بعد مرور أسبوع… أسبوع كان من أحلى الأسابيع التي مرت على كلاهما، كان لون جديد زاهر طُبع على كم هائل من السواد، كان راحة بعد مشقة وهناء بعد تعاسة..!
أسبوعان أثبتـا لرهف أنها لم ترى كل ما يخبئه القدر لها، فقط رأت القاسي منه، ولم تكن تدري أن السعادة والقسوة جزءان غير منفصلان، فأنت لن تنال وجهًا واحد منهما.
ووصلا لدرجة من التواصل النفسي والعاطفي كبيرة لدرجة أنها أصبحت تتلهف لكل لقاء عاطفي جديد يزرع فيها نبتة ود جديدة نحو مروان..
كما أنها أصبحت ممتنة بشكلٍ ما لإصرار مروان على اصطحاب بعض “قمصان النوم” معهم!
كانا داخل احدى القرى السياحية في مطروح، تحديدًا في كافيه أمام حمام السباحة، كانت رهف جالسة مُتكئة للخلف بأريحية تزيد إلتصاقها بظهر المقعد، تستمع بالجو المشمس الرائع، بينما مروان جالس جوارها هو الآخر مرتخي الملامح يرتدي نظارته الشمسية…
وفي نفس الوقت كانت سيدة ثلاثينية تمر من أمامهم ذات جسد ممشوق ترتدي ملابس تظهر أكثر مما تخفي، محددة تقاسيم جسدها بوضوح، وكان مروان بالصدفة البحتة يدير رأسه نحوها ناظرًا نحو “النادل” باحثًا عنه، فاعتقدت رهف أنه يلاحق تلك السيدة بعينيه مستمتعًا بالتغزل الصامت في جسدها الأبيض الواضح، فشعرت بشيء وكأن سن إبرة يُغرز بمنتصف قلبها يدفع داخلها سائل حارق جعل دمائها
تغلي “بالغيرة”! تغضنت ملامحها تلقائيًا وهي تتابعه، قابضة على ملابسها بأظافرها وكأنها تجاهد نفسها حتى لا تنهض وتمزق جسد تلك الشمطاء السعيدة بعرض جسدها للجميع..!
تجهل كهن ذلك الشعور الذي يهاجم دواخلها لأول مرة فارضًا سيطرته عليها حتى جعلها فاقدة للسيطرة على نفسها وتصرفاتها…
ولكنها ترجمته أنه حمائية طبيعية بالنسبة لإمرأة ينظر زوجها لأخرى وهي جواره..
حين نظر مروان نحوها لاحظ ملامحها المقلوبة تعكس الغضــ,,ـب الذي يتماوج داخلها، فسألها في استغراب:
-مالك يا رهف؟
عقدت رهف ذراعيها وأجابته من بين أسنانه بنبرة جافة كادت تكون حادة:
-مالي يعني؟ مليش منا مرزوعه قدامك اهوه عملت إيه؟!
زاد استغرابه اضعافًا من لهجتها الهجومية ومن ثم راح يردد ساخرًا:
-لا ابدًا وشك بس عامل خناقة على الضيق كده.
فاعتدلت جالسة على المقعد تسأله في تحفز غريب للشجار ونفث كل الغضــ,,ـب الذي يعتمل بصـ,,ـدرها في وجهه:
-أنت قصدك إيه بقا؟ إني نكدية صح؟
-انتي؟ لا خالص!
تمتم بها مروان في سخــ,,ـرية مطلية بالبراءة الزائفة، فلوت رهف شـ,ـفتيها مغمغمة بغيظ يحلق في سماء عينيها:
-يا سلام عليك يا بحر الفرح يا ترعة المرح يا هرمون السعادة.
ضحك مروان وهو يضــ,,ـــــرب كف على آخر، وقال من بين ضحكته الخفيفة:
-طب أنا هسيبك عشان شكلك مجنونة دلوقتي، وهروح أطلبلك لمون.
وكاد يستدير بجسده للخلف بحثًا عن النادل وحيث تقبع تلك الشمطاء الشبه عارية، فهتفت رهف بسرعة وبلهجة إجرامية:
-لو جدع لف بقا ناحيتها تاني عشان تكون أخر لفة في حياتك.
للحظة لم يستوعب مروان ما نطقت به وأعتقد أنها قد جُنت، ولكن حين انتبه لصيغة المؤنث التي تمركزت وسط حروفها، ومن ثم لمح بطرف عيناه السيدة القاطنة خلفه، ادرك أخيرًا أنها بالفعل جُنت؛ ولكن بجنون الغيرة… ومَن غيره يدرك جيدًا هذا الشعور النــ,,ـــــاري بالتملك، جذب نفسًا عميقًا متذوقًا نشوة هذا الشعور وكأن أحدهم أطلق مفرقعات بين ثنايا روحه. لم ينكر تلك السعادة والغرور الذكوري الذي اجتاح صـ,,ـدره حين أدرك أنها تغار، أنه بدأ يجني ثمار معاملته الطيبة الدافئة لها في أشد اوقات حياتها حرجًا.
قطع شروده صوت رهف الأجش وهي تخبره:
-قوم نمشي من هنا.
فسألها مشدوهًا:
-نمشي من هنا نروح فين؟!
هزت رأسها وبرأس حجرية لا تقبل سوى الموافقة، أردفت:
-نروح أي حتة غير هنا، أنا عايزه أمشي دلوقتي حالًا.
لم يكن يملك مروان سوى الموافقة فأومأ برأسه موافقًا على مضض:
-حاضر ياستي.
أوقف الرجل المخصص بتوزيع الكراسي وما شابه ذلك، ليتنحنح قبل أن يخبره بهدوء:
-لو سمحت عايزين نغير مكانا.
اومأ الرجل ثم سأله بنبرة دبلوماسية:
-تحت أمرك يا فندم، تحب حضرتك تروح فين؟
رد مروان بحروف مغموسة بالمكر الرجولي وهو ينظر نحو رهف بطرف عيناه، وابتسامة حملت نفس المكر كانت تنازع جدية شفتاه:
-أي حتة مفيهاش ستات عشان مراتي بتغير.
تجمدت رهف مكانها لوهله، وتمنت أن تنشق الأرض وتبتـ,ـلعها حين رمى النادل نظرة خاطفة نحوها ضاحكًا ثم عاد ينظر لمروان قائلًا:
-تمام يا فندم.
نبهه مروان بنفس الهدوء بعدها:
-بس معلش لو هنتعبك، شوفلنا حتة هادية كده متكونش زحمة.
-تحت أمرك، اتفضلوا معايا في مكان هادي جدًا ولسه مفيش رجل خالص فيه.
تشدق العامل بهذه الجملة وهو يتحرك سابقًا مروان الذي نهض ممسكًا بكف رهف التي كانت عاقدة الحاجبان في حنق كالأطفال غير راضية تمامًا عن كل ما يحدث.
وبالفعل أوصلهم العامل لهذا المكان، ولم يكن به سواهم تقريبًا وبعض العاملين؛ نظرًا لأن الوقت لازال مبكرًا.
غادر العامل، فاقترب مروان بكرسيه من رهف التي كانت تنظر أمامها بعند متجاهلة إياه وكأنها لم تكن تحترق بالغيرة منذ قليل وتتلهف للشجار معه..!
ليلكزها بكتفه في خفة مشاكسًا إياها:
-بتغيري يا غزال.
فنظرت رهف نحوه بسرعة متابعة في استنكار شديد:
-أنا ؟ لأ طبعًا وأنا هغير ليه يعني؟ وهو أنا عشان سكت قدام الراجل خلاص اتثبتت عليا !!
فعاد مروان ليلكزها في كتفها مرة اخرى بابتسامة واسعة يستوطنها الخبــ,,ـــــث:
-بتغيري، عليا الطلاق بالتلاتة أنتي بتغيري.
ضــ,,ـــــربت رهف كفًا على كف، وبابتسامة ساخرة مهزوزة تخفي أسفلها رجفة متوترة من الحقيقة المُكبلة بتلك السخــ,,ـرية! استطردت:
-لا اله الا الله، ما الطبيعي لما يكون جوزي عينه زايغه وماشاء الله عليه لازم أخد رد فعل ولا هبقى قرطاسه؟!
ثم نهضت قائلة في استهجان وضيق مصطنع بينما هي في الحقيقة تهرب منه بعدما ضــ,,ـــــربته بجملتها الأخيرة دون أن تعطيه فرصة الرد والتي هي متأكدة أنها ستفحمها:
-أنا رايحة الحمام وراجعة.
وبالفعل اختفت من أمامه بسرعة متوجهه نحو المرحاض والذي لم يكن بعيدًا عن مكان جلوسهم..
كان مروان جالس مكانه، ولكن فجأة من العدم فرقعت بعقله فكرة عبثية جعلت عيناه تلمع وهو ينهض ليتوجه خلف رهف نحو المرحاض الذي دخلته، وقف أمام المرحاض حيث عاملة النظافة التي تكون جالسة أمامه، فأخرج حفنة من الأموال من جيبه، وأعطاهم لها وهو يربت على كتفها مرددًا بابتسامة ودودة:
-ربنا يقويكي ويديكي الصحة يا أمي.
فبادلته الابتسامة بأخرى مشابهة:
-تسلم يابني الله يخليك.
-استأذنك بس لو ينفع أدخل لمراتي اللي لسه داخله دي عشان تعبانة شوية، ولو ينفع متدخليش حد عقبال ما نخرج خمس دقايق بس؟!
غمغم بها مروان مضيقًا عيناه في براءة خادعة وشيء من التوسل.. بينما السيدة كانت ترمقه بنظرات متوترة مهزوزة في تردد:
-لو حد جه ممكن يحصلي مشكلة.
هز مروان رأسه نافيًا بسرعة يحاول طمأنتها:
-لا صدقيني مش هنطول اصلًا هي عشر او خمس دقايق مش اكتر.
فأومأت موافقة على مضض، ثم همست تحذره في توجس:
-خمس دقايق او عشر دقايق بالكتير مــ,,ـاتطولوش بالله.
اومأ مروان مؤكدًا برأسه وهو يتحرك متوجهًا لداخل المرحاض ثم أغلق الباب خلفه، وجد رهف تقف أمام المرآة تتفقد هيئتها، وما إن رأته حتى إتسعت عيناها تهتف بعدم تصديق:
-مروان انت بتعمل إيه هنا أنت اتجننت؟
بدأ مروان يقترب منها بخطى بطيئة متعمدة ويردد بحروف هادئة في ظاهرها ومُغطاه بفرو الذئب الماكر في باطنها:
-لأ انا مــ,,ـاتجننتش، في ناس تانية هي اللي الغيرة جننتها، تعرفيهم؟
كانت تعي جيدًا أنه يقصدها هي، ولكنها هزت كتفاها تقول في براءة تامة:
-أعرفهم؟ لا خالص، أنت تعرفهم؟
أصبح أمامها مباشرةً، فأكد لها بابتسامة ذات مغزى:
-إلا أعرفهم، دا أنا أعرفهم أوي.
نظرت رهف نحو الباب وكادت تتحرك تنوي الخروج، او بمعنى أصح الهرب من حصاره الذي أصبح وشيك، وهي تردف بجدية وابتسامة خفيفة مصطنعتان كأنها تساير طفل:
-طب نخرج من هنا دلوقتي وبكره هنعرفهم أنا وأنت وناهد وكلنا.
وفجأة كان مروان يقترب أكثر فتراجعت هي للخلف تلقائيًا حتى إلتصقت بالرخام الذي يقبع أسفل مرآة المرحاض، ومروان يمد ذراعاه جوارها مستندًا عليه، يحشر جسدها بين جسده الصلب من أمامها والرخام من خلف..
اقترب بوجهه قليلًا من وجهها، وعيناه السوداء التي اشتعلت بها لمعة متوهجة تشبه اشتعال شمعة متقدة في الظلــ,,ـمة، تحدق في بُنيتاها المهزوزتان في ارتباك وهي تتمتم:
-مروان أبعد أنت بتقرب كده لية!
وحين لم يبتعد أكملت بسرعة وبنبرة مرتابة:
-مروان أحنا في مكان عام وممكن حد يدخل فجأة والله أبعد بقا.
أمسك مروان بوجهها الذي كان يتحرك في الاتجاه المعاكس وكأنها تراقب الباب خشية من دخول أي شخص، ولكنها في الحقيقة كانت تهرب… تهرب من الاحتراق بشعلة تلك الشمعة المتوهجة في عينيه!
ثم همس أمام وجهها يسألها بنبرة عميقة تحمل تساؤلات عدة مُبطنة في هذا السؤال الظاهري:
-بتغيري عليا؟
هزت رأسها نافية، ثم ردت تخبره بحروف متشنجة من الارتباك الزائد الذي سيطر عليها وهو مقترب منها هكذا أكثر من اللازم:
-آآ أغير إيه قولتلك مش غيرة بس آآ….
قاطعها حين عاد يكرر ضاغطًا على كل حرف:
-بتغيري يا رهف.
فنفت من جديد في عناد:
-مش بغير يا مروان.
-وأنا قولت بتغيري يا رهف.
تشدق بها في حنق طفولي غاضب، وقبل أن تنطق مجادلة من جديد كان يتابع متوعدًا:
-ويكون في علمك بقا احنا مش خارجين من هنا قبل ما تقولي الحقيقة، ويا أنا يا أنتي يا رهف يا بنت ام رهف.
إتسع بؤبؤيها في ذهول ومن ثم تشدقت في رفض قاطع وكأنه فقد عقله:
-لا طبعًا، أحنا لازم نخرج حالًا مــ,,ـاتنساش كمان إن دا حمام سيدات، وبعدين على فكره أنا قولتلك الحقيقة أنت اللي مش عايز تقتنع.
أقترب منها أكثر كالسابق بعد أن ارخى حصاره قليلًا، ليداعب أنفها بأنفه وهو يقول بنبرة صبيانية:
-هما ماقالولكيش وانتي صغيرة إن الكداب بيخش النــ,,ـــــار ولا إيه يا غزالة؟!
ابتلعت ريقها بتوتر، تلعن كونها شفافة بتلك الطريقة أمامه وكل أوراق كذبها مكشوفة دون حاجز !!…
إنتبهت حين رفع مروان يده وبإبهامه كان يتلمس شفتاها ببطء مُذيب لكل خلية فيها مهتزة أصلًا من اقترابه الحميمي، فأغمضت عينيها وقد إرتجفت تلقائيًا وهي تشعر بشيء لاهب يداعب مكنونات قلبها ودقاته قد وصلت عنان السماء، بينما هو يهمس بصوت عابث في ظاهره مثخن بالعاطفة: