أشار أحمد بسرعة لأحد أصدقائه المقربين جدًا أن يقترب، فاقترب الآخر منه متسائلًا، ليخبره أحمد في لهجة متلهفة:
-إلحق امشي وراهم من غير ما يحسوا وأقطرلي مكانهم.
سأله مضيقًا ما بين حاجبيه:
-ودا لية يعني ؟
فضــ,,ـــــرب أحمد على كتفه مرددًا بقوة:
-هقولك بعدين المهم إلحقهم دلوقتي.
اومأ موافقًا وبالفعل إنطلق مُسرعًا خلف مروان ورهف بغية معرفة المكان الذي يقطنوا به.
ارتفع بعدها رنين هاتف أحمد معلنًا وصول اتصال، وما إن رأى اسم المتصل حتى تحرك مبتعدًا عن اصدقائه، يتأفف في ضيق:
-يوووه ودا وقتك انتي كمان.
ولكن لم تكد تمر دقيقة واتصالها مستمر حتى توحشت عينـا أحمد مقررًا انتهاز كل فرصة قد تأتي، فرفع الهاتف مجيبًا بصوت هادئ يناقض ما يعتمل بصـ,,ـدره:
-ايوه يا غادة يا حبيبتي.
-أحمد هو أنت ازاي سافرت من غير ما تقولي؟
أتاه صوت غادة المندفع الأجش وهي تعاتبه، فبلل شـ,ـفتيه يفكر بسرعة ثم تلكأت الاجابة على شفـ,ـتيه:
-منا مجتش مناسبة إني أقولك وكمان مكنتش عايز أشغل بالك بحاجة وأزود عليكي اللي انتي فيه.
كان كمن وخز جـ,ـرحها المنتفخ يستوطنه صديد مرير فصدح صوتها النازح بقلة الحيلة والقهر:
-أنا خلاص زهقت وتعبت بجد يا أحمد.
قلب عينيه في ضجر يحاول كبح لفظ بذيء كاد ينسلت من بين شـ,ـفتيه، ثم قال في قلق زائف ضبط نغمة صوته عليه بمهارة:
-اهدي بس مالك في ايه؟
جاءته أجابتها المشحونة بالغضــ,,ـب والغيظ:
-البيه مابيردش عليا، وبابا بدل ما يقف معايا بيقولي حقه.
-طب ما يمكن مشغول او لسه مشافش المكالمة.
تشدق بها مبررًا يحاول اختلاق الاعذار حتى لا تهد كل ما كان يحاول بناءه سابقًا، ولكنها ناطحته في غل ضاربة بمبرراته عرض الحائط:
-لا هو عايز يأدبني مفكر انه كده بياخد حقه مني.
تنهد متابعًا في نبرة دبلوماسية:
-احنا مضطرين نستحمل، ولا بعد ما ضيعتي معاه سنة من عمرك ناوية تهدي كل اللي عملناه في لحظة غضــ,,ـب؟
زفرت غادة ثم راحت تصارحه في يأس جلي:
-انا اصلًا حاسه إن خطتنا هتفشل وكل حاجة هتطربق على دماغنا.
فقال في إصرار؛ يرفض نصر مروان في نهاية تلك الحروب التي لم تخلقها سوى نفسه المريضة فقط:
-لا مش هتفشل بس انتي اسمعي مني واعملي زي ما بقولك.
استطردت غادة بعدها بأمل طفيف من وسط ظلــ,,ـمة اليأس التي تغرقها:
-انا خلاص مش عايزه الفلوس انا عايزه اعيش معاك بهدوء بس يا أحمد.
كز أحمد على أسنانه ثم بدأ يخبرها في عناد جشع مطلي برجولة لا يمتلكها:
-لا وانا مرضاش إن بعد دا كله تتبهدلي تاني ولسه هنحارب تاني في الحياه، أحنا من حقنا نعيش سعداء.
سمع تنهيدتها الثقيلة ثم استسلامها اخيرًا:
-حاضر، اللي تشوفه.
-شاطرة يا قلبي أحبك وأنتي عاقلة.
تمتم بها أحمد في مكر وابتسامة راضية، ثم تابع مصطنعًا حسن الأخلاق والطيبة:
-طب أنا أسف يا حبيبتي بس مضطر أقفل دلوقتي، مع إني كان نفسي أفضل معاكي وماسبكيش في الحالة دي بس سامحيني بجد عشان الناس تبع الشغل بينادوني.
-ولا يهمك يا حبيبي، ماشي روح ربنا معاك.
همست بها غادة في هدوء، فأكمل أحمد:
-مع السلامة يا حبيبتي.
أغلق الهاتف بعدها وقد إنزاحت قشرة الطيبة والحنو الخادعة مُظهرة جلده الحقيقي من نفور وغيظ..
بدأ يمسح على خصلاته عدة مرات زافرًا أنفاسه في عنــ,,ـف، وجود غادة بدأ يضيق الحصار عليه وهو لا مزيد له من الطاقة لها، وجودها كله زاد وأصبح يتسرب خارج نطاق الأهمية المُحددة لها في حياته..!
فوجودها لم يكن إلا لجعلها بيدق في لعبته يُحركها كيفما شاء، ليحصل على ما يشاء.. عاميًا عينيها برابط ذابل رديء أسماه “الحب” !!
وايضًا بسبب رغبته أن يكون كل شيء في حياة مروان وصلت له يداه قبل مروان نفسه..!
عاد بذاكرته للوراء حيث بداية تلك اللعبة، حين كانت “غادة” مجرد فتاة عادية، وكان مروان في ذلك الوقت يبحث عن عروس، وما إن علم “أحمد” بذلك حتى تذكر “غادة” الفتاة المُتيمة في حبه منذ فترة كبيرة وقد تورط في علاقة عاطفية عبثية معها ولكنه مل الأمر، ثم بدأ يهملها ماقتًا وجودها في حياته، فهي لم تكن سوى لعبة للتسلية، وحين كان مروان يبحث عن عروس قرر أحمد أن يضــ,,ـــــرب عصفوران بحجر واحد؛ يتخلص من غادة، وفي نفس الوقت يجعل مروان يتزوج من فتاة قلبها ملكه هو !..
فكلف أحد اصدقائه المقربين أن يُرشح جارتهم “غادة” كعروس لمروان، ولا مانع بالطبع من الثناء المبالغ به فيها حتى تكسب رصيد عند مروان، ومروان لم يعترض على غادة، بل قرر أن يدخل البيت من بابه، وبالفعل طلب الزواج منها، ولم يكن والدها يرى أي مانع، فتم الزواج.
عاد أحمد لواقعه، وعيناه مُثبتة على اللاشيء بينما الأفكار تتشابك بعقله، يجب أن ينتهى هذا الأمر سريعًا ويجني ثمار صبره بالأموال التي يريدها والتي ستأخذها غادة من مروان، ويأخذ تلك الأموال ليدفعها لأحد معارفه الذي سيجعله يسافر خارج مصر؛ وحينها سيكون قد تخلص من غادة ومن وجودها الكريه، ولعب لعبته الأخيرة تاركًا ندبة سوداء في أعماق روح مروان لن ينساها، وستظل تذكره دومًا أنه أفضل منه.
ولكنه في الواقع لن يخرج من العقدة السوداء المُسماه “مروان” في حياته؛ تلك العقدة التي كالحلزون يدور ويدور بها دون نهاية، فقط ما يحدث هو أن سوادها يطبع على قلبه ماحيًا منه أي ألوان زاهية أخرى من المشاعر الانسانية. **** بعد فترة، في الشقة التي يقطن بها كلاً من مروان و رهف….
كان الصمت المهيب يبتلع الدقائق الحالية من الوقت؛ فقد كان مروان جالسًا على الأريكة واضعًا رأسه بين كفيه وعيناه مُعلقة بالأرض فيما يشعر أن كافة خلاياه أعلنت حالة غير مسبوقة من الغضــ,,ـب والهياج النفسي، أن كل ذرة من جسده تأن في قهر رهيب بسبب أشواك الغيرة الحارقة التي رشقت به..
هو حتى لم يشعر بهذا القدر من الإنفلات العصبي والتفتت في الثبات حين لم تكن رهف ملكه..!
ولكنه يشعر أن الوضع أصبح أسوء بمراحل، فيا ويلك حين يكون الشخص ملكك ولكنه موشوم بدمغة سوداء من الماضي تأبى الزوال..!
وعلى ذكر ذلك، عصفت برأسه ذكرى مقيتة من الماضي وبدأ يتذكر حين كان مجرد عاشق خفي خلف الستار يراقب جارته و معشوقته “رهف” الغير مبالية بعينين تقطر اهتمامًا وشغفًا..
اهتمامًا لم تلحظه هي سابقًا ابدًا، ولكن آخرون لاحظوه، ومن بينهم “أحمد” الذي سارع ينصب فخاخه حول رهف بغاية الإسقاط بها قبل أن ينالها مروان..! وبقلب مفتور ينزف وجعًا، كان مروان يراقب كل خطوة يسيرها أحمد في علاقته مع رهف، ولم يكن يدري بالنية القذرة التي تتوارى داخل أحمد؛ فهو لم يسبق له أن صرح أمامه بمشاعره تجاه رهف.
وكم راودته أفكار منسابة من نزيف قلبه تحثه على المحاربة والاستبسال في الدفاع عن حبه الذي قُـ,ـتل في مهده، ولكن تبخرت هذه الأفكار حين رأى بأُم عينيه التجاوب والقبول الواضح من رهف تجاه “أحمد” بل ونيل أحمد قلبها بنجاح..!
نيل قلبها الذي كان حلمًا صعب المنال، كان بالنسبة له كجوهرة موضوعة في أعلى الأبراج والصعود لها يتطلب السير على سلم ضاري حاد كـسن السيف.
فقرر بعدها تغيير مسار طريقه لطريق أخر يشرع فيه في بناء حياة جديدة، فهو بالطبع لن يظل راهب يبكي على أطلال معشوقة أعتقد أنها لن تكن له يومًا…
ثم بدأ بالفعل يبحث عن عروس، ربما تكون هي الدواء لقلبه الجريح بعد أن كانت رهف الداء، ثم تزوج بالفعل بـ “غادة”، والتي لم تكن سوى جـ,ـرح جديد فُتح في قلبه فجعلته غائر بالجروح…..!
ورهف لم تكن أفضل حالًا منه، كانت تشعر أنها كطائر مكسور الجناح، وهو مَن كــ,,ـــــسرت جناحها بنفسها، بواسطة أفعالها الرعناء الغبية، التي كرهت نفسها بسببها الآن..!
الدمع يفيض من عينيها تشعر أن روحها تبكي بدلاً من الدموع دم، وليست عيناها فقط!