء التي جعلت خلايا رهف تنتفض في ارتباك لذيذ فطري، بينما يصلها همسه الرجولي الذي يثير فيها نزعة الأنثى رغمًا عنها:
-وحشتيني.
لم تستطع حينها إخضاع عقلها الذي كان في حالة استنكار تام لكل ما حدث الساعات الماضية، فحاولت ابعاد مروان وهي تردد متسائلة في ارتباك به شيء من الضيق الخفيف:
-أنت استحميت؟
للحظة لم يستوعب مروان سؤالها الغريب في الوقت الأغرب، ثم ابتعد وبدأ يتشمم ملابسه مغمغمًا في استغراب:
-هو انا للدرجادي ريحتي وحشة!! دا انا لسة مستحمي الصبح.
نهضت رهف لتصبح أمامه تواجهه بكلها، ثم تابعت وهي ترمقه بنظرة ذات مغزى:
-أنت فاهم قصدي كويس يا مروان.
وكأنها بنظرتها رمت نرد الاستيعاب مبعثرة التصلب العقلي الذي أصــ,,ـاب مروان للحظات معدودة..
فالتوت شفتاه بما يشبه الابتسامة والتي لا تمت للمرح بصلة، ثم تشدق بإجابة ملتوية :
-لأ متقلقيش أنا مستحمي.
لم يُريحها ويعطها الرد الذي كانت في انتظاره؛
لم يخبرها صراحةً إن كانت تلك الخبيثة زوجته قد استرقت حقها الطبيعي في قربه؛ في أولى أيام زواجهما ام لا.
ثم تحرك نحو الفراش يمسك بهاتفه بشيء من التجاهل، بينما هي تهز قدماها من هدوءه المستفز، ولم تحكم السيطرة على لسانها حين اندفع قائلًا:
-بس المدام شكل عفاريتها مش راضية عن الجوازة دي.
رفع مروان عينيه عن هاتفه ببطء محدقًا بها بنفس الهدوء، ثم تركه ونهض مقتربًا منها كأسد على وشك إلتـ,ـهام فريسـ,ـته، حتى وقف أمامها، وبنظرة صلبة تليق بالقذيفة التي إنطلقت من وسط حروفه، تابع:
-ترضى ولا مترضاش، أنا الراجل وأنا حر أتجوز مرة اتنين تلاتة اربعة.
رفعت رهف حاجبها الأيسر في اعتراض مكتوم سمع صياحه من بُنيتيها؛ حين ذكر التعدد وكأنه شيء أكثر من عادي، وربما يفعله في أي وقت.
ليردف بعدها بلهجة أكثر جمودًا بها شيء مُبطن من التحذير:
-وأعتقد إننا أتفقنا إنك هتتجاهلي موضوع جوازي دا تمامًا وكأنه محصلش عشان أنا وانتي نكون مرتاحين.
صاحت رهف منفعلة وذاك المشهد يتكرر في عقلها فيزيد من شرارة إنفعالها:
-أنساه ازاي انت مش شايف هي بتعمل إيه، بكل بجاحة جايه تاني يوم جواز تقول عايزه جوزي.
فقال مروان في خشونة يحذرها:
-على فكره لو مش واخده بالك هي لسة مراتي.
-امال اتجوزتني ليه لما هي لسة مراتك ودا الطبيعي وحقها والدنيا جميلة؟!
زمجرت رهف بها في استنكار حقيقي وحاجة مُلحة للإجابة، وثباتها قد أُصيب بعقم في ظل كل هذا الغموض الذي فُرض عليها.
بينما بدأ الغضــ,,ـب يندلع في بؤبؤي عينيه، واحتدت نبرته وهو يقول واضعًا حدًا لذلك الحوار الذي بدأ يخرج عن زمام سيطرة العقل والهدوء:
-اولًا اعرفي انتي بتتكلمي ازاي يا هانم، ثانيًا تقريبًا أنا لسة من كام ثانية قايلك إني راجل وحر، والشرع محلل ليا الجواز بدل مرة اربعة كمان، ومافيش حاجة تمنعني.
ثم إلتقط هاتفه وتحرك ليخرج من الغرفة متجاهلًا حقها في الرد.
فأمسكت رهف بالفرشاة التي كانت تمشط بها منذ قليل لترمها على الفراش بعنــ,,ـف وهي تغمغم بما يشبه الهذيان:
-ما أنا اللي عملت في نفسي كده أنا استاهل، كان في إيدي أتجوز واحد أكون أنا الست الوحيدة في حياته من غير ما تطلعلي واحدة ترازي فيا وتحــ,,ـــــرق دمي.
وفي نفس الوقت كان مروان يقف أمام باب الغرفة يتنفس بعمق عله يستطع تنفيث دخان الغضــ,,ـب الذي تصاعد داخله.
سيكون هو المُسيطر والمتحكم في تلك العلاقة؛ لن يسمح مرة أخرى أن يكون هين لين وحين ترتفع الأمواج من أمامه يكون هو أول مَن يُضــ,,ـــــرب بها، يجب أن يكون أعلى من كل الأمواج..
لن يكون مروان الطيب الخلوق فتعتقده أخرى أنه ضعف شخصية فتتجرأ عليه لدرجة أن تود وشمه بالعار طيلة حياته.. ولكن كل هذا سيكون تحت ظلال الهدوء.
وحين سمع رهف تغمغم بتلك الجملة، وكأنها أعادت تحرير كافة شياطينه التي كان يحاول حبسها في أبعد نقطة داخله، فاندفع للداخل مرة اخرى وبحركة مباغتة كان يجذب رهف من ذراعها بقوة نحوه فشهقت بفـ,ـزع، فيما استطرد هو بلهجة عنيفة حادة يسألها مستنكرًا:
-هو مين دا اللي كان ممكن تتجوزيه؟
لم تتوقع رهف أن يكون قد سمع جملتها التي نفذت للمرة الثانية مخترقة هالة تحكمها الواهية، وإنكمشت للخلف مصدومة مرتبكة من هجـ,ـومه المفاجئ، ثم حاولت إرغام لسانها المعقود على النطق، لتخرج حروفها متلعثمة:
-لأ أنت فاهم غلط.
تجاهل جملتها وهو يحاوط خصرها بذراعه بشيء من العنــ,,ـف، وجذبها نحوه حتى ألصقها به وتقاربت وجوههم حتى تشاركا لهاث الأنفاس، ضغط مروان على خصرها وهو يجذبها نحوه أكثر وكأنه يؤكد ملكيته الحصرية لها، ثم همس بنبرة تملكية بحتة تشع عنــ,,ـفًا:
-دا قدرك، أنتي بقيتي بتاعتي ومراتي خلاص، ياريت تقبلي الواقع بكل اللي فيه زي منا قبلته. كان يقصد أن تتقبل ماضيه والذي لم يكن سوى زواجه، كما تقبل هو ماضيها وغض النظر عن كله.
ولكن الجملة وصلت لرهف على محمل اخر، أحست أنه بكلمــ,,ـاته ذات المغزى الجارح يتعمد إهانتها والتقليل من شأنها مستخدمًا في ذلك السلاح الأسود المُسمى بالماضي!..
فرمشت عدة مرات وقد إختنقت أنفاسها وكأنها تحارب غصة تود التحول لبكاء، تركها مروان مبتعدًا عنها ليغادر الغرفة صافعًا الباب خلفه بعنــ,,ـف،
وتهاوت هي على الفراش محيطة وجهها بكفيها تأخذ شهيقًا وزفيرًا لتقـ,ـتل هجـ,ـوم البكاء المُلح على عينيها. **** اليوم التالي صباحًا….
بوجه مُلطخ بالحزن الذي شق قلبها شقًا واجدًا طريقه فيه؛ كانت رهف تعد الإفطار بخطى آلية، تعلم في قرارة نفسها أنها تؤدي مجرد واجب كزوجة ولولا ذلك لما كانت غادرت غرفة الاطفال التي أخذتها ملجأ مؤقت لها.
دلف مروان للمطبخ، ومن ثم صدح صوته الأجش هاتفًا:
-صباح الخير.
لم تلتفت له حتى وهي تجيبه في وجوم:
-صباح النور.
إنتهت من إعداد الفطور، ووضعته على المنضدة الصغيرة الموضوعة في وسط المطبخ، ثم تحركت متوجهه نحو الخارج، فأوقفها سؤال مروان المستفسر:
-انتي مش هتفطري معايا ولا إيه؟
فهزت رأسها نافية بنفس النبرة الواجمة:
-لأ انا فطرت خلاص، أفطر أنت.
ثم أكملت طريقها متجهة نحو غرفة الأطفال، ليتنهد مروان بقوة، ثم نفض رأسه وهو يبدأ في إفطاره؛ مقتنعًا أنه بذلك يحرص على بناء أرض صلبة له في تلك العلاقة، حتى يسير كل شيء حسبما يريد وتحت سيطرته.
في حين دخلت رهف غرفة الأطفال مرة اخرى، جلست على الفراش تستند بذارعيها على فخذيها وهي تهز أقدامها بقوة وداخلها مُهتاج من ذلك الهدوء المُستفز وكأنه لم يقل او يفعل أي شيء بالأمس..!! وفي اللحظة التالية إتسعت عيناها حين وقعت على “دمية” تعرفها جيدًا موضوعة على الطاولة الصغيرة المجاورة للفراش، نهضت كالملسوعة تنتشلها بسرعة لا تصدق عينيها، تتحسسها وكأنها تتأكد إن كانت حقيقة ام أن عقلها المشوش بين الماضي والحاضر يختلق صورًا خيالية!..
لا تدري حتى مَن الذي أتى بتلك الدمية إلى منزلهما هي ومروان، فهذه هي المرة الأولى التي تنتبه لها، ولكنها خمنت أنها ربما تكون والدتها التي تولت مهمة القيام بنقل جميع اشيائها واثاثها لمنزلها الجديد. ابتلعت غصة مريرة في حلقها وهي تنظر لتلك الدمية؛ سبحان مقلب المقلوب، فبالأمس كان قلبها ينبض حبًا لذلك الشخص، واليوم ذكراه الماضية تكاد توقف سير دقاتها مُمي\تة هذا القلب.
كادت تتركها وهي تتنهد، ولكن فلتت نبضة مرتعدة من قلبها حين لمحت “مروان” الذي لا تدري متى جاء أمام الغرفة وبالتأكيد رآها وهي شاردة بهذه الدمية، وحاولت طمأنة نفسها أنه بالتأكيد لم يرى هذه الدمية من قبل ولا يدري مَن صاحبها.
ولكن إتسعت عيناها رعبًا حين مد يده ينتشل الدمية من بين يداها مزمجرًا بغضــ,,ـب أرعبها:
-الزفتة دي بتعمل إيه هنا ؟!
هزت رأسها نافية بسرعة: