أبعدها “فايز” عن أحضانه برفق، ثم بدأ يطالع قسمــ,,ـات وجهها التي حرصت غادة أن تكون خالية من أي نور ينم عن أي سلام نفسي، بل جعلتها ملتوية وكأن الحزن شقق أطرافها شقًا بهجومه الضاري المستمر والذي لم يكن بسبب احد بالطبع سوى “مروان”..
سألها فايز مستفسرًا بنبرة لم تخلو من القلق:
-مالك يا غادة حصل إيه ؟
فأجابت في اندفاع وأعصــ,,ـاب مهتاجة:
-حصل إيه، قول ماحصلش إيه يا بابا.
أمسك كتفاها معًا يضغط عليهم برفق مكررًا سؤاله في صرامة:
-إنطقي على طول وقولي حصل إيه؟
إنعقد ما بين حاجبيها تلقائيًا وبصوت مخـ,ـتنق كان على أعتاب قليلة من البكاء قالت:
-أنا خلاص يا بابا تعبت ومبقتش قادرة أستحمل أكتر من كدا.
زفر فايز بصوت مسموع عدة مرات قبل أن يتحرك من أمامها ليجلس على الأريكة وهو يتشدق في سخط:
-تاني يا غادة هنرجع لنفس النغمة؟!
أسرعت نحوه تجلس على الأرض أمامه مستندة بيداها على أقدامه، وبعينين لامعتين بدموع زائفة تشبهان عينا قطة بريئة تعاني:
-لا يا بابا، صدقني أنا حاولت أصبر وأستحمل زي ما قولتلي، بس الموضوع بيزيد سوء مش بيتحل ويهدى.
-بيزيد ازاي يعني؟
سألها فايز مستفسرًا بتركيز في ترقب لإجابتها، فاستطردت هي في قهر زائف وتمثيل بارع تخبره بما لم يحدث سوى بخيالها الخبيث فقط:
-مروان شوفته، كنت عايزه أتكلم معاه، كان لازم نشوف حل للوضع اللي أحنا فيه دا، لقيته هب فيا وفضل يزعق جامد وأهاني جامد أوي وفضل يقولي إنه هينتقم وهياخد حقه مني تالت ومتلت، وإنه هيسبني متعلقه زي البيت الوقف وإنه هيفضل يعاملني أزبل معاملة زي العبيد ومش هقدر أنطق وأقوله بم.
تجمدت ملامح فايز للحظات ولم يستطع عقله ترجمة ما تقول من غدر خرج عن إطار الصورة التي كان يرسمها بعقله لمروان، فنهض من مكانه يهز رأسه وهو يسألها في استنكار تملق بين حروفه:
-أنتي بتقولي إيه! مروان عمل كدا؟ ازاي! وقالك إنه سايبك عشان ينتقم وإنه هيعاملك زي العبيد؟
اومأت مؤكدة برأسها لتتابع بكلمــ,,ـات كانت أشبه بمسامير هدفها الأوحد دق الصورة الجديدة لمروان بين جدران عقله:
-ايوه والله، هو انا هكدب عليك في حاجة زي دي يعني يا بابا.
هز فايز رأسه نافيًا وقال وقد بدأ عقله يشرد مفكرًا:
-لا مش موضوع هتكذبي بس عمري ما توقعت إن تفكير مروان يكون بالطريقة دي. وبدأ يسبح في بحر الذكريات والتي ليست ببعيدة كثيرًا؛
في البداية حين حاــ,,ـــــدث مروان بعد شكوى غادة وأخبره مروان أنها تحب شخصًا آخر، وأنه رغم ذلك سيعطي حياتهما فرصة اخرى، لم يُكذب مروان بالطبع لأنه كان يعلم ذلك، وفضل الإنسحاب وترك مروان يتعامل مع المعضلة بينه وبين غادة، فربما كثرة تدخله يزيد من المشاكل بينهما وليس العكس، وحين ازدادت شكوى أبنته وإصرارها على ما تقول، بدأ يتدخل مرة أخرى ولاحظ تهرب مروان منه، ولكنه لم يكن يتخيل أن يكون تفكيره قد وصل لهذا الحد، وأن تكون ابنته مُهانة “عبدة” له كما قال ابدًا، مهما اخطأت أبنته فهو لن يقبل أن تُذل أو تهان..
بدأ يشعر أنه ولأول مرة في هذا العمر الكبير يُخطئ بالحكم والتعامل مع شخص ما..!
استفاق من شروده على صوت غادة الذي كان يميل لإستعطاف الأب الذي يجلد ذاته في تلك اللحظات:
-هو مفكر إني مليش حد يقفله وإنه هيعمل ما في هواه.
حينها إلتفت لها فايز، وقد نجحت بمكرها في الاستحواذ على فتات التحكم العقلي المتبقي داخله، وبدأ يربت على ذراعها في حنو بدلاً من الذي يظن أنها تفتقده، وقال في صوت حاني حازم يحاول طمئنتها:
-لأ طبعًا يا يا حبيبة بابا، محدش يقدر يعمل فيكي كدا طول ما أنا على وش الدنيا.
بدأت ابتسامة متصنعة الذبول تصافح ثغر غادة والدموع لازالت تصر على استكمال دورها على أكمل وجه، وتمتمت:
-كنت متأكدة إنك مش هتسيبني ليه يبهدلني.
اومأ فايز دون تردد مؤكدًا على كلامها:
-طبعًا يا حبيبتي.
فتجرأت على سؤاله بعينين صقريتين مترقبتين تراهن على الوصول للنتيجة التي تزحف لها زحفًا بمكرها اللامتناهي:
-طب هتعمل إيه يا بابا ؟
فأتتها الاجابة التي ودت سماعها منذ حينٍ، لتُسقط الستار على المسرحية التي مثلتها، معلنة استحقاق تمثيلها الخادع لوصولها لما تريد:
-مش هاسيبك ليه تاني وهيطـ,ـلقك غصب عنه وهيديكي كل حقوقه كمان.
حاولت إخفاء فرحتها رغم أن عيناها كادت تصيح بها، وسألته في توجس:
-بس هو ممكن ميرضاش؟؟
-مش هيقدر يرفض تاني خلاص.
قالها والتصميم ينضح من عينيه، قبل أن يُخرج هاتفه ويجري اتصالًا ببعض الرجال…… **** على الناحية الاخرى.. ليلًا.. -الف مبروووك المدام حامل. صدحت جملة الطبيبة كالمفرقعات النـ,ـارية التي أشعلت مُضيئة قلب كلاً من “رهف” ومروان اللذان تصنما مكانهما للحظات دون القدرة على إعطاء أي رد فعل وقد تشنجت حواسهما وتشابكت مشاعرهما التي تأججت فجأة..!
ومع كل ثانية تمر كانت قطرة من الاستيعاب تستقر بعقل كلاً منهما، وكان الأسرع مروان الذي لم تستأذنه ابتسامته الواسعة وهي تحتل ثغره، وقد عَلت نبضات قلبه على كل شيء حوله، وكأنه في دنيا خالية من البشر، ولا يسمع سوى تلك الجملة التي كانت بمثابة مزمار يصدح أخيرًا مهللاً بعد أيام عديدة من الحداد، والسعادة التي ظن أنه قد نسي مذاقها، تستقر الان بحلقه ليتلذذ بمذاقها بعد غياب.. وقلبه المنفطر يربت على جـ,ـرحه هذا الخبر ليُرطب ملوحته اللاسعة وبالتأكيد سيُعيد لكرامته المُهدرة سابقًا حقها…!
اما رهف فكانت في حالة غير مسبوقة من إنفلات المشاعر، شتى المشاعر التي لا قدرة لها على تفكيك تشابكهم، بل تشعر أنها إنخرطت في تلك الدوامة، ولكن الشعور الأهم والذي كان يسري مسرى الدم داخلها الآن… هو الفرحة.. الفرحة التي زُرعت داخلها دون سابق اذن ما إن سمعت جملة الطبيبة، وترقرقت الدموع في عينيها لتزين تلك الفرحة العارمة التي غمرتها.
إنتبهت رهف لمروان الذي بقي ينظر لها وكأنه غير مصدقًا، ثم إلتقط كفها برفق ليطبع قبلة عميقة على ظاهره، وكأنه يعبر لها عن امتنانه لتلك السعادة التي منحتها له بعد صيام وتوق، ثم خرج صوته خشنًا مثخنًا بالعاطفة:
-الف مبرووك يا حبيبتي.
لتهز رهف رأسها بابتسامة رائقة تشابه حلاوة ابتسامته وهمست بتأثر:
-الله يبارك فيك يا مروان.
وبعد فترة… بعد أن غادرا عيادة الطبيبة بعد إنتظار طويل لتظهر نتيجة التحليل الذي أجرته الطبيبة لرهف، وبعد أن إنتهت الطبيبة من املائهما بعض التوصيات الخاصة بالحمل، وصلا اخيرًا أسفل العمارة التي يقطنا بها، وما إن دلفا مدخل العمارة حتى أوقف مروان رهف جاذبًا إياها لأحضانه، يضمها له بقوة مغمضًا عيناه يهمس والشوق ينحر حروفه:
-اخيرًا، اخيرًا يا غزالة.
اشتدت قــ,,ـــــبضتا رهف تمسكًا بملابسه، لم تكن تتخيل أن هذا الخبر سيجعله شخصًا آخر، وكأن السعادة فعلاً هي وهب الحياة، وما الحزن والشقاء إلا مـ,ـوت إكلينيكي للقلب..!
ابتعدت عنه بعد لحظات لتهمس وهي تنظر حولها في قلق خشية من رؤية أي شخص لهم بهذا الوضع:
-مروان احنا في المدخل ممكن أي حد طالع ولا نازل يلاقينا كدا.
جذبها مروان برفق ليُدير جسدها ويسندها على الحائط من خلفها، ثم وضع ذراعاه حولها يُحيط بها، مُقربًا وجهه من وجهها قائلًا بصوت رجولي مثير:
-محدش ليه عندنا حاجة أنتي مراتي، ثانيًا أنا في قمة سعادتي، وعايز أعمل كل حاجة مجنونة، لدرجة إني دماغي بتهفني أبـ,ـوسك دلوقتي حالاً.
تلقائيًا وضعت رهف يدها على شفـ,ـتيها وهي تهمس متسعة العينين:
-أنت مجنون.
اومأ مروان مؤكدًا وبابتسامة واسعة وعيناه مُسلطة على يديها التي تغطي شـ,ـفتيها أكمل:
-جدًا، ومفضوح، وبعدين أنا عايز أعبر عن سعادتي الله !
رفعت رهف حاجبها الأيسر تحدق به بنصف عين مغمغمة:
-وهي سعادتك دي مابيتعبرش عنها غير بقلة الأدب؟!
اومأ مروان برأسه، ثم اقترب منها اكثر حتى اختلطت أنفاسهم وبدأت ابواق الخطر تطرق أبواب عقل رهف، ثم خرج منه هسيس خطــ,,ـير يحمل ايحاءات وقحة جعلت الحمرة تزحف لوجنتاها:
-هو في زي قلة الادب، وجمال قلة الادب، وحلاوة قلة الادب وطعامـ….. إيه قلة الادب دي ما تيلا ياست انتي دا انتي عايزه تجرجريني للرذيله جدًا.
قالها وهو يبتعد بسرعة وقد تحولت نبرته فجأة للمرح المخلط بالجدية الزائفة حين سمع خطوات قادمة من الأعلى..