أن القدر يرميها بابتلاءات متتالية استهلكت طاقتها على المقاومة، فقد كانت هي ومروان في حالة جيدة جدًا، كانا في حالة مُشرقة من السعادة، وفجأة هاجمها الكسوف حاجبًا شمس السعادة عنها. بدأت رهف تقترب من مروان ببطء، مترددة وكأنها تخشى انفجاره الحتمي في وجهها في أي لحظة، لمحها مروان بطرف عينيه يدرك خوفها وترددها اللذان يغطيان بُنيتاها، ففتح ذراعه لها كدعوة صامتة لضمها لأحضانه؛ فمهما بلغت أوجاعه ستظل حقيقة واحدة تخفف من سطوة تلك الأوجاع؛ ألا وهي أن رهف كانت الضحية، كانت البريئة الوحيدة في لعبة مليئة بالظالمين…!
واستجابت هي لدعوته التي كانت في أشد الحاجة لها، رامية نفسها بين أحضانه تتمسح فيه دافنة وجهها عند رقبته كالقطة، تحارب دموعها، بينما هو يضمها له بقوة ضاغطًا على جسدها نحو جسده وكأنه يود إسكات أنين روحه التي فتكت بها الغيرة؛ يخبرها أنها له، له وحده قلبًا وقالبًا.
ثم صدح همسها الخافت المرتعش الشبه متوسل وكأنها تحاول صب مُطهر على تلوثات الماضي التي أصــ,,ـابت روحه بسببها هي:
-أنا أسفة.
تنهيدة عميقة صـ,,ـدرت عنه كمقدمة لرد كانت تنتظره رهف على أحر من الجمر، ثم قال بصوت رجولي عميق:
-متتأسفيش على حاجة انتي ماغلطتيش فيها، هو اللي شخص زبالة.
ثم صمت برهه لا يدري أيُخرج التصريح التالي ام لا، ولكنه تابع مستنكرًا:
-أنا مش قادر أستوعب أنتي ازاي فكرتي تأمنيه على نفسك في يوم.
-أنا مابندمش على حاجة في حياتي أكتر من إن أنا استسلمت لمشاعر مراهقة غبية، وماكنش عندي عقل أفكر كنت عايزه أحب وأرتبط وخلاص زي باقي البنات.
غمغمت بها معترفة في صوت مكتوم قبل أن ترفع رأسها عن صـ,,ـدره، قائلة والكره مشوبًا بالنفور يجوب عينيها:
-أحمد دا كان آآ…..
قاطعها مروان في حدة وهو يضع يده على شـ,ـفتيها يوقف سيل كلمــ,,ـاتها التي أشعلت فتيل غيرته من جديد بذكرها لأسم “أحمد”:
-مــ,,ـاتنطقيش حتى أسمه على لسانك.
اومأت موافقة برأسها دون أن تنطق، تدرك أن مفتاح كهف الشياطين داخله أصبح متمثل في “أحمد” .. !
فتلقائيًا ودون تفكير أمسكت رهف بيده لتطبع في باطنها قبلة عميقة ممتنة تحمل من العاطفة ما هزه داخليًا آخذًا إياه في غفوة من بين براثن الوجع….
ثم رفعت عينيها مستسلمة لكل ما تُمليه عليها عاطفتها التي فاضت في تأثر لموقفه الرجولي الذي لم تتوقعه نوعًا ما، وهمست:
-شكرًا.
فقابلها مروان بابتسامة خافتة صامتة، متشابكة الاحساس متمزقة في داخلها… ثم مد ذراعه يحيط بها من جديد مغمضًا عيناه متمنيًا السكــ,,ـــــينة التي غابت عنهم.
**** بعد حوالي ثلاث أيام… في الثلاث أيام الماضية لم يكن عندهما قابلية للخروج من الشقة والإنغماس في العالم الخارجي، كانا في حالة من الفتور والضجيج النفسي الذي لا يحتمل أيًا من مناوشات العالم الخارجي التي قد تُصيبهما.. فقط كانا يحاولان إذابة التكتلات التي أصــ,,ـابت أعصــ,,ـابهم بسبب ما حدث؛ حاجبة عنهما الراحة والهدوء اللذان كانا يتمتعان بهما مؤخرًا.
اقترب مروان من رهف التي كانت تحتل الفراش وتغط في نوم عميق، ليهزها برفق هامسًا وهو يمسك بإحدى خصلاتها الناعمة مداعبًا وجهها بها يشاكسها:
-إيه يا خم النوووم، هنقضيها نوم بس ولا إيه؟!
فتحت رهف عينيها تتفحص وجهه الذي ضُخت به الروح من جديد وعادت عيناه للمعتها الفريدة من نوعها، ثم تمتمت في رقة:
-لأ أنا هقوم اهوه، بس هنعمل إيه؟
غمزها مروان بطرف عينيه مجيبًا:
-خليها مفاجأة وقومي يلا اجهزي.
وبالفعل بعد فترة، وحين فتح مروان الباب ليخرجا، وجد أمامهما الكابــ,,ـــــوس الذي نسج خيوطه بواقعهما عنوة، والذي لم يكن سوى “أحمد” مبتسمًا ابتسامة مستفزة وهو يهتف فاتحًا يداه نحو مروان:
-إيه دا معقولة حاسس بيا للدرجادي، وفتحت الباب من قبل ما أخبط.
-أنت بتعمل إيه هنا !!
سأله مروان بملامح حادة متجهمة افتقرت للمرح الذي كان يستوطنها منذ قليل، فهز الآخر كتفيه بلامبالاة ورد:
-صدفة.
سحب مروان يد رهف التي لم تكن تتوقع هذا الحصار الأسود لفتات الوهج الذي يُضيء حياتهما..!
وخرج من الشقة وبدأ يغلق الباب متجاهلًا تمامًا أحمد الذي بدأ الغيظ يحفر قسمــ,,ـات وجهه، فاقترب من مروان عند اذنه يهمس بتساؤل مصطنع:
-يا ترى الوحمة اللي في رقبة المدام إيه أخبارها ؟
ثم أكمل مشيرًا بيده يتصنع التذكر وبابتسامة أكثر استفزازًا:
-كانت شكلها جميل و خطــ,,ـير على أعصــ,,ـاب أي راجل الصراحة.