دلف مروان للمنزل متوجهًا نحوها يردد في هدوء والارهاق يستوطن معالمه:
-السلام عليكم.
-وعليكم السلام.
ردت دون أن تنظر نحوه حتى، متظاهرة بالإنشغال في مداعبة أظافرها، فجلس جوارها مروان، ثم مد يده ليمسك كفها محيطًا إياه بكفيه، ثم أردف بعدما تنهد بعمق:
-يااه يا غزالة آآ ….
قاطعته رهف التي سحبت يدها من بين يديه بعـ,ـنف وراحت تردد مستنكرة في تهكم صريح:
-خلاص كفاية تمثيل كل حاجة بانت وبقت واضحة.
-تمثيل!
رددها مروان غير مستوعبًا دون فهم عاقدًا ما بين حاجبيه، فأومأت رهف مؤكدة وبنبرة حاولت جعلها قوية حتى لا تخونها دموعها:
-أيوه تمثيل، كل حاجة بقت مكشوفة وأنا سمعت.
هز مروان رأسه وللحظات أحس أنه فقد القدرة على الفهم او هي التي أصبحت لغز يصعب حله، فسألها بصوت أجش:
-هو إيه اللي بقا مكشوف وإيه الكلام دا ما تقولي يا رهف في إيه؟!
أجابت والثبات يتقهقر من حروفها شيئًا فشيء:
-أنا سمعت اللي حصل جوا من شوية.
-يعني؟
سألها مروان ولم يصل عقله لقلب الخيط المتشابك بعد، فتابعت رهف بعدها والقهر يحجز مكانًا لا بأس به في حروفها:
-يعني عرفت أنت متجوزني لية.
رفع مروان حاجباه معًا في شيء من السخــ,,ـرية والاستنكار:
-بجد والله؟ ومتجوزك لية بقا يا ام العريف؟
-واضحة، متجوزني عشان غادة.
ردت رهف بجدية متجاهلة السخــ,,ـرية في طريقته، ازدادت العقدة بين حاجبي مروان الذي عاد يكرر سؤاله وكأنها تتحدث بلغة غريبة:
-يعني إيه متجوزك عشان غادة، وهي غادة مالها بجوازي منك؟
أكملت رهف في اندفاع دون أن تستطع ملامحظة التعجب الحقيقي المرسوم على وجه مروان:
-عشان تنتقم من أحمد بيا وتقهره.
بهتت معالم السخــ,,ـرية عن وجه مروان، وحلت اخرى مصدومة هادئة كمعالم شيطان استفاق لتوه مغادرًا مغارته يتخبط بين الصحوة والغفوة ولم يبدأ عبثه بعد، وراح يسألها بنفس الهدوء المُريب:
-إيه علاقة أحمد بغادة؟
ابتلعت ريقها بقلق وقد بدأت عصبة الغضـ,ـب تُزاح عن عينينها لترى حقيقة عدم معرفة مروان بتلك الخـ,ـيانة بالفعل..!
وبدأت تبلل شـ,ـفتيها لا تجد ما تقوله، فأمسك مروان ذراعها ضاغطًا عليه متابعًا هدير وصلة اسئلته العالية:
-إيه علاقة أحمد بغادة إنطقي يا رهف.
-مروان بص آآ….
تمتمت رهف بصوت مبحوح ولكنه قاطعها في حدة وقسوة يده على ذراعها تزداد:
-مش عايز أسمع إلا اجابة السؤال دا، إيه علاقة أحمد بغادة؟
حينها لم تجد رهف مفر من سلك مسار الاجابة والذي لا تدري أين ستكون نهايته، وردت بصوت مُلجلج:
-غادة بتحب أحمد وآآ….
ازداد تأهب ملامح مروان جابرًا إياها على الإكمال، وبالفعل استطردت متابعة:
-ولسة على علاقة بيه ماقطعتش علاقتها بيه.
للحظة لم يبد مروان أي تعبير واضح على وجهه، ولكنها استطاعت رؤية مارد الغضــ,,ـب بين سوداوتاه يعلن استفاقته التامة وخروجه عن بؤرة السكون!
ثم سألها بنفس الملامح الجامدة المخيــ,,ـــــفة:
-أنتي عرفتي الكلام دا منين؟
بدأت رهف تقص عليه كل ما قاله لها والدها، وهو كان يستمع لها بهدوء ما قبل العاصفة، وطبول الخـ,ـطر تدق معلنة قرب الإنفـ,ـجار المحتوم..
وما إن أنتهت حتى نهض مروان دون كلمة واحدة على كل ما قالته، وهتف مخالفًا كل توقعاتها:
-قومي جهزي هدومك.
سألته رهف في قلق وعدم فهم:
-أجهز هدومي لية؟
-هاوديكي عند أهلك.
رد بنفس الجمود، فاستفسرت رهف والقلق يزداد داخلها:
-هتوديني عند أهلي لية يا مروان؟
أتتها الاجابة جامدة قاسية دون أن تمر على فلاتر العقل داخله ولو لحظة:
-أعملي اللي بقولك عليه مش عايز رغي كتير.
ثم استدار متوجهًا للمرحاض دون أن يعطها فرصة الرد او المجادلة، فتحركت رهف مجبرة نحو غرفتهم وبالفعل بدأت تجهز ملابسها في حقيبتها…
وبعد فترة ليست كبيرة إنتهت، وخرجا من منزلهما سويًا، فوقعت أنظار مروان على سلة القمامة الموضوعة أمام منزل غادة، هبت ذكرى عاصفة من الماضي القريب على عقله، حين رأى نفس سلة القمامة ولكن حينها رأى بها “اختبار حمل” ملقي، ووسـ,ـوس له شيـ,ـطانه بأفكار لم يطل التفكير بها حينها بل استبعد كل شياطينه مرددًا لنفسه أنها من سابع المستحيلات أن تتجرأ غادة على خـ,ـيانته، وأن تكون خيـ,ـانة جسدية أيضًا..! عاد من بين براثن ذكرياته الموحشة التي زادت من سعير غضــ,,ـبه وجنونه حين بدأ عقله يربط الاحداث ببعضها، فكز على أسنانه وضغط قــ,,ـــــبضة يده بعـ,ـنف حتى برزت عروقه…
وكما قال أخذ رهف لمنزل أهلها في ظل استسلامها الإجباري وخوفها الرهيب من القادم، تحديدًا من رد فعله التي تأكدت أنها ستكون صادمة كارثية. **** بعد فترة ليست كبيرة….
كان مروان يطرق بعـ,ـنف على باب منزل أحمد والذي لم يكن بعيد عن العمارة التي يقطن بها بل كان قريب، فتح أحمد الباب وهو يصيح في غيظ من الطارق:
-أيوه جاي في إيه!
وما إن فتح الباب حتى صُدم من تواجد مروان الذي كانت ملامحه تنذر بكل الشر والإجرام الموجود في العالم، ودون أن يعطه أي فرصة للإستيعاب او السؤال كان يدخل ويغلق الباب خلفه ثم هجم عليه يكيل له الضــ,,ـــــربات بجنون وعشوائية بغل وغضــ,,ـب تفجرا كالقنبلة الموقوتة في وجهه ويصيح مزمجرًا كليث جريح:
-يابن ال**** يا واطي يا زبالة أنا تعمل فيا كدا.
حاول أحمد بالطبع التصدي لهجوم مروان، ولكن مروان كان في حالة فريدة من نوعها لأول مرة تتلبسه، كان في حالة هياج تام للأعصــ,,ـاب، يداه تستجيب لنيـ,ـران الغضــ,,ـب بين ضلوعه وتستخلص الثـ,ـأر من ذلك اللعين علها تطفئ تلك النيـ,ـران، ولكنها لا تنطفئ بل تزداد…
كل ثانية تمر وهو ينظر لملامحه فيرى انتهاك عرضه يشعر أنه على حافة الجنون فيزداد جنون ضـ,ـرباته التي تسببت بألآم مبرحة لأحمد الذي اُنهـ,ـكت قواه تمامًا…
وما إن افرغ مروان جزء لا يستهان به من طاقته حتى نهض جاذبًا أحمد بعـ,ـنف من خلفية ملابسه ساحبًا إياه معه نحو المطبخ، بحث بسرعة عن مراده وبالفعل وصل لأحد
الأدراج وأخرج منها سكــ,,ـــــين، ثم وضعه على رقبة أحمد وقال بتهـ,ـديد صريح إجـ,ـرامي من بين لهاثه:
-وديني وما أعبد لو ما لبست دلوقتي جاكيت ولفيت أي كوفية على وشك ومشيت معايا بكل هدوء لادبحك، انا خلاص مش فارق معايا حاجة تاني ومجنون وأعملها.
-حاضر اهدى بس يا مروان.
صدح صوت أحمد المتعب كهذيان مرتعب، والألم بقدمه لا يحتمل، فتقريبًا مُزقت قدمه او ربما كُسرت!..
فصرخ فيه مروان ضاغطًا على ذراعه:
-اخلص يالا.
وبالفعل قام بما أملاه عليه مروان، ووضع مروان السـ,ـكين في يده أسفل الچاكيت الخاص به وباليد الاخرى أمسك بإحكام بأحمد، وتوجه نحو العمارة التي يقطن بها قاصدًا منزل غادة، وما إن دلف للعمارة أخرج هاتفه وأتصل بفايز الذي أجاب بعد دقيقتان تقريبًا، قائلًا بصوت أجش شبه آمر:
-تعالى على الشقة اللي بنتك قاعدة فيها دلوقتي حالاً.
وبالفعل صعد مع أحمد للأعلى حيث الشقة التي تقطن بها غادة، طرق بعـ,ـنف على باب المنزل ففتحت غادة وشهقت متفاجئة مرتعبة مما تراه امامها، فألقى مروان أحمد داخل الشقة وكاد يدخل ولكن فتحت رهف الباب مسرعة تناديه في هلع:
-مروان.
فسألها مروان بلهجة غليظة أشعرت رهف أنها تحاــ,,ـــــدث شخصًا آخر غير مروان الذي عرفته وأحبته..! :
-أنتي إيه اللي جابك هنا أنا مش قولتلك هتقعدي هناك؟
بادلته السؤال بسؤال آخر مهزوز من القلق وهي تسترق النظر نحو داخل الشقة ونحو السكــ,,ـــــين التي يمسك بها متجاهله الاجابة عن سؤاله: