روايات

عبث الثاني

فضحكت رهف بملأ فاهها وكادت تصعد بالفعل ولكنه أوقفها ممسكًا بذراعها وتابع مسرعًا:
-استني استني، أنا اللي هاطلعك.
لتهز هي رأسها نافية وضحكت وهي تخبره:
-مروان أنت فاهم غلط، أنا حامل مش اتشليت، هطلع لوحدي عادي.
-والله ما يحصل لازم أنا اللي أطلعك.
غمغم بها في عناد وكاد يقترب منها ليحملها بالفعل، ولكنها أسرعت تستطرد محاولة إيقافه:
-بلاش يا مروان احسن تتكعبل ونقع.

نالت منه بعدما رمته بداء القلق من جديد، فأومأ موافقًا لها على مضض، وحين تحركت وبدأت تصعد أمامه، بدأ يصفق لها برفق وهو يتمتم بنبرة فكاهيه وكأنه يداعب طفلته ذات العام، وليست زوجته:
-ايوه براحه، تاتاااا خط العتبة.
إنطلقت ضحكة عَلى صداها من رهف التي لم تستطع خفض صوتها على طريقته وما يقوله، فضحك مروان هو الآخر وهو يقول بشقاوة:
-لا يا حبيبتي كدا هنتاخد اداب.

وبعد دقائق كانا قد صعدا بالفعل، سمع مروان صوت رجال يأتي، ولكنه لم يستطع تحديد مصـ,,ـدره، وحين وصلا الدور الذي به الشقة وجدا باب شقة غادة مفتوح، وخرج منه والدها الذي قال بجمود:
-حمدلله على السلامة يا مروان، ياريت تيجي ضروري.
اومأ مروان برأسه دون كلام، ولكن لم يستطع كبت دهشته من رؤيته الآن تحديدًا ومناداته له هكذا، فأشار لرهف نحو الشقة مردفًا في هدوء:
-ادخلي أنتي يا حبيبتي وانا هاجي وراكي كمان خمس دقايق.
اومأت رهف برأسها موافقة ودلفت لشقتها بالفعل، ودلف مع والد غادة، ليجد بعض الرجال من معارفه هو وعائلته، ومعارف والد غادة..

بعد أن جلس وسطهم ورحب بهم، كانت ملامحه تصرخ بالتساؤل الذي لم ينطقه لسانه عن تواجدهم الآن، حتى قال كبيرهم عمرًا بهدوء مسببًا صدمة سداسية الأبعاد لمروان:
-بص يا مروان من غير لف ودوران، أحنا جايين كفاعلين خير، أبو غادة وغادة بيقولوا إنك مابتديهاش حقوقها الزوجية من وقت جوازكم وإنك رافض تتعالج ورافض تطلقها كمان….! الفصل العاشر “الأخير” :-

تجمد مروان مكانه دون أن يبدي رد فعل، فقد نالت منه الجملة الأخيرة حين تشكلت بقــ,,ـــــبضة حديدة ضــ,,ـــــربته بحركة مباغتة مُخلة بتوازنه النفسي..!
وأخيرًا استطاع صوته العودة لنطاق الاستجابة حين صدح قائلًا في استنكار غير مصدق:
-أنت أكيد مش واخد بالك أنت بتقول إيه يا حاج محمود صح.
وسرعان ما اُزيح حجر الصدمة الثقيل لتشتعل النــ,,ـــــار بلسانه مُشكلة حروف تشع غضــ,,ـبًا:
-أنتوا ازاي أصلًا تصدقوا عني حاجة زي دي، وخصوصًا لما يكون الكلام من شخصية كدابة ومريضة زي بنتك.

قال أخر كلمــ,,ـاته محيدًا بعينيه نحو “فايز” في نظرة ذات مغزى، فاندفع فايز يدافع عن ابنته التي لم تكن مجتمعة معهم:
-أنا بنتي مش كدابة ومريضة يا مروان، وأعرف لكلامك أحسنلك.
صاح مروان في انفعال حقيقي:
-لا كدابة، وزبالة، وأنت عارف كده كويس، من ساعة ما قالتلك إن ماحصلش بينا حاجة وشككت في رجولتي مع إنها هي اللي مانعة نفسها عني.
ثم مال رأسه قليلًا ينظر لفايز بسخــ,,ـرية وابتسامة باردة ظاهريًا بينما في باطنها تغلي كالمرجل:

-وأظن أنت عارف هي مانعة نفسها عني لية من أول جوازنا، وضحكت عليا وحسستني إني هفأ لما جوزتني بنتك وأنت عارف إنها بتحب واحد تاني ومش عايزة ولا عارفة تنساه.
ثم بدأ يشير بيده متابعًا وتلك الابتسامة المي\تة لازالت متعلقة بفمه بينما نبرته ينضح منها المرارة والشعور القاهر بالاستغفال:
-وكانت بتعمل كل حركاتها ومش عايزاني أقرب منها عشان طبعًا الهانم عايزه تروح تتجوز البيه بتاعها وتطلق من جوزها الطيب الأهبل اللي استغفلتوه واللي سابها بمزاجه وفكر إنه بيديها وبيدي حياتهم فرصة ووقت عشان تنسى اللي بتحبه.

جزء من فايز كان مقتنع بصحة حديث مروان وشعوره، خاصةً أنه رجل مثله، ولكن الأب داخله أبى الاستسلام فراح يستطرد بحدة:
-مــ,,ـاتفسرش كل حاجة على مزاجك، في أول جوازكم فعلاً أنا كلمتك بطريقة غير مباشرة وأنت قولتلي إنها هي اللي بعيدة عنك عشان كانت بتحب واحد تاني، لكن بعد كده بدأت معاك على نضافة وأنت اللي عندك مشكلة.
أشار مروان لنفسه متسائلًا مستهزئًا في استنكار:
-أنا اللي عندي مشكلة؟
اومأ فايز مؤكدًا ومن ثم تابع محاولًا تخليص ابنته من شوائب سوداء تحوم حول سُمعتها في تلك اللحظات:

-أيوه عندك مشكلة، أنا عارف إنها حاجة صعب على أي راجل إنه يعترف بيها وخصوصًا وسط قاعدة رجالة زي دي، لكن معلش بنتي مش مضطرة ابدًا تضيع الباقي من سنين عمرها مع واحد ماقدرش إنها صــ,,ـابرة وساكتة وكمان معاملته ليها زي الخدم والعبيد.
هز مروان رأسه غير مصدقًا طريقته في الدفاع عن ابنته وتلك القصة التي حُبكت من وحي خيال غادة لتضعه هو في موضع الخسة!
ثم بدأ يهز رأسه وهو يقول:
-والله العظيم أنت وبنتك اللي عندكوا مشكلة في دماغكوا.

ولم يعطه فرصة الرد إذ تحرك ليمسك بالأوراق والتحاليل التي تثبت أن رهف حامل، ثم بدأ يفتحها بحركات سريعة عشوائية ويُحركها أمام وجوه الجميع متشدقًا بصوت عالي صلب أعطاه الصدق صدى قوي:
-التحاليل اللي بتثبت إن مراتي حامل اهيه، والحمدلله إني مكنتش أعرف أصلًا إنكم جايين، دا تدبير من عند ربنا عشان عارف نوايا كل واحد.
تحركت الأعين تجاه تلك الأوراق تستشف منها الحقيقة المكتوبة في عيني مروان بحــ,,ـــــرقة والتي لم يكن ينقصها سوى ختم بدليل يوثقها، فتنحنح الحاج محمود في شيء من الحرج وقال:
-الف مبروك يا مروان ربنا يبارك ويقر عينكم بيه.

ثم استدار ينظر تجاه البقية وأكمل:
-الظاهر إن وجودنا هنا ملهوش داعي فعلًا.

اومأ مروان برأسه دون رد، بينما عيناه تتابع فايز الذي تهاوى جالسًا على الأريكة، يشعر وكأن الهواء قد إنحسر عن رئتيه مسببًا له صعوبة قاتلة في التنفس..
لم يكن يتخيل أن يباغت بأول رد فعل هجومي بغاية انقاذ ابنته من الوحل، فيكتشف أنه هو الذي سقط مكتوم الأنفاس صريع ذلك الوحل الذي لم يكن سوى من تدبير أبنته…!
تحرك احد اصدقاء “فايز” نحوه، يربت على كتفه مرددًا في نبرة مشفقة:
-قوم يا فايز بينا نمشي يلا.
ثم رفع رأسه نحو مروان وتشدق معترفًا:
-الحق يتقال كده أحنا محقوقينلك يا مروان.

هز مروان رأسه نافيًا ودون أن يفكر مرتان كان يجيب بما يحوم رأسه في تلك اللحظات من أمنية وحيدة بخل عليه الزمن بتحقيقها:
-لا لا، ولا حد محقوقلي ولا أنا محقوق لحد، أنا عايزكوا بس تسيبوني في حالي وتسيبوني أعيش حياتي بهدوء من غير مشاكل وضغط نفسي وقهر.

اومأ الآخر دون أن يجد رد مناسب، لم تكن توجد كلمة مناسبة واحدة حتى يمكن أن تنتشلهم من بين بقاع الاحراج القهري، خاصةً فايز الذي لم يكن يحس سوى بألم ينخر قلبه نخرًا وصداه يصل لكل خلية بجسده حتى تخدر كله ولم يجد القدرة حتى على التأوه معلنًا عن ألمه، فكُتم وكُتم حتى تعظم الألم..

والفضل يعود لأبنته التي كانت تستمع لما يحدث من غرفتها بالداخل…
تضع يدها على فاهها والصدمة تستبيح ملامحها، لا تصدق كيف إنقلب السحر على الساحر بتلك الطريقة..
لا تود حتى تخيل رد فعل والدها تجاهها بعدما حدث، بدأت تضغط على رأسها، علها تسعفها بأي شيء يُنقذها بورطة من صنع يداها، ولكن لم تكن تملك سوى الجلوس متصنمة الملامح، في انتظار القادم المُبهم، والذي أدركت أنه بداية النهاية لها..! **** بعد قليل…

كانت رهف جالسة على الأريكة أمام الباب في منزلها، تائهة بين أمواج الصدمة المتلاطمة، سمعت ما دار بين مروان وباقي الرجال، تحديدًا ما قاله مروان ووقع على الصور التي رسمها خيالها سابقًا ليبث بها الروح وتصبح أشباح فكرية تتمختر بين ثنايا عقلها دون توقف..
أصبحت متيقنة أن مروان طالما أنه يعلم بخـ,ـيانة غادة، فهو تزوجها لينتقم من أحمد ويقهره بها..
برغم شكها سابقًا ولكن كانت تتمسك بالحبال الذائبة لأمل طفيف يخبرها أنه لا يفعلها.

انت في الصفحة 7 من 10 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى